يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قريباً ما سمّاه «صفقة القرن»، حسبما سرّب في الإعلام. والصفقة المحكى عنها كناية عن تصور أو إطار، يرى ترامب أنه «سينهي النزاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين» ويسرّع تطبيعاً ناجزاً بين دولة الاحتلال وعدد من الدول العربية. ورغم أنه لم يتم الإعلان حتى الآن عن البنود الكاملة لتصور الرئيس الأميركي، إلا أن بعض التسريبات كشفت عن عناوين ليست بعيدة عن الطموح الإسرائيلي، والذي جرى تحويله إلى تصور أميركي، من المفاوضات المباشرة وغير المشروطة بين الطرفين إلى حل الدولتين، وبينهما تحقيق رؤى قديمة عن «السلام الاقتصادي» وترسيم حدود، وربما ما يراد له أن يبدو قطعة حلوى صغيرة لإسكات السلطة الفلسطينية العاجزة عن الفعل. لم تأتِ خطوة اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال إلا مقدمة لما تلاها من تخفيض الدعم المقدم لميزانية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» في خطوة استباقية لإنهاء قضية اللاجئين، ما من شأنه إدخال القضية الفلسطينية في مرحلة جديدة، أقل ما يمكن وصفها بأنها تمهد من أجل خاتمة سعيدة لمصلحة كيان الاحتلال، وذلك عبر إنهاء القضيتين الأكثر حساسية في الأجندة التفاوضية منذ بدئها، ونعني بهما: القدس واللاجئين. وأكثر من ذلك تحويل كيان الاحتلال إلى صديق العرب والمسلمين.


الخطة الإسرائيلية في ثوب أميركي

ليس غريباً أن يتولى الأميركيون تصدير أفكار أعدّت في المطبخ الإسرائيلي بوصفها أفكاراً أميركية خالصة. يقال إن صفقة القرن التي أشرف على تحضيرها عضو الكنيست من حزب الليكود، عنات باركو، بتكليف من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ستؤجل مستقبل القدس إلى وقت لاحق. وهي سترتكز على الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل، لتبدو كمن لا يقفل باب التفاوض، حتى وهو يمتلك اعترافاً أميركياً، وخطة لنقل السفارة في أيار/ مايو القادم. أي أنها لعبة خداع جديدة، وفيها الكثير من المراهنة على الوقت، وخلق الوقائع الجديدة.

أول مرة يعلن فيها الأميركيون خطة إسرائيلية تحظى بدعم دول عربية

فالصفقة تتضمن خطة فصل عنصري لفرض مشروع سياسي من وجهة النظر الإسرائيلية حول القدس حيث يتم الحفاظ على أغلبية يهودية تصل إلى 95% في القدس، على أن يصير تجميع المقدسيين وتركيزهم داخل البلدات والأحياء والمخيمات المحيطة بالمدينة المقدسة، وبذلك يتم ضمان أغلبية يهودية في المدينة ذاتها. وإذا كان الفلسطينيون أحد أطراف الصفقة الأميركية، إلا أنهم ليسوا الطرف المقـرِّر فيها. وإن المفهوم التقليدي لحل الدولتين على حدود الرابع من يونيو/ حزيران1967 ليس مرجعية للصفقة المتوقع إعلانها في الخامس عشر من شهر آذار الجاري. لا بل إن الصفقة تقوم على تقويض هذا التصور الذي مثل هدفاً لمفاوضات مضى عليها نحو ثلاثة عقود.

ما مصير اللاجئين؟

تقف «صفقة القرن» على ركيزة عملية تبادل للأراضي، حيث يتنازل الفلسطينيون وفق منطوق الصفقة، عن مساحة متفق عليها من الضفة، وتضم الكتل الاستيطانية التي أقامتها إسرائيل حول القدس وعلى أراضي الخليل ونابلس، وجزء من الغور، وبهذا تحتفظ بالمدن الاستيطانية التي وصفها باراك (رئيس وزراء إسرائيل السابق) بـ«المساحة الحيوية» وكثير منها «أراضٍ دينية وفق المفهوم الديني اليهودي»، وتتجاوز ما حققته من اختلاس أراضٍ عند بناء الجدار العازل، وفي مقابل ذلك يأخذ الفلسطينيون نظيرتها من أراضٍ في سيناء في موازاة حدود غزة، وستحصل مصر من إسرائيل على مساحة مكافأة من وادي فيران جنوب صحراء النقب.
وسيتم تسويق هذه الصفقة بالدعاية لدى الفلسطينيين باعتبارها حلاً لأزمة غزة التي تكتظ بالسكان، ولا فرصة لإقامة ميناء حقيقي فيها، ولكن بالتوسع على الساحل، يمكن ذلك مع تمنينهم بفرص استثمار حقول غاز، ومطار دولي، وبناء مدينة جديدة لمليون شخص. وفي الوقت نفسه، يمكن بهذا التوسع، حل مشكلة اللاجئين باستقدامهم من لبنان وبعض اللاجئين في سوريا والأردن، هذا عدا عن النمو الاقتصادي غير المسبوق باعتبار غزة الموسعة ستكون مركزاً تجارياً دولياً.
من وجهة نظر المبعوث الأميركي لعملية السلام في الشرق الأوسط جايسون غرينبلات، فإن أحفاد اللاجئين ليسوا لاجئين فهم يولدون في أراض جديدة. وعليه، تسعى إدارة ترامب الى تحديد تاريخ ملزم لوقف عمل الأونروا وإغلاق كل المؤسسات التابعة لها، ما يعني ضمناً تصفية قضية اللاجئين. وفي هذا السياق، جاء القرار الأميركي بتخفيض الدعم المقدم للوكالة الدولية وتصويره بوصفه عقاباً للسلطة، لكنه في الحقيقة أبعد أثراً ويراد منه الشروع في خطوات عملية لإنهاء واحدة من أكثر القضايا تعقيداً، بل والتي تشكل أساس القضية الفلسطينية. ليس واضحاً ما الذي يحتفظ به الأميركيون من سيناريوات للتعامل مع اللاجئين الفلسطينيين في حال الإجهاز على الأونروا. لكننا نعرف من تاريخ الخطط الأميركية ما يفيد في السعي إلى التوطين في أماكن وجود اللاجئين، أو في اختراع مسارات جديدة لتهجيرهم مجدداً.

الصفقة والمواجهة

ما تقدم هو ما يريده الأميركيون ممثلين لدولة الاحتلال، وربما يعلنون عنه كله أو عن أجزاء منه على لسان ترامب قريباً. وهي المرة الأولى التي يعلن فيها الأميركيون خطة إسرائيلية تحظى بدعم عدد من الدول العربية. حتى إن بعض هذه الدول تتبنى خطة الرئيس الأميركي بالكامل وتضغط على الفلسطينيين بأشكال مختلفة للقبول بها، أو الرضوخ لها بالمعنى الأدق، قافزة فوق حقيقة أن القدس ليست للفلسطينيين وحدهم (كنا نعتبر دوماً أن فلسطين كلها ليست للفلسطينيين وحدهم، بل للعرب كلهم) وأن قضية اللاجئين تمسّ واقع الدول التي يوجد فيها لاجئون فلسطينيون بأعداد ليست قليلة.
ربما يجعل هذا الواقع البائس من المواجهة أكثر صعوبة، لكنه لا يعني استحالتها. إذ ليس أمام الشعب الفلسطيني، وكذلك من يؤيد حقه الطبيعي في العودة إلى وطنه، وحفظ مقدساته سوى مواجهة الخطة الإسرائيلية في نسختها الأميركية الجديدة.
للتذكير: نجح الشعب الفلسطيني بمقاومته في إسقاط مشاريع التوطين الأميركية منذ أواسط الخمسينيات من القرن الماضي وحتى الآن. بكل المقاييس، الشعب الفلسطيني الآن أكثر قوة مما كان عليه، في أعقاب عشر سنوات من النكبة، وهو ما يتطلب العمل على صياغة برنامج وطني فلسطيني يعيد الاعتبار للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمها عودة اللاجئين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
* مدير مؤسسة جفرا للإغاثة والتنمية الشبابية