بعد مرور اكثر من أربعة أعوام على الأحداث السورية، لا يزال ميزان القوى متراوحاً في أرضه، كما لا تزال عمليات كر وفر تجرى بين النظام وتحالفه، وبين خصومه وتحالفهم من جهة أخرى. ورغم كل ما قيل ويقال عن سقوط النظام السوري، ومرحلة ما بعد بشار الأسد، فإن كل ذلك لم يعدُ كونه شعارات تعبئة لا أكثر ولا أقل رغم التراجعات التكتيكية التي حدثت مؤخراً في ادلب وجسر الشغور وتدمر، مع العلم أنه كان لها مقابل لا يقل أهمية هو القلمون. المعارضة حققت تقدماً في المواقع الثلاثة المذكورة، والتحالف حول سوريا حقق تقدماً لا يقل أهمية استراتيجية في القلمون.


كثيرون اعتبروا ما جرى في ادلب وجسر الشغور نقطة تحول في الصراع، وبداية تراجع وضع النظام لصالح المعارضة المسلحة. فرح مؤيدو هذه المعارضة، وبدأوا يرفعون سقف تصريحاتهم مهددين بالويل المقبل. أما مؤيدو النظام وتحالفه فقد خافوا، وبدأوا يتساءلون هل بدأت الهزيمة؟ لم يتمكنوا تحت وطأة تأثير التعبئة الإعلامية من استدراك الموقف، ومحاولة فهم تطوراته، وإن كانت التطورات حقاً بداية تراجع استراتيجي للنظام.
بسبب هذه الوقائع، لا بد من التذكير ببديهيات مسار الصراع السوري، وما جرى، بهدف إعادة وضع الأمور في نصابها، وتحديد معنى الخسائر، وأبعادها.
في مقارنة بين وقائع وحال الطرفين في الميدان السوري، ثلاثة أمور تحسم أي جدل على ما يجري. أولاً، وضع التحالف الآسيوي: روسيا، والصين، وإيران، وسوريا والمقاومة، ثانياً، السيطرة الميدانية على مراكز القرار في سوريا، وثالثاً، وضع الجيش السوري.

الأحداث في سوريا
تشير إلى أن الصراع بين محوري الشرق والغرب مستمر بقوة

وفي التفصيل، أن التحالف الآسيوي هو التحالف الناهض، والذي يتماسك باطراد في قلب الصراع على منطقة الشرق الأوسط. هو ناهض في تطوره الذاتي في الدول الكبرى لهذا التحالف، على مختلف المستويات الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وعلى القدرة على القيام بدور أكثر تأثيراً من الحلف الآخر. قام هذا التحالف عندما أدرك، ولو متأخراً، أن سقوط سوريا هو سقوط لكل دوله، وأنظمته، منذ أن اتخذ الحلف الأطلسي ذريعة من قرار الفصل السابع لضرب ليبيا، وانكشاف المخطط الغربي وما يخبئه من استراتيجية للسيطرة على المنطقة عبر فتح الطريق لحكم «الاخوان المسلمين» الذين وصلوا على أكتاف «الربيع العربي» إلى السلطة في أكثر من دولة، من تونس إلى مصر، وهو موجود في ليبيا، وقطر، وله حليفه التركي. بقيت سوريا واقفة في طريق تواصل ذلك المد الاخواني من الشمال الأفريقي مروراً بالشرق الأوسط وصولاً إلى تركيا، حلف إذا ما قيض له السيطرة والبقاء في السلطة، هدّد روسيا وإيران ودولاً أبعد منهما. فكان على الحلف الآسيوي أن يقف لوقف المد دفاعاً عن نفسه بداية الطريق.
في ظل المواجهة لوقف المد الاخواني المعبّر عن سيطرة غربية على دول المنطقة، تكوّن التحالف المحيط بسوريا، وتصلب عوده، إلى أن تشكل حلف قوي متماسك لا تنقصه الطاقات المالية ولا العسكرية ولا الحلفاء على الأرض. تنامى التحالف، وبات يلعب دوراً محدداً لمسار الأمور في العالم، وخصوصاً في نقطة السخونة الأولى الشرق الأوسط.
هذا التحالف لا يزال يحتفظ بقوته ويتنامى باطراد، رغم مهادنته للولايات المتحدة الأميركية ودول محورها في استراتيجية براغماتية لم نفهمها كثيراً ونحن المعتادين على فهم الصراع بين الشرق والغرب على أنهما على طرفي نقيض، وعلى خلاف جذري يتجاوز المصالح الآنية، إلى الخلاف الإيديولجي الذي وسم مرحلة الحرب الباردة، وشهد أكبر الثورات الشعبية في العالم على خلفية عقائدية اشتراكية الرؤى.
التحالف كعنصر أول في معمعة الصراع السوري في وضع متطور ومتزايد القوة، والعنصر الثاني هو السيطرة الميدانية التي اتخذتها وسائل إعلام مصدراً لأجندات تتقن الترويج لتأطير رأي عام يتناسب مع مصالحها، حتى لو لم يقم على منطق عملي وعلمي صحيح، فروجت لمنطق تجاهل عن عمد مكامن التأثير التاريخي، ومعتمدة مهارة الأرقام، كالقول أن النظام السوري لا يسيطر إلا على مساحة لا تزيد عن ثلث سوريا. تجاهلت هذه المصادر المعلوماتية معنى التأثير في السيطرة. فليس مؤثراً على الإطلاق أن تسيطر فئة على صحراء شاسعة تندر الحياة البشرية والبيئية فيها، أو على أرياف يعيش أبناؤها على هامش التاريخ، مهما كبرت أحجامها، واتسعت مساحاتها.
ليس خافياً على أحد من الباحثين والدارسين لمؤثرات الأحداث في التاريخ أن الأرياف والصحارى لا دور لها في تحديد السيطرة، والتأثير في الوقائع، وتطورات الواقع. ومن هذا المنطلق، فإن الجيش السوري، الذراع الضاربة للنظام، وللتحالف حوله، هو المسيطر على مواقع القرار، أي المدن خصوصاً العاصمة دمشق. فالمعارضة لم تتمكن بعد أربع سنوات وأكثر من السيطرة على مدينة واحدة ذات تأثير سياسي أو أمني أو اقتصادي. لا يزال النظام، رغم خسائر الشهرين الفائتين، مسيطراً على مراكز القرار والتأثير في كل المدن السورية. وكل كلام عن مرحلة ما بعد بشار الأسد، هي، بذلك، تخرصات مراهقة، ليس إلا.
العنصر الثالث، وهو الجيش السوري، الذي خاض الحرب الضروس في الأعوام الفائتة، ولا يزال متماسكاً، وصلباً، ويقاتل بوطنية غير مسبوقة، وبطولات مشهود لها، وآخر النماذج معركة المشفى في جسر الشغور.
أما كيف يفسر التراجع في بعض المناطق، فلذلك تفسيرات مختلفة ومتعددة، وليس ما يحسم الأمر بصورة قاطعة. لكنه في الحد الأدنى، ليس بداية انهيار استراتيجي كما يروق لخصوم النظام الترويج له، وإلا اعتبر ذلك انهياراً للتحالف المتمحور حول النظام من بكين إلى طهران فموسكو، وصولاً إلى دمشق، والضاحية الجنوبية لبيروت. يمكن قراءة أكثر من معنى في خسارة ادلب وجسر الشغور وتدمر، فبعد أربع سنوات وأكثر من القتال، يمكن القول إن خصوم سوريا استطاعوا أن يعرفوا مكامن القوة والضعف لدى الجيش السوري، فأقاموا تحالفاً دولياً عليه، وتمكنوا بعد أشهر عدة من تجهيز هجوم قوي غير منتظر، استطاعوا بواسطته إحداث خرق حيث لم يكن الجيش متوقعاً ولا مهيأ له. وليس في الأمر غرابة، فهذا من بديهيات المعارك التاريخية الطويلة، أن يخسر طرف ما في بعض المواقع من دون أن تعني تلك الخسارة انهياراً وسقوطاً بينما لا يزال النظام محتفظاً بغالبية مكامن القوة والتأثير في الميدان. كما أن الخسارة لا تعني بأي حال من الأحوال، بداية انهيار للجيش، وبالتالي تهديداً للسلطة والنظام، وهذا أمر ظاهر بوضوح، فالجيش لا يزال متماسكاً ويخوض المعارك بقوة، وهو لم يزل يحتفظ بالكثير من قوته في الاحتياط، ولم يستنزف كل طاقته في المعركة بعد.
ومن الاحتمالات أيضاً أن يكون الجيش ودولته قد وقعت في أخطاء تقديرية في المعركة، وربما أصيبت بعض وحداته بنوع من الترهل، فكانت سبباً في خسارة محدودة الحدود والتأثير حتى اللحظة. أما عن المستقبل، فمسار الصراع، والموازين التي سيؤول إليها هي التي تحدد النتيجة.

الحلف

بعض التطورات الأخيرة وضعت النقاط على حروف تساؤلات عن انكفاء دول التحالف عن دعم قوى النظام لأكثر من سبب أبرزها المفاوضات الإيرانية - الأميركية على الملف النووي. البعض تساءل عن انكفاء إيران حفاظاً على ما تحقق من تقدم في الملف بينما ذهب البعض أبعد من ذلك حاسماً الموقف أن الإيراني تخلى عن سوريا في مساومة على الملف النووي.
تطوران بارزان حدثا مؤخراً أوضحا حقيقة الموقف، الأول الأخبار المتواردة من سوريا عن حشود كبيرة بدأت تتجمع في سوريا بدعم إيراني استعداداً لإعادة الأمور إلى نصابها لما قبل سقوط ادلب وجسر الشغور وتدمر، على أن تلحق بها حشود أكبر لاحقاً قدرتها معلومات بخمسين ألف مقاتل. وترافقت المعلومات مع تصريحات نارية أدلى بها قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني منذراً العالم بأن ما سيجري في سوريا سيفاجئ العالم.
لا شك أن إيران معنية مباشرة بما يجري في أكثر من ساحة عربية، وخصوصاً سوريا، لذلك عندما شعرت بتراجع أو ضعف لدى حليفها لم يكن ممكناً لها أن تقف مكتوفة الأيدي، فسارعت لاستدراك الموقف الذي كان متوقعاً دائماً.
إضافة إلى الموقف الإيراني المبدئي من معركة سوريا، فإن أي منطق استراتيجي لا يمكن ان يقبل بالقول إن طرفاً ما مستعد لأن يقدم خسارة استراتيجية من دون تحرك. لذلك، كان من بديهيات الأمور أن تتحرك إيران دفاعاً عن حلفها، وتعمل على تحشيد القوات المقاتلة لمنع سقوط المزيد من الخسائر أبعد من تدمر وجسر الشغور.
أمر ثان ربما اعتبر أكثر أهمية دفع إيران لتحريك قوات باتجاه الساحة السورية وهو تحديداً الملف النووي، وتوقيع الاتفاق حوله أواخر الشهر. فقد ترافق اقتراب موعد توقيع الاتفاق مع ما يشبه المناورات الاستعراضية التي قامت بها أطراف في الولايات المتحدة الأميركية أوحت بأن الولايات المتحدة يمكن لها العودة عن الاتفاق، وربما إعادة البحث في مزيد من التعديلات عليه. لا ينقص استراتيجية تاريخية كإيران فهم اللغة والمنطق الأميركيين، فإن كان ذلك صحيحاً، أم هو من باب رفع السقف والمناورة، فلا بد من مواجهته بتصعيد يحافظ على التوازن الذي أوصل الاتفاق إلى خواتيم منتظرة.
بإزاء المواقف الأميركية المتصلفة، أرسلت إيران قوات كبيرة من المقاتلين إلى سوريا، وأطلق قادتها تصريحات تصعيدية أبدت كل الاستعداد للوصول إلى أسوأ النتائج المتعلقة بالملف النووي، ولو اقتضى الأمر تطييره بالكامل. لذلك، جاءت تصريحات سليماني، والحشد العسكري رداً على منطق المناورة والابتزاز المعهود لدى الولايات المتحدة. وأكمل هذين الإجراءين موقف مستجد لنائب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أعرب فيه عن استعداد إيران للتخلي عن الاتفاق بسبب أزمة الثقة مع الدول الكبرى.
تصعيد تتابع على محور آخر في كلام نسب إلى الحليف الآخر لسوريا وهي روسيا حيث أعرب نائب وزير الخارجية الروسي بوغدانوف عن مفاجأته بتراجع قوات النظام في أكثر من موقع، وبرر الموقف بقوة هجوم مدعومة من دول اقليمية، ذاكراً تضافر دول عدة منها السعودية وقطر وتركيا التي قدمت الدعم المالي والعسكري الكبير للمعارضة السورية المسلحة بهدف توجيه ضربة مباغتة رهاناً على إسقاط حكم الأسد فيها، وواعداً بتقديم الدعم للجيش السوري بالعتاد المتطور لاسترداد الخسارة.
إن قراءة لتطورات الأحداث في سوريا تشير إلى أمر أساسي، أن الصراع بين محوري الشرق والغرب مستمر بقوة، وأن الوضع السوري لا يزال بقوته، وربما سيتقدم إيجاباً لصالح التحالف الشرقي في المرحلة المقبلة القصيرة، فعلى وقع الحشود الجارية في سوريا، والمواقف الصادرة من دول تحالفها، ستظهر عوامل جديدة بات من المفترض أن تحدث انقلاباً في ميزان القوى بعد سنوات القتال الطويلة، وأن تنتج متغيرات تدخل المنطقة في مرحلة جديدة، وربما كانت نتائج الانتخابات التركية، وتراجع الحزب الحاكم بقيادة أردوغان، إحدى إرهاصاتها.
وفي خلاصة قول لا بد منها، أنه بات يفترض بكل من يراقب التطورات وبتابعها أن يدرك أن الصراع في سوريا أبعد بكثير من إسقاط النظام السوري، والرئيس بشار الأسد. هو صراع محورين دوليين من الصعب حسمه لصالح أي من الطرفين بشكل كامل، لكن غلبة نسبية ما يفترض الوصول إليها لفرض تسوية تخرج المنطقة من عنق الزجاجة، ولا أحد يستطيع التكهن بزمن حدوثها.
* كاتب لبناني