*«إنَّهم يأتون إلَينا بعد اثني عشرَ عاماً من التدريس القائم على التحفيظ. على البَصم. على الاستماع فقط لا أكثر. إنَّهم لا يأتون بعقولٍ متفتحة. عقول ناضجة. عقول تستطيع لَو قدَّمت لها نظريةً ما أن تفككها كما تريد أنت، وكما تتمنى. نحنُ لا نستطيع بعد اثني عشرَ عاماً من التجهيل، أن نجعلَ من الطلبة علماء هنا».

تعودُ هذه الكلمات لأحد أعضاء الهيئة التدريسية في جامعة بيرزيت. وقبل الدخول في التفاصيل عليَّ أن أوضَّح هنا ما الذي أقوم بكتابته في هذه المقالة المنشورة على الملأ، فهي لا تهدف إلى التحريض ضدّ أحد، ولا تنوي أن تشهِّر بأحدٍ أيضاً.

ولكنَّها شهادةٌ تقدَّم إلى ذوي الاهتمام، وإلى ذوي القضيَّة، كَي يضعوها أمام عيونهم. ستقوم المقالة بوضع الكلمات كما قيلت، وبوضع النقاط كَما وضعت، وبتوضيح المسائل العالقة خلفَ الجدران، تلك التي تظهر لنا نحنُ من خارجها، وكأنَّها أشياءُ مرتبةٌ بدقة، ومنتقاة بعنايةٍ. وهي في الحقيقة، ليست إلَّا كواليس مسرحيَّة، تقوم على كلمتين: نظامُ الأكاديميا. ولنظام الأكاديميا في فلسطين، خصوصيَّة يجب أن يتوقَّف الجميع عندها أولاً، ومن ثمَّ في هذا «العالم الثالث» الذي يضعه أعضاء الهيئات الأكاديمية موضع الدراسة والفحص.

نستطيع أن نعدِّد الحقول الأكاديميَّة التي أُعِدَّت من أجل الخط الأوسلوي
وإذا كان الأمر كذلك، يجبُ علينا أولاً، أن نضعَ الهيئات الأكاديمية موضع الفحص. ما الذي تريدهُ الأكاديميا؟ وما الذي نريدهُ منها؟
هذه الأسئلة هي محورُ هذه المقالة، مرفقةً بكلمات. وكلمات ستنقل كما قيلت من قبل أعضاء الهيئة التدريسية في إحدى دوائر جامعة بيرزيت. ولن تقوم المقالة بالإشارة إلى أيِّ هيئةٍ تدريسية بعينها، فقط، لكَي يُتَحاشى التشهير بأيّ أحد. إذ إنَّ الظاهرة أولاً، هي ظاهرة عامة. ومن ثمَّ، فإنَّها ولو خصِّصت على دائرةٍ ما، سيأخذُ الأمر منحىً شخصياً، وفي جامعة بيرزيت، وكما في حوادث كثيرة، قد اختُصر الكثير من الأمور المهمة والكبرى، إلى مسائل شخصيَّة واختُصرت بقضايا ثانوية تافهة، وتُركَت المسائل الكبرى عالقةً في الهواء... خلف تلك الجدران.
كانت الكلمات التي أوردت في بداية المقالة، جواباً واضحاً على واحد من الأسئلة التي وجهتها: «كَيف تقدِّمون النظريات جامدة للطلبة؟ نحنُ أمام طلبةٍ منفصلين عن واقعهم. لا تربطهم صلةٌ به. وما يجب فعله هُو إشغالُ الطالب بهذه القضايا. جعلهُ يدركها، ويحسُّها، ويشعرُ بأنَّها هي قضيَّته. والحديثُ عن وضع النظريات اليونانية والإغريقية والأوروبية عموماً، جامدةً مثلما هي، ويطلب من الطالب قراءتها وفقط، دون أن يجري حتى تفكيكها له، هو حديثٌ جدي، عن جعل الطالب منفصلاً أكثر وأكثر عن عالمه، بل مبعداً عنه وبقوَّة النظام الأكاديمي». ادَّعى عضو الهيئة الأكاديميَّة في ما بعد، أنَّ «مهمَّتهم ليست التفكيك. مهمَّتهم تقتصر على التدريس وفقط». إذن ماذا تفعلون هنا؟ ولماذا تتذمرون من الطلبة؟ لماذا تطالبونهم بأشياء لا تريدون أن تفعلوها أنتم؟ وكانت الإجابة: «هذا هو شأننا كما قلت لك. التدريس فقط. التدريس فقط».
يبدو للوهلة الأولى أنَّ الإجابة السابقة، هي إجابةٌ نموذجيَّة لسؤالٍ أكاديمي نموذجي أيضاً. لكن بعد التدقيق أكثر في معالم هذا النظام الأكاديمي، أي بعدَ تحديد الموقع الجغرافي لهذا النظام، أي فلسطين، أي الضفة المحتلة، وبعد تحديد المهمّات الملقاة على عاتق كافة المؤسسات الوطنيَّة، كجامعة بيرزيت، ستبدو هذه الإجابة أولاً وأخيراً: خرقاء، وغير مسؤولة.
إذن ما الذي يريدهُ النظام الأكاديمي، حينَما، توضَع معايير القبول في إحدى الهيئات الأكاديميَّة التدريسية، لوظيفة مساعدي التدريس، أنْ لا تكون أزرار قميصهم مفتوحةً أولاً، أن لا يضعوا علبةَ سجائرهم على الطاولة ثانياً، أن لا يتكلَّموا إلَّا بكلماتٍ مختصرة ونقطة على كل سؤالٍ يسألوه، وأن لا يتحدثوا عن أفكارهم ويدفنوها في أعماقهم لأنَّهم ليسوا مؤهلين للحديث عن أي فكرةٍ ولا يهمُّ الهيئة التدريسية الأكاديميَّة أية أفكارٍ قد تهدد أو تتعارض مع أفكارهم هم التي أوضحناها في البداية؟ وهذه المعايير، ليست تلك المكتوبة على الورق الأكاديمي، بل هي المعايير، التي قيلَت لي وجهاً لوجه، والتي حدِّدت لي بسؤالٍ ساخرٍ من قبل عضو من أعضاء الهيئة الأكاديمية حينَ سألته عن المقابلة وقال بسخرية: «ثمَّ من يأتي إلى مقابلة وزرُّ قميصها مفتوح؟ وما شأنك أنت وأيّ نظرية لتتحدث عنها وماذا تهمنا أفكارك؟». وبعد جدالٍ طويلٍ مع عضو الهيئة الأكاديمية قال لي ببساطةٍ بالغة الوضوح: «ما صفات النظام؟ إنَّه جامد. غير متحرك. ثابت كالحجر. صلب كالصخر. لا يقبل الذين يريدون ولو للحظةٍ واحدة أن يغيِّروه... وكذلك أنت! لا يمكن أن يستوعبك النظام».
وهنا السؤال مرةً أخرى، وبعيداً عن المسألة الثانوية. ما الذي تريدهُ الأكاديميا حقاً في فلسطين؟
لن يُجابَ مباشرةً عن هذا السؤال، بَل سيُنظَرُ إلى تلك اللافتاتُ التي حملها طلبة جامعة بيرزيت المتخرجين، في حفل تخريج الفوج الأربعين، وكانت الابتسامةُ لا تفارقُ وجه أحدٍ منهم. حملَ الطلبةُ العديد من اللافتات التي كلُّها، وهذا الأهم، برعايةِ الشركاتِ الرأسماليَّة التي ترعى كلَّ شيءٍ في البلاد المحتلة. وكانت أهمّ هذه اللافتات، هي اللافتة التي كتب عليها ثلاثُ كلمات وبجانب كلِّ واحدةٍ منها مربعٌ صغيرٌ توضع إشارةُ صح بجانبه والكلمات هي: شهادة، وظيفة، زواج. ومن حسن حظ بعض الطلبة، أنَّهم خرجوا بزواج وشهادة، ولذلك وضعوا الإشارتين. لَم يكُن من الممكن تفسير هذا الابتهاج الكبير في الوظيفة والشهادة المعدَّة أصلاً من أجل الوظيفة وعلى مقاسها في بعض الأحيان، دونَ النظر إلى السياق العام الذي تسير فيه الأكاديميا جنباً إلى جنب مع السياسات النيوليبرالية المحلَّية والعالمية، وأيضاً إلى جانب الخطِّ الرسمي الأوسلوي العام المسمى الحكوميَّ.
نستطيع أن نرى هذا الخط النيوليبرالي الأكاديمي، في أمرين مهمَّين: أولاً، الخصخصة المنتشرة على نطاقٍ واسعٍ في جامعة كجامعة بيرزيت. وثانياً، في الرعاية التي تقوم بها شركات كثيرة وبنوك كثيرة لكافة الأنشطة التي تقوم بها الجامعة عدا تلك، التي تتجه إلى عوفر ونقاط التماس، أو تلك التي تحاربُ الخصخصة. وفي الجانب الآخر، نستطيع أن نعدِّد الحقول الأكاديميَّة التي أعدِّت خصيصاً من أجل الخط الأوسلوي الحكومي، ومن هذه التخصصات مثلاً، تخصّص الإدارة العامة والذي يُعنى فعلياً في تخريج موظَّفين حكوميين، وهذا على سبيل المثال لا أكثر.
الأمرُ لا يعدو إذن أكثرَ من كونه أنَّ الأكاديميا، وفي غضون السنوات الأخيرة، قد تحوَّلت من مؤسسة تقوم بتخريج المثقفين الوطنيين، إلى فاكتورة أخرى من فاكتورات أوسلو ومؤسساتها التي تتبع بدقَّة القواعد العامَّة للتمويل المحلِّي والأجنبي. فالتمويل المحلِّي، أقصد الرعايّة التي تقوم بها الشركات الرأسماليَّة المحلِّية والبنوك، تتطلَّب نشاطات عامة يتخللها الغناء، الترفيه، والتجمهر الكبير، وذلك كلُّه يهدفُ إلى الترويج للسلع الجديدة، للحملات الجديدة، وأهمُّها وعلى رأسها شركتا جوَّال والوطنيَّة. أمَّا التمويل الأجنبي، فله قواعده المحددة بالكلمات الفضاضة: حقوق الإنسان، والديمقراطية، والحوكمة، والمرأة والطفل، والتنمية المستدامة، وكيف تكتب مشروعاً تحصل على تمويلٍ له. ومن الجيد القول، إنَّ لكل كلمةٍ من الكلمات السابقة، تخصص، أو حقل دراسي، أو مساق دراسي، وربما كان أهمُّها: كيف تكتب مشروعاً يُوافق عليه المانح الأجنبي، وهناك من هم مهرةٌ في هذا المجال في جامعة بيرزيت.
لَيسَ الأمر مقتصراً أكاديمياً على جامعة بيرزيت أو دوائرها أو الهيئات الأكاديميَّة. إنَّ كل ما أُورِدَ سابقاً، قد لا تتطلَّب الإجابة عنه سوى كلماتٍ مقتضبة، تقولها الأكاديميا عن نفسها وتبرزُ نفسها بالصفة الغربيَّة العقلانيَّة المجرَّدة والمحايدة بقولها: «إنَّ الأكاديميا هي مؤسسة تعمل وفقَ قواعد وأنظمة متَّبعة عالمياً، وهي بذلك، ليسَت تدور في فلك أيٍّ من المؤسسات أو القواعد الخارجة عن هذا الإطار. والأكاديميا أيضاً، هي مؤسسة علميَّة تتميَّز بالموضوعيَّة والحياد والتجريد وإعلاء قيمة المنهج العلمي على كل مناهج أخرى». وبهذا، تكونُ الأكاديميا قد وضعت نفسها خارجَ إطارِ اللوحة المشاركة هي في رسمها ووضعِ أسسها، وهي اللوحة النيوليبراليَّة الفلسطينيَّة.
ولا تستطيع الأكاديميا حقاً أن تقول إنَّها مشاركة في هذه العملية، وهي أيضاً وفوق كل هذا، لا تستطيع كمؤسسة أن تنتقد الخطَّة النيوليبرالية وبرامجها وسياساتها، التي تضرُّ بها في المقام الأوَّل. وأهمُّ الأمثلة على ذلك، عدم توافر الدعم الحكومي لهذه المؤسسة، ومن ضمنها جامعة بيرزيت. ولَو فعلت ذلك، أي لو انتقدت جامعة بيرزيت السلوك الحكومي في عدم الدفع لمؤسسات كبيرزيت، لكانت بذلك تناقض نفسها، ولدخلت في انفصامٍ مع الذات. فهي من ناحية، مؤسسة تقوم على الخصخصة، على التخلِّي عن الدعم المؤسسي لأي قطاع من قطاعات المؤسسة، وهي لا تستطيع والحال هكذا، أن تطالب من ناحية أخرى، بوقف منهج الخصخصة الحكوميَّة ودفع مستحقات التعليم. لذا، إنَّ صمت المؤسسة عن عدم دفع مستحقات التعليم، ليس صمتاً ناتجاً من ضعف، بل صمت ناتج من رؤية مشتركة في ما يخصُّ دور كل من القطاعَين العام والخاص، وهذه الرؤية هي الرؤية النيوليبرالية التي تقوم على تراجع القطاع العام لحساب القطاع الخاص. ولكن، مرةً أخرى، إنَّ جامعة بيرزيت، وكباقي المؤسسات الحكوميَّة في العالم الثالث، هي أيضاً في ورطةٍ مع نفسها في هذا الإطار، فالجامعة التي تعمل على خصخصة القطاع الخاص لديها، تُشارك في زيادة عدد الموظفين الحكوميين بصورةٍ أساسية، بل هي قد صمَّمت برامج عمليَّة في حد ذاتها من أجل الوظيفة الحكوميَّة وشكلها. وهذا ما يجعلُ جامعة بيرزيت أمام سؤال يتعلَّق بالمؤسسة وشكلها ومنهجها: إذا كانت الأكاديميا في جامعة بيرزيت تخرِّج تخصصات حكوميَّة، في الوقت الذي تنتهج فيه نهجاً يدعم القطاع الخاص في داخل الجامعة وخارجها، وتقوم نشاطاتها في جزء كبير منها على رعاية القطاع الخاص، فإلى أي منهج سياسي أو اقتصادي تنتمي جامعة بيرزيت؟
وليسَ هناك حاجةٌ للإجابة عن هذا السؤال. فجامعة بيرزيت، كغيرها من الجامعات والمؤسسات، قد وقعت كما وقعت الضفَّة الغربيَّة جميعها، تحتَ نيرِ النيوليبراليَّة غير المؤسسة إلَّا على الفساد الحكومي والسلطوي، وتداخل القطاع الخاص مع القطاع العام وتداخل الأكاديميا نفسها مع الحكومة في شغل العديد من الأكاديميين وظائف حكوميَّة. والإجابة عن هذا السؤال، إذا كانت أكاديميَّة، لن تكونَ إلَّا إجابةً خرقاء وغير مسؤولةٍ مرةً أخرى. فالمؤسسة، أي مؤسسة، لا يمكن أن يقوم فيها التغيير بناءً على إجابةٍ أكاديميَّة في ما يتعلَّق بالسياسات النيوليبراليَّة والفساد الأكاديمي المتعلِّق بشكل المنتج الأكاديمي وعدم تناسقه مع بلادٍ محتلَّةٍ، بَل يكون التغيير فيها قائماً على أسسٍ أخرى، هي ذاتها الأسس التي من الممكن أن يُبنى عليها مشروعٌ وطنيٌ حقيقي يواجه هذا الفساد النيوليبرالي الحكومي والأكاديمي والمؤسساتي في الضفَّة الغربية.
وإذا كان كلُّ ما سبق يتعلَّق بسؤال ما الذي تريده الأكاديميا، فإنَّ سؤال ما الذي نريدهُ من الأكاديميا، ينطلق من سؤالٍ آخر، هو: من هو الذي يسأل؟ وبناءً على هذه الإجابة، تتحدَّد الإجابةُ الأخرى. فإذا كان المتحدث هو الحكومة، أو الشركة، أو البنك، فإنَّ المطلوب من الأكاديميا، الكلمات الثلاث: الشهادة المصممة على طلب الرأسمالي، والوظيفة التي تضمن العبوديَّة الرأسماليَّة الجديدة، والزواج الذي يضمن بقاء الزوجين في العمل حتى نهاية عمرَيهما، لأنَّ استمارة البنك تسألهما بدقَّة هل لديكما سيارة، بيت، أثاث. والشركة من ناحيةٍ أخرى، توفِّر هذه الأشياء، والبنك يوفِّر القرض. وبذلك، تكونُ الأكاديميا قد حقّقت المطلوب منها.
أمَّا لَو كانَ المتحدِّثُ هُو المشروع الوطني التحرري الفلسطيني، فالمطلوب من الأكاديميا، أن تنفضَ عن نفسها غبار العالم الغربي الأكاديمي والعالق في إطارات النظام وثنايا ياقة القميص المزررة، وأن تعمل وفقاً للأجندة الوطنيَّة، لا وفقاً للمؤسسة الأجنبيَّة التي تضعُ المعايير المقبولة لشكل مقترح مشروع من أجل الحصول على التمويل.
*باحث فلسطيني