ليس التصويت الكثيف بنعم هو الظاهرة الوحيدة التي أمكن تمييزها في الاستفتاء الأخير على الدستور، وإن بدت الأكثر حضوراً ووضوحاً في الأيام القليلة الماضية. ثمّة من يعتقد مثلاً أنّ مجموع الظواهر الأخرى، مضافاً إليها الاستفتاء، هي ما نحن بصدده الآن. وما نحن بصدده ببساطة هو سياق 30 يونيو الذي يحكم الواقع المصري، ويخضع كلّ شيء لمنطقه، بما في ذلك حركة الاحتجاج المحبطة والمحالة على الهامش اليوم.


وهذا بالضبط ما يجعل منه مختلفاً عن سابقه (أي عن سياق يناير)، فهو عريض اجتماعياً، و«متنوّع طبقياً»، وبالتالي ممثّل لكتلة كبيرة من المصريين. ولأنّه كذلك يغدو قادراً على الفرز أكثر ممّا ينبغي، وما يفرزه بمعيّة الطبقات الاجتماعية المنخرطة فيه لا يعود ممكناً الرجوع عنه في الأمد المنظور. ولهذا السبب بالتحديد عزف الكثيرون عن التصويت في الاستفتاء، فهم ككتلة فاعلة ومشاركة سابقاً في الانتفاض يشعرون بأنّ اللحظة ليست لهم، وبأنّ الفرز الذي حصل قد أتى على حسابهم، وأكل من رصيدهم الاحتجاجي. والحال أنّ هذا المسار كان قد بدأ قبل الاستفتاء على الدستور بفترة، أي منذ اللحظة التي أبدى فيها الثوريون استعداداً للتقاطع مع الإخوان في حراكهم واحتجاجاتهم.
بالنسبة إلى الكتلة الصلبة داخل ثوريي يناير لم يكن الأمر ممكناً على هذا النحو لولا انتقال الاحتجاجات إلى داخل الجامعات، إذ طوال الفترة التي أعقبت فضّ اعتصامي رابعة والنهضة ومطاردة الإخوان واعتقال قياداتهم، بقي الأمر يراوح عند حدود معيّنة (التضامن مع قتلى فضّ الاعتصامين في رابعة والنهضة وإدانة انتهاكات الشرطة والجيش تجاه قواعد الإخوان الاجتماعية)، ولم يتطوّر إلى أشكال أخرى أكثر تسيّساً. وبسقوط ضحايا داخل الجامعات تغيّر المعطى جذريّاً، وأصبح التلاقي ممكناً أكثر على قاعدة أنّ القتل في حرم الجامعات ليس من جملة الأمور التي يمكن التغاضي عنها. وهذه قراءة أخلاقية محضة، ولكنها في حالة الإخوان تصبح أيضاً مفارقة للواقع. بمعنى أنّها تقبض على اللحظة من زاوية جزئية، فتدين عمليات القتل التي ترتكبها الشرطة والجيش، ثمّ تتردّد في فعل الشيء نفسه عندما يوسّع الإخوان دائرة عنفهم تجاه المجتمع. والعنف هنا يشمل الإيعاز إلى الحلفاء التكفيريين بقتل المجنّدين والعساكر الفقراء، ويحتمل أيضاً حرق الكنائس وتهجير الأقباط كلّما أدلت قياداتهم بموقف سياسي مناوئ للجماعة.
لا تعود القراءة بعد هذه المفارقة مقبولة بالنسبة إلى كثيرين، والأهمّ من ذلك أنّها باتت تسمح للإخوان باستغلال المشهد لتظهير صورة غير حقيقية وغير واقعية عن احتجاجاتهم. فهذه الأخيرة بقيت رغم كلّ المحاولات معزولة عن المجتمع، ولم تتوسّع إلا قليلاً بعد «انضمام الثوريين إليها»، لا بل فاقم هذا «التوسّع» من عزلة الثوريين، إلى درجة اعتبارهم من جانب البعض «حلفاء موضوعيين للإخوان». طبعاً، الثوريون لم يقفوا فعلياً إلى جانب أحد، ولم يمحضوا الإخوان ثقتهم يوماً، إلّا أنهم اختاروا على غير عادتهم لحظة سياسية ملتبسة وغير مناسبة لتصعيد احتجاجاتهم ضدّ السلطة المدعومة من الجيش ومن شرائح شعبية كبيرة. ليست مواجهتهم للجيش والحكومة الموالية له هي المشكلة، بل ظهورهم بمظهر من يعاند أغلبية شعبية فعلية، ويحاول إملاء إرادته عليها، وهذا تحديداً ما حرمهم تعاطفَ الآخرين، وسهّل على رؤوس أموال وأبواق بعينها وضعهم في الخانة ذاتها مع الإخوان. على هذا الأساس، رتّبت الأرض لتعبئة كبيرة ضدّهم، ولنعترف أيضاً بأنّ الأداء المتعالي والنخبوي لبعضهم قد عزلهم أكثر، وأبعدهم عن قطاعات مجتمعية ليست بالضرورة معادية لهم.
وبدا ذلك واضحاً من طريقة تعاطي قواعد يونيو الشعبية مع شخصية مثل أحمد دوما؛ فالرجل استبعد من المشهد عندما بدأ في انتقاد السلطة الجديدة. قبل ذلك كان عضواً فاعلاً في تنسيقية 30 يونيو، وشارك إلى جانب شباب حركة تمرّد والتيار الشعبي والتحالف الشعبي الاشتراكي و... إلخ في الحشد لخريطة الطريق التي وضعت بعد نزول الجيش إلى الشارع لإزاحة الإخوان بطلب شعبي. ولم تتغيّر العلاقة بينه (ومعه بعض قواعد تمرّد والتحالف الاشتراكي) وبين جماهير يونيو إلا بعد سنّ حكومة الببلاوي لقانون التظاهر ونزوله مع آخرين للاعتراض على القانون، والحال أنّه كان تغيّراً فعليّاً ينبئ بالقطيعة، بدليل عدم حدوث تضامن واسع معه حين اعتقل بتهمة «خرق القانون والتجمهر والتعدّي على موظفين عموميين».
في الحقيقة دوماً لم يكن يفعل شيئاً جديداً، وكان يظنّ أنّه يتابع ما بدأه قبل أعوام من تثوير للمجتمع والدولة، وهو إلى جانب كثيرين من زملائه خلط بين أمرين: طبيعة «الحكم المحافظ» والمدعوم بقوّة من الجيش، شرعيّته الشعبية الحالية اللصيقة ببنية المجتمع المصري وتعقيداته. «الخطأ» وقع هنا عندما لم يفهم الثوريّون طبيعة التعقيدات الحالية؛ إذ إنّ الانتهاء من الإخوان كظاهرة معادية للمجتمع (هكذا ينظر إليهم من أغلبية المصريين) حصل بعدما أوشك هذا الأخير على التحلّل عمودياً، وبالتالي الدخول في معمعة السيناريو السوري. في هذه اللحظة بالذات، تدخّل الجيش ليعطّل اندفاع الإخوان إلى «سورنة مصر»، وليعيد مسنوداً بأغلبية شعبية فعلية العملية السياسية إلى نقطة بداية «شبيهة بتلك التي أعقبت خلع مبارك». لنتذكّر كذلك أنّ معارضاً صلباً آخر للسلطة الحالية هو بلال فضل بقي يطالب بالعودة إلى لحظة 11 فبراير 2011 طوال الفترة التي سبقت عزل مرسي، وإلى الآن لا يزال يذكّر بالأمر في معرض سجاله مع الداعمين لحكومة الببلاوي ومن ورائها الجيش. غير أنّ الواقع الآن أصبح مختلفاً؛ فلحظة استيعاب الإخوان التي طالب بها فضل وسواه من المثقفين النقديين والشجعان أصبحت وراءنا. ولهذا السبب تحديداً اختار «الناس»، بأرجحية واضحة، أن يكون إبراهيم عيسى لا بلال فضل أو علاء عبد الفتاح أو أحمد دوما هو صوتهم في هذه المرحلة. وهذا معروف للجميع في مصر الآن؛ فالرجل بات يلاقي هوى لدى الناس، وأكثر بكثير من غيره، وهو بدوره قد «تغيّر» تبعاً لمقتضيات المرحلة، إذ لم يعد مثلاً يتكلّم كليبرالي كما كان يفعل إبّان موجة يناير (ربّما ترك مكانه حاليّاً لعمرو حمزاوي)، وأصبح فوق ذلك معارضاً شرساً لدمج الإخوان في العملية السياسية، وهو ليس بالأمر الجيّد عموماً، إلا أنّه في هذا الظرف بالتحديد ينفع لتأطير الأغلبية الشعبية التي تكوّنت في سياق إخراج الإخوان من السلطة، وضبط انفعالاتها إن أمكن. البارحة فقط كان يتصدّى من موقعه التلفزيوني المتقدّم (يواظب حالياً على تقديم برنامج 25 – 30 على شاشة أون تي في التي كان يملكها نجيب ساويرس سابقاً) للاعتداء اللفظي والجسدي الذي تعرّضت له الناشطة السياسية والعضو في حزب الدستور إسراء عبد الفتاح أثناء تفقّدها لأحد مراكز الاقتراع في القاهرة. وهذا سلوك ينمّ عن الحرص على ثوريّي يناير بشقّهم المؤيّد لموجة يونيو، على اعتبار أنّ الشقّ الآخر المحسوب فقط على يناير يعتبر عيسى موالياً للجيش والدولة العميقة، ويخوض معه منذ فترة سجالاً مفتوحاً بشأن الثورة وتحوّلاتها.
الأمر ليس بغريب على أيّ حال، والسجال إن لم يكن حادّاً ومرتفعاً يصبح بلا طائل، وهو بطبيعته أيضاً متكرّر وملازم للثورة في أطوارها المختلفة، وبالتالي حدوثه على هذا النحو المتواتر والعنيف لا يعني أنّ أحد الطرفين سيتغلّب بالضرورة على الآخر؛ إذ إنّ المنابر «لا تزال جزئياً متاحة للجميع»، والتفاوت هنا خاضع حتماً لطبيعة المرحلة التي يغلب عليها مزاج يونيو.
بهذا المعنى يصبح وجود عيسى ضرورة للمرحلة، تماماً كما كان وجود ريم ماجد على رأس الإعلام الناطق باسم يناير (عبر برنامجها المتوقّف حالياً «بلدنا المصري») ضرورة للمرحلة السابقة. ففضلاً عن كونه لصيقاً بمزاج يونيو، يُعَدّ نتاج عيسى الإعلامي امتداداً ـ ولو جزئياً ـ لمرحلة يناير، والقول إنّه أصبح معادياً للثورة من أساسها لا يعبّر عن الواقع تماماً، كذلك لا يعبّر عنه الكلام المضادّ حول معاداة الثوريين ليونيو وتبعيتهم المطلقة للإخوان. في الحالتين يتجاوز الواقع كلّ الاصطفافات، ويضع الكتلتين اللتين أفرزتهما سيرورة الثورة إزاء تحدّ حقيقي، فكما أنّ الانكفاء والإحباط ليسا حلّاً لأزمة الثوريين مع 30 يونيو، كذلك لا يشكّل الإقصاء الكامل لهم من جانب الشرعية الجديدة مكسباً لمؤيّدي الجيش والسيسي. «فالفلول» الذين يجهّزون أنفسهم للعودة معتقدين بقدرة الاستفتاء على إنهاء مفاعيل الحقبة الماضية لم يعودوا «فلولاً» بالمعنى الحرفي، إذ ثمّة اشتراطات في الدستور المقر تضع حدّاً لإعادة تكوّنهم كطبقة تتطلّع إلى النهب من جديد (التأكيد في نصّ المادة 38 على الضرائب التصاعدية على الثروات والأغنياء، طبعاً يعيبها خصّ الإفراد دون الشركات بذلك). وهذا يعني أنّ دورهم في المرحلة الجديدة إذا ما عادوا بالفعل سيكون «مساوياً» لأدوار الآخرين، بخلاف ما كان يحصل قبل الثورة حين كانت الدولة تميّزهم طبقياً، فتتدخّل لجباية الأموال من الفقراء ووضعها في جيوبهم هم. وللعلم فقط، إنّ تطوّراً كهذا لم يكن ليحصل لولا المساهمة الفذّة للثوريين الذين خرجوا من المشهد حالياً؛ إذ إنّهم كانوا يربطون على الدوام بين المسألتين السياسية والاقتصادية - الاجتماعية ولا يرضون بأيّ فصل تعسّفي بينهما. وقد خيضت لأجل هذه القضية بالذات معارك طاحنة ضدّ المتموّلين وأصحاب الرساميل، وفي رأيي أنّها لا تقلّ شأناً أبداً عن المعارك ضدّ الجيش وأجهزة الأمن، لا بل يمكن القول إنّها أسّست لهما ولتوسّعهما اجتماعياً وطبقياً في ما بعد.
قد لا يدرك الناقمون على علاء عبد الفتاح وخالد علي وسواهما من اشتراكيي الموجة الأولى هذه الحقيقة، ولكنّهم مع الوقت سيعرفون أنّ حقوقهم الاجتماعية المنصوص عليها في الدستور لأوّل مرة تقريباً، سواء في الصحّة أو في السكن أو في التعليم أو في التوزيع العادل للثروة أو... إلخ. لم يكن ممكناً تحصيلها بهذا الشكل لولا مساهمة علاء وخالد ورفاقهما من الاشتراكيين الراديكاليين. إذا نظرنا إلى الواقع في مصر من هذه الزاوية، فسنكتشف أنّه «يتقدّم باطراد»، وأنّ الجدلية بين يناير ويونيو هي جدلية تقدّمية في العمق، لأنّها قائمة بالأساس على فكرة الصيرورة والقطيعة مع الماضي. الماضي بوصفه حضناً للإخوان و«الحزب الوطني» معاً.
* كاتب سوري