الحديث عن العلاقة بين بغداد وواشنطن حديث عن قوى غير متكافئة لا من حيث الموارد ولا من حيث طبيعة الامكانيات والتصورات. ولن يكون حديثاً في اطار الاخ الأكبر Big Brother بالنسبة للمجتمع الدولي وان كانت مدرسة الرئيس الاميركي ويلسن قد رسمت الليبرالية من هذا المنظار، وان الرئيس جيمس ماديسون قال: «إن السلطة والقوة حكمتا العلاقات الدولية في العصور المظلمة، تلك الايام قد ولت، لا اعرف إلا نظاماً واحداً لأخلاق الإنسان سواء تصرف منفرداً او جماعياً». وعموماً فإن هناك فوارق في كل شيء، على مستوى النظام العالمي، ليس هناك وجه للمقارنة.


لكن اتفاق الإطار الاستراتيجي (SFA) الذي وقعته الولايات المتحدة الاميركية مع العراق يشير بصراحة الى الرغبة الصادقة للبلدين في إقامة علاقة تعاون وصداقة طويلة الأمد استناداً إلى مبدأ المساواة في السيادة والحقوق والمبادئ الواردة في ميثاق الأمم المتحدة والمصالح المشتركة لكليهما. ويشير في نص اخر الى رغبة البلدين كليهما في إقامة علاقةٍ طويلة الأمد، والحاجة لدعم إنجاح العملية السياسية، وتعزيز المصالحة الوطنية في إطار العراق الموحد الفيدرالي، وبناء اقتصادٍ متنوعٍ ومتطورٍ يضمن اندماج العراق في المجتمع الدولي.
لا أريد خوض غمار المسؤولية الاميركية تجاه العراق التي عبّر عنها ريتشارد هاس بان حرب العراق عام 1991 كانت حرب ضرورة وحرب 2003 كانت حرب اختيار.

لن يكون هناك اخلاق
أو عواطف، وبالتالي لا يوجد شيء مجاني

في مسرح العلاقات الدولية اليوم فإن سياسة المصالح هي التي تقود الدفة وتبحر باتجاه التفاعلات في المعادلة الدولية. لن يكون هناك اخلاق أو عواطف، وبالتالي لا يوجد شيء مجاني، لكن ثمة مسؤولية اخلاقية اميركية تجاه العراق لا يمكن التنصل منها سواء للجمهوريين او الديمقراطيين. وأتصور ان الامور وصلت الى حد معقول من التنافس الداخلي الاميركي حول العراق، وان كان ضحيته قبل الانسحاب الاميركي، فقد شهد العراق عقب حرب 2003 تنافساً حاداً بين الخارجية الاميركية والبنتاغون، حيث كانت الإدارة تفتقر إلى التنظيم لدرجة أن وزارة الدفاع الاميركية (الذي كان بول بريمر سيعمل لحسابها كما كانت مسؤولة عن إعداده) لم تخبره بوجود دراسة معدة من وزارة الخارجية حول حكم عراق ما بعد صدام، بل كان سيسمع عنها عبر وسائل الإعلام بعد مدة من وصوله إلى بغداد. كانت وزارة الخارجية قد جمعت سابقاً فريقاً من الخبراء للتخطيط للعراق ما بعد الحرب، فلقد كانت للبنتاغون خطط أخرى، وهي بالتأكيد لا تشمل وزارة الخارجية الاميركية، فقد وقع العراق ضحية هذا التنافس.
ولاحقاً في إدارة أوباما، كان الملف العراقي عنوان الولاية الأولى. الانسحاب من العراق، في باب الكسب والتأييد للرأي العام الأميركي بعد التركة الثقيلة لإدارة بوش، ولاحقاً عقب الولاية الثانية، فإن أوراق الاطلاع الرئاسي حول العراق قد سحبت من طاولة اوباما، لتستقر على طاولة النائب جوزيف بايدن، وظلت شبه مهملة الى أن دفعت أحداث الموصل في العراق ودخول تنظيم داعش، الحديث عن العراق مرة اخرى، ذلك الحديث المرتبط بحجم طبيعة توازن القوى في المنطقة.
عاد العراق للواجهة عبر مشروعين، حيث يمكن فهم طبيعة دفع الاميركي باتجاه التعامل مع العراق في إطار موضوعين:
الاول: قرار يتعلق بدعم اكراد العراق مباشرة بكونهم حلفاء، يتم نقاش مشروع قرار داخل الكونغرس الاميركي قدمه رئيس لجنة الشؤون الخارجية الجمهوري Edward R. Royce ادورد رويس يدعو فيه الى التعامل مع العراقيين الاكراد بوصفهم شريكاً موثوقاً للولايات المتحدة، وبحسب نص القانون المقترح السماح بشكل مباشر بتوفير معدات عسكرية وما يتعلق بها من تدريبات واسلحة، كما يركز المقترح على مبدأ أن «شريكنا الحاسم في القتال ضد داعش بحاجة الى اسلحة ثقيلة ومدرعات»، ويؤكد ان «الولايات المتحدة مقصرة في دعم البيشمركة في ما يحتاجونه».
لم يقل هذا القرار انه يعامل كردستان كدولة مستقلة، لكن قد يفسره البعض ان اعتبار الكرد شركاء للولايات المتحدة اصبح بمعزل عن العراق، لكن القرار يتحدث عن الحقوق الدستورية التي كفلها الدستور للإقليم، وحقه في الحصول على السلاح، ويقول انه سوف يعرض شعب بكامله للموت ما لم يتم دعم الاكراد بالسلاح، بلهجة لم نسمعها يوماً عن تسليح العراق وبغداد ذات يوم. الامر المهم الآخر انه مشروع قانون، وهو غير ملزم للرئيس وله حق النقض.
وهذا ليس بالغريب، فإن المرشحين لانتخابات الرئاسة الاميركية المقبلة وهم: من الديمقراطيين هيلاري كلينتون، والجمهوري تيد كروز، والمرشح الجمهوري الثاني راند بول مع دعم تسليح الأكراد.
الثاني: مرَّرت لجنة القوات المُسلحة في مجلس النواب الأميركيِّ مشروع قانون طرحه عضوها ماك ثورنبيري يفرض شُرُوطاً لتخصيص مُساعَدات عسكريّة أميركيّة للعراق بقيمة 715 مليون دولار من ميزانيّة الدفاع لعام 2016، إنَّ القرار ينصُّ على تخصيص المبلغ المذكور للقوات المُشارِكة في القتال ضدّ داعش على أن يذهب 25 في المئة منه مُباشَرة إلى قوات البيشمركة، والقوات السُنيّة، وكما اشترط القرار صرف الـ75 في المئة المُتبقية بعد أن تقدِّم وزارتا الدفاع والخارجيّة الأميركيّتين ما يُثبت التزام الحكومة العراقيّة عمليّة المصالحة الوطنيّة، وفي حال فشلت في إثبات ذلك يذهب 60 في المئة من المبلغ المُتبقي إلى القوات الكرديّة والسُنيّة.
وعموماً فإن كليهما يتحدثان عن دعم مباشر لمكونات عراقية بمعزل عن اطار الدولة المركزية بشكل عام، ويعبران عن نية للتمهيد بمشروع كهذا، وربما يعلن لاحقاً بإعلانه الرسمي. التجهيل الاجتماعي بالوضع العراقي يضع العراق والمنطقة والسياسة الاميركية في مأزق. 26 في المئة من السنة والشيعة في العراق متزواجون مع بعضهم البعض، لكن ليس من الغريب ان يستقي الرئيس اوباما معلوماته حول العراق كما كان سلفه الرئيس بوش.
في عام 2002 وبعد مضي عام على خطاب الرئيس بوش حول محور الشر، التقى الرئيس بوش ثلاثة أميركيين من أصل عراقي، وهم الكاتب كنعان مكية، والدكتور حاتم مخلص، ورند رحيم التي أصبحت في وقت لاحق أول ممثلة للعراق لدى الولايات المتحدة الأميركية في المدة التالية للحرب، ومع استعراضهم لتوقعاتهم حول ما سيؤول إليه الوضع في العراق بعد الحرب، كانوا يشيرون إلى السنة والشيعة، إلا انه اتضح لهم أن هذه المصطلحات لم تكن مألوفة لدى الرئيس بوش، فأمضى الثلاثة جزءاً من وقت الاجتماع في شرح وجود طائفتين رئيسيتين في الإسلام، وهكذا قبل شهرين من إصداره الأمر إلى الجنود الأميركيين بدخول البلاد، لم يكن يبدو أن الرئيس كان على علم بالشق الفاصل بين العراقيين الذي كان العنصر المحدد لتاريخ البلد ولسياسته (بيتر و. غالبريت، نهاية العراق كيف تسبب القصور الأميركي في إشعال حرب لا نهاية لها، ترجمة أياد محمد، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2007، ص 97- 98).
وعليه ربما ان أوباما استقى مقولات التهميش والاقصاء ضد السنة والاكراد والجهل بما يخص الوضع العام التشاركي للكتل والمكونات العراقية، واصبحت بمقدار واضح من التكرار والتجهيل، الدعوة الى إشراك المكونات، في ظل تشكيلة الحكومة العراقية التي ضمت كل الاطياف والمكونات التي وزعت بين الشيعة والسنة والكرد بالتساوي تصل الى حد الثلث.
مشكلة حقيقية تعنى بها حتى مراكز الابحاث الاميركية البعيدة عن الواقع العراقي، والتي تستقى معلوماتها أيضاً من الأطراف المتخاصمة، وبالتالي لا نريد ان يكون العراق في حلبة التنافس الانتخابي بين الجمهوريين والديمقراطيين، او جزءاً من لعبة الصراع مع ايران، السير في منتصف الطريق في صراع الإرادات، فالمحافظة على التوازن والذي يتأرجح بقوة بحسب حركة المفاوضات بين الدولتين، وملف ايران النووي يحتاج الى مهارة خاصة، حتى وان كانت القرارات حتى الآن لا تمثل رأي الادارة الاميركية للرئيس اوباما، لكنه بالنتيجة يعبر عن رؤية اميركية للوضع في العراق.
* مدير مركز بلادي للدراسات والابحاث الاستراتيجية ــ العراق