لا يُقصِّر الخبراء والإعلاميون اللبنانيون في رصد ظواهر وآراء أطراف الحكم، وفي استشفاف النيات في تحالفاتهم وتعارضاتهم الداخلية منها والخارجية. وغالباً ما تنأى نصوص الرصد والاستشفاف هذه عن ظروف آليات تشكُّل وتجدُّد المنظومة الطائفوية المتوافقة بالضرورة على تقاسم الحكم بين أطرافه وعلى التكيّف مع موازين القوى الإقليمية المساندة لعصبياتهم. ولذلك يبقى القارئ العادي للنصوص عند حدود النهج الوظائفي للعروض الوصفية للخبراء والاعلاميين الموالين وعند حدود ما تعرضه من قيام حكومات الاستقلال المتعاقبة بالتزامات تبعياتها. وكان قد مهّد لتكييف كتابات خبراء الليبرالية الجديدة في لبنان، اسناد تقارير خبراء المنظمات الدولية لها، وفي طليعتها تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي... الخ، بما يسند ابتعاد الخبراء اللبنانيين الموالين عن التعرض للمحددات الماكرو وظائفية ويسند تفلت التوجهات الاقتصادية للحكومات الطوائفوية خلال الحروب الداخلية ــــ الخارجية (1975 ـــــ 1990) ويُفاقم من العجز المالي بفعل الفساد وتضخم الادارة الحكومية وانعدام امكانات الاستثمار في البنى التحتية والتخلي عن دعم القطاعات الانتاجية التي خسرت قدراتها التنافسية، لا سيما في أسواقها التقليدية في المشرق والخليج.

أولاً، أبرز ظواهر التعوق على مستويي الحكومة والمعارضة:
لقد تراجع ــــ بفعل توسع البطالة والانتساب إلى الميليشيات ـــــ الحضور النقابي المطلبي والسياسي الحزبي اللاطائفي، وتوسعت، في موازاة ذلك، اقتصادات الإغاثة بفضل الإمدادات العربية والدولية. وسادت في كتابات الخبراء والاعلاميين اغراءات المفاهيم التنموية التقنو ـــــ اقتصادية، التي يستعصي اعتمادها في ظل تبعية الحكام وزبائنيتهم المحصّنة بولاءات متمذهبة على حساب الولاء لوحدة المجتمع والدولة وسيادتها. ولاءات تُعوّق توسع قوى التغيير والالتزام بسياسات التنمية والحماية الاجتماعية والاقتصادية، فتُبعد العوام المعوزة عن المواجهة السياسية لآليات تهميشها على الرغم من دأب المنظمات الدولية على الترويج لمفاهيم متطورة كاللامركزية والإدارة المحلية والمجتمع المدني والديموقراطية التشاركية والجندرة والتشبيك... إلخ، علماً بأن هذه المنظمات تدرك وتلاحظ أسباب التعوق المتزايد للعوام الموالية عن فهم المضامين الاقتصادية والاجتماعية لمثل هذه المفاهيم وعن معوقات تجرُّئها على الضغط السياسي من أجل تحقيقها.
وهنا نذكّر ببعض من آليات التعويق السياسي التي ترسخت بفعل اتفاق الطائف ومن بعده اتفاق الدوحة بين أمراء الحرب، وتجسدت ببداهة مبدأ تشكيل حكومات «الوحدة الوطنية» التي يتمثل في ظلها زعماء الطوائف بوصفهم يحكمون من داخل الوزارة ويعارضون بعضهم من خارجها في شوارع جماهيرهم. وهذه إحدى أهم بدع الديموقراطية التوافقية التي تُعطّل مبدأ المعارضة البرلمانية. وهي بدعة لم تعرفها لا برلمانات المجتمعات التعددية الغنية في أوروبا الغربية مثال سويسرا وبلجيكا، ولم يعرفها المجتمع التعددي الفقير في برلمانات بعض الولايات الهندية حيث يصل حجم السكان إلى حوالى 40 ضعف حجم سكان لبنان.
وهكذا برز تعوُّق «الحكومات الوطنية» التي لا تتشكل إلّا بتوافقات اقليمية وغير اقليمية سرعان ما يتحول الاختلاف بين توصياتها الداخلية إلى اختلافات طائفوية يحكمها إعلام ذو طابع تعبوي موزع بالتوافق على زعاماتها.

زاد في ظل تدهور البناء السياسي والاقتصادي للمجتمع توسّع الدعم النفطي للإعلام


وتقترن استدامة التعوق البنيوي لعصبوية الحكم الطائفوي باستدامة التعوق لدى المعارضات غير الطائفوية التي تأسست منذ ما يقارب القرن على أيديولوجيات مستوحاة من تيارات أوروبية غربية قومية اشتراكية وشيوعية. تيارات انتقلت إلى النخب، وقد أسهمت الأخيرة من بينها في بلورة أطر نقابية وحزبية مناضلة وفي احتضان تنظيماتها ونماذج فهمها للتحرر من التبعية وفي تصورات نضالاتها في قطاعات العمل المأجور الصناعية والزراعية والخدماتية. وتمكنت الأُطر اليسارية من توسيع تأثيراتها في القطاع الثقافي والتعليمي الأولي على امتداد ثلاثة عقود سبقت الحرب الأهلية الداخلية ـــــ الخارجية. وقد عوّلت القيادة السوفياتية في احتضانها للحزب الشيوعي اللبناني خاصة من خلال دعمها لقيادته الجديدة بعد منتصف الستينيات وتشجيعها على التحول باتجاه تنسيق وقيادة حركات التحرر الوطني العربية لكونها تعمل في نطاق واسع للعمل السياسي الاعلامي خارج الأنظمة العربية المحاصرة لتوسع النضالات السياسية والنقابية الراديكالية ضد الأحلاف الامبريالية. غير أن هذا التحول المحرِّك للعمل القومي التحريري المُناط بالحزب دفع به منذ منتصف السبعينيات إلى التحالف السياسي والعسكري مع حركات قومية وطائفية إسلامية لبنانية أخرى، لحماية المقاومة الفلسطينية المتجاوزة للحدود الوطنية لشرعية الدولة المتهافتة.
وتحوّل الحزب الشيوعي اللبناني إلى تنظيم عسكري مثله مثل الأحزاب والتيارات القومية الإسلامية، ومنها الحزب السوري القومي الاجتماعي. وأُبعد الحضور والتأثير السياسي والثقافي للأطر الشيوعية اللبنانية طيلة 15 سنة عن المناطق المسيحية الخاضعة للميليشيات اليمينية المسيحية المعادية للمحور الإسلامي ـــــ القومي اليساري. ولكن هذا الانزلاق للحزب إلى المنطق القومي ــ الطائفي للحرب اللبنانية أسهم في تقديري في ابتعاد مفكري ومثقفي الحزب عن نقد انحراف وانزلاق القيادة الى الحرب الأهلية، فقصروا نطاق تنظيرهم خلالها على تأهيل القيادة على تحليلات الفكر الماركسي اللبناني للاشتراكية، وقصروا مواجهتهم على المفكرين الإسلاميين والمتأسلمين. وكان في طليعتهم الفيلسوف الماركسي الحزبي الأكثر تنظيراً في مواجهة هؤلاء المرحوم مهدي عامل عندما قصر الصراع في لبنان على بعده الطبقي، مستبعداً أبعاده الامبريالية الأكثر تمويهاً وتأثيراً داخل صراعاته الطائفوية، قائلاً ومستعجلاً تفاؤله بحصول تغيير طبقي ثوري مات قبل أن يشهده عندما كتب: «إن التوازن الطائفي لم يعد يؤمِّن للدولة تلك الإمكانية (أي القيام بوظيفتها الطبقية كدولة برجوازية...) بل بات العائق الرئيسي الذي يحول دون قيام الدولة بوظيفتها تلك. فحركة الصراعات الطبقية فجرت بالعنف التناقض المأزقي الكامن في بنية الدولة اللبنانية وفرضت ضرورة إحداث تغيير في ذلك التوازن، وبالتالي في الشكل الطائفي للدولة...». ولم يتوقف مهدي عامل نقدياً أمام انزلاق الحزب في الحرب الطائفية وانعكاساتها عليه وعلى البلاد. هذا هو النوع من التنظير الماركسي ــــ السوفياتي الذي تجاهل بواعث الاحتضان السوفياتي وما فرضه من التحول الفكري والوظيفي الاقليمي للحزب الشيوعي. وما زال الحزب ينطوي على ما تركه عليه كومنترن الأممية الثالثة اللينينية الذي رفض الفهم التاريخي للاشتراكية الديموقراطية الأقرب إلى تحسُّس وادراك الطبقات المستغلة وأبعد عن التحويم الطوباوي لفلسفة المجتمع الشيوعي. إنه الفهم الأقرب للمواجهة التصاعدية مع التعارض الطبقي الممهد والمؤهل لإدراك الطبقات الشعبية وارتقاء تعاملها مع التناقض الطبقي والمواجهة المتوسعة مع الطبقات الحاكمة داخلياً وخارجياً، وخاصة في ظل العولمة. إن أي تعقيد ثوري للقدرة على إدراك وتلمس التناقض يصبّ لا محالة في صالح الحكم وتحصينه بخضوع وتدينات الفقراء أنفسهم.
ثانياً، أبرز المعوقات على الصعيد الاقتصادي ــــ الإجتماعي:
لقد زاد في ظل تدهور البناء السياسي والاقتصادي للمجتمع اللبناني توسع الدعم النفطي للإعلام الدوري واليومي المكتوب والمرئي منه خاصة، بالإضافة إلى هيمنة المفاهيم الليبرالية التقنو ـــ اقتصادية لمنشورات المنظمات الدولية في الجامعات والاعلام. وتوسع معه الترويج المحلي للفعالية التنموية للمنظمات الأهلية التي تُموّل «للتخفيف من الفقر المتولد عن قصورات ومديونيات الدولة وفساد إداراتها». وهي منظمات تروِّج للتشارك في تلبية حاجات وتنمية الجماعات والمجتمعات المحلية وتعمل من خلال خطاباتها ومنشوراتها المؤنّقة الإخراج وبفعل امداداتها الاغاثية والمالية على ترويج أيديولوجيا التشاركية داخل المجتمعات الأهلية التي تُمكنها من «المسرحة» الرمزية، لتنفيذ مشاريع تنموية محدودة تندرج في برامج محدودة التمويل والاستدامة والقدرة على تجاوز نفوذ الممثلين المحليين لأمراء الحكم في المناطق.
وبهذا يمكن للتشجيع على تشكيل المنظمات الأهلية وامدادها الإغاثي المنوّع لمختلف فئات المجتمع المحلي أن يجذب اهتمام المعوزين منهم والشباب خاصة، وأن يُسهم في استقطابهم وابتعادهم عن شروحات التغيير الرادكالي عبر الأهداف الكبيرة والمعقدة التي تعد بها النقابات والأحزاب الراديكالية المتعارضة مباشرة مع السلطات الحكومية والمحلية، علماً بأن النخب المحلية الراديكالية في النقابات والاحزاب المعارضة، ومعها نخب كوادر المنظمات الحكومية المعنية، هي في الواقع الأكثر حاجة إلى التدريب على الديموقراطية والمساءلة والتنمية المحلية. إن قصر الامداد والتدريب على هيئات المنظمات الأهلية المحظية بالتمويل وابعاده المُريب سياسياً عن نُخب النقابات والاحزاب الراديكالية، كان وسيظل خطأً كبيراً في استراتيجيات التعاون من أجل التنمية التي تعتمدها المنظمات المانحة الدولية منها والأجنبية. وذلك لأن عقوداً من تجارب التمويل الميكرو ـــ تنموي المقتصر على الخدمات الإغاثية والتدخلات المجهرية لهيئات المنظمات الأهلية زاد في فساد علاقاتها، سواء مع خبراء التمويل أو مع مفاتيح السياسيين في مناطق تدخلاتها، وأتاح لرواد تأسيسها أن تنأى في بعضها لسنوات، وفي بعضها الآخر لعشرات السنين، عن ممارسة الديموقراطية في انتخاب هيئاتها الإدارية المؤسسة. وهذا ما أتاح لها أن تقصُر المحاسبة في تنفيذ برامجها أو مشاريعها على مبعوث «خبير» توفده الهيئة المانحة، فيُغريه أحياناً أن يستفيد من فساد أداء أعضائها، ويكتب خلال أيام معدودة من تجواله على أعمالها تقريراً إيجابياً غالباً ما يُتيح له أن يعود إلى لبنان ويُكرّم في ساحات لاحقة.
* أستاذ جامعي