اختارت نادين لبكي أن تحقق شريطاً باللهجة اللبنانية. لم تكن الترجمة إلى الإنكليزية على الشاشة كافية. كيف يمكن ترجمة كمّ السباب من العيار الثقيل الذي تضمّنه الفيلم. أي أنها اهتمت بالجمهور اللبناني والعربي أولاً قبل الركض وراء العالمية. يمكن اختصار الفيلم في أربع نقاط: عائلة زين ابن الـ 12 سنة وبطل الفيلم؛ زين والإثيوبية وطفلها؛ الأحياء الفقيرة وأحياء التنك؛ أوضاع السجون.

1. ترسم الكاتبة صورة عائلة معدمة تسكن في حي فقير. ينام الأطفال وهم كثر متكوّمين في مترين مربعين. النافر في حياة العائلة الذي سجّلته المخرجة هو بلوغ أخت زين الحادية عشرة. ينتبه أخوها إلى أنها أصبحت في سن البلوغ من نقطة الدم على الفراش. يغسل ثيابها الداخلية ويلبسها «حفاضاً» لكي يخفي الأمر ويمنع زواجها. لا ينفع ذلك. تتزوّج الأخت وتصبح حاملاً وتصاب بنزف من فحولة زوجها وتموت.
ينقسم ناس الفيلم إلى فئتين. أبو زين وأمه من فئة الأشرار. ينام الأب طوال النهار على الأريكة. وهو مدمن كحول. ترسم المخرجة صورة عاطل دائم من العمل. هو عاطل من العمل لأنه مريض نفسياً. ليس كل الفقراء مرضى نفسياً، ما يقلّل من «تمثيليته» ويُضعف حجة الفيلم. الأم أشبه بصورة الأم في تحفة الأخوين تفياني «بادر بادروني». ليس لديها مشاعر أمومة ولا تعبّر عن مشاعر تعاطف في أي وقت. حين هرب زين من البيت وعاد بعد شهور عنّفته وضربته وتعاونت مع أبيه لإخراجه من البيت.
والأب والأم وقحان. ينام الزوج مع زوجته على مسمع من الأولاد في الليل. وحين ادّعى زين وهو في السجن على والديه قدما تصريحات شفوية لتبرئة نفسيهما أكّدت صورتهما كشخصين كريهين لا يمكن التعاطف معهما.
2. هرب زين من البيت بعد تزويج أخته غصباً عنه. التقى الإثيوبية التي أنجبت خارج الزواج وتعيش في حي من بيوت التنك. يرسم زين والإثيوبية وطفلها صورة على نقيض عائلة زين. هنا أم تحب طفلها، وطفل يرفل بالسعادة مع أمه. ثم تُعتقل الأم لأنها بدون أوراق. فيبقى الطفل في عهدة زين الذي لا يعرف سبب غيابها.

أظهرت أن التعاطف هو ما يجعل الناس بشراً والحياة ممكنة حتى وسط أقسى الظروف


هناك مشاهد مبهرة من تعاطف ابن الـ 12 سنة مع ابن السنتين. يأكلان ما بقي في البرّاد، وصولاً إلى مكعبات الثلج ويسرق زين بودرة حليب لإطعام الطفل. وحين يصل زين إلى اقتناع بأن الإثيوبية الغائبة هي مثل أمه، يقرر ترك الطفل. يربط رجل هذا الأخير بوتد على طرف الرصيف لئلا ينزل إلى الطريق فتصدمه السيارات. يقف على مسافة أمتار منه يراقبه قبل أن يدير ظهره له. ثم يعود إليه ويفبرك له عربة من الطناجر يجرّه فيها. نراه يمر على الرينغ أو جسر فؤاد شهاب. يوافق على «بيعه» بـ 500 دولار إلى شخص لكي يبيعه هذا بدوره إلى عائلة تتبنّاه. يقبض 400 دولار لكي يسددها ثمناً لأوراق مزوّرة تتيح له الهجرة إلى السويد.
حين يعود إلى بيته لأخذ أوراقه الثبوتية، يصطدم بأهله ونقع على أكثر مشاهد الفيلم عنفاً. يعرف أن أخته ماتت فينطلق إلى دكان زوجها ويطعنه ويدخل سجن الأحداث. لا نجد بين اللبنانيين أناساً لم يسجّلوا أولادهم ويستحصلوا لهم على أوراق ثبوتية. هنا مبالغة.
3. التقطت المخرجة مشاهد لأحياء من بيروت من فوق، أي ربما من الطائرة. والتقطت صوراً لأحياء التنك من التجوال بالكاميرا في أزقتها. كل ما في الفيلم صادم. لكن صورة الأحياء من فوق صادمة أكثر من الكلّ. لا يتوقع أحد أن تكون صورة أحياء في عاصمة بلاده مزرية إلى هذا الحد. لم تخترع لبكي هذه الأحياء. هي موجودة. ولعل الفقر والبؤس زادا خلال العقدين الأخيرين، ما أعطى هذه الصورة الصادمة لأحياء من بيروت.
4. صورة السجون صادمة هي الأخرى. هناك حوارات سوريالية بين من هم في الداخل ومن هم في الخارج. وهناك على وجه الخصوص حجرات توقيف للمحتجزين يُحشرون فيها كما لو كانت علب سردين. وهناك نقطة غير مقنعة في الفيلم كأن تمتنع الأم المحتجزة عن التصريح بأن لديها طفلاً رضيعاً معرّضة إياه لخطر الموت.
5. استنتج بعض النقاد أن فيلم لبكي يعزّز فكرة أن اللبنانيين عنصريون. ليس في الفيلم ما يوصل إلى هذه النتيجة. تيغيست العاملة الإثيوبية تكدح كعاملة مستقلة وتعيش في حي تنك. لو أن لبكي صوّرت داخل البيوت لأمكن إظهار التعنيف الذي تتعرّض له العاملات الأجنبيات وإثبات دعوى العنصرية.
أرادت نادين لبكي أن تقدم صورة عن البؤس في لبنان. قدمت شريطاً يظهر أشكال البؤس المادي. قيل إن فيلمها سيشكّل مادة للضغط من أجل تحسين أوضاع السجون وظروف التوقيف. لكن لبكي فعلت أكثر من ذلك بكثير. أظهرت أن التعاطف هو ما يجعل الناس بشراً والحياة ممكنة حتى وسط أقسى الظروف.
يجسّد الطفل زين صورة من يتعاطفون. وُضعت أحياناً كلمات أكبر منه على لسانه، لكنه كان مبهراً ومقنعاً إلى أبعد الحدود. أما الشقاء الحقيقي فهو الذي يتسبّب به الناس غير القادرين على التعاطف.
*أستاذ جامعي