يفضح سقوط مدينة الرمادي العراقية ومدينة تدمر السورية، بعد أقل من سنة على سقوط مدينة الموصل، في يد تنظيم «داعش» سلبيات وفجوات وثغر قاتلة في بنيان «التحالف الدولي ضد الإرهاب» والذي كان قد أنشئ، أواخر الصيف الماضي، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.

كان هذا التحالف قد وُلد شبه ميت منذ البداية. ذلك أنه قد استبعد من عضويته معنيين ومتضررين أساسيين من قيام دولة التكفير والإرهاب، عنينا: سوريا وإيران وروسيا. ثم أن مكونات أساسية فيه استمرت في اعتماد موقف وتعريف متناقضين أو ملتبسين للإرهاب وللمسؤولين عن رعايته وتشجيعه ودعمه، وصولاً إلى استخدامه. بذلك لم يتحول «الإرهاب» الجامح والمحقِّق نجاحات مفاجئة وبالغة الجدية والخطورة، أولوية حقيقية في أجندات المعنيين. عملياً، لقد تمَّ إدراجه في سياق الصراعات القائمة المتفاقمة، أو المستحدثة التي شملت انبثاق جبهات جديدة (اليمن) وقيام أحلاف جديدة (حلف دعم الشرعية في اليمن بقيادة المملكة العربية السعودية الذي باشر غزو جوي لهذا البلد فجر يوم 26 آذار الماضي).

وربما يكون الأبرز من بين الثغر المرافقة للنشوء والملازمة له، سعي الإدارة الأميركية، من خلال هذا التحالف أيضاً، إلى تحسين مواقعها في المنطقة على حساب منافسين آخرين (روسيا خصوصاً)، وتأجيج التناقضات الداخلية والبينية بما يمكن هذه الإدارة من تمرير أسلوبها الجديد في التعامل مع النزاعات عبر إدارتها وتغذيتها واستثمارها دون الدخول والتورط العسكريين المباشرين فيها، على غرار ما كان الأمر عليه في عهد بوش الابن خصوصاً (غزو أفغانستان والعراق بكلفة هائلة معنوية ومادية وبشرية).

القيادة الجديدة للسعودية
تعالج التباينات مع كل من القيادتين التركية والقطرية


لا يجوز استمرار دفع أثمان باهظة على النحو والوتيرة الحاليين إذا كان يمكن تفادي بعضها على الأقل
فواشنطن، زعيمة التحالف، واصلت، إذن، اعتماد أولوياتها الفئوية المعروفة نفسها التي تنطلق من مشاريع بسط نفوذ وهيمنة، بالدرجة الأولى!
كان «طبيعياً»، في هذا السياق، أن يخبرنا، منذ أيام، السيد عبد العزيز العواشقي (نائب مسؤول الشؤون الخارجية في مجلس التعاون الخليجي) بأنه في القمة الأخيرة، التي جمعت الرئيس الأميركي بقادة دول الخليج، «قد جرى بحث في العمق في أمن الحدود والإرهاب وحزب الله والتدخل الإيراني في شؤون دول مجلس التعاون». ليصل إلى وصف حزب الله بأنه «مركز الإرهاب المتميز وله فروع في سوريا والعراق واليمن» («الحياة»، 16 أيار الجاري). هذا هو بيت القصيد! لقد جرى تناول «الإرهاب» الذي قام ضده التحالف، بشكل عابر، فيما جرى التركيز على التدخل الإيراني وخطر حزب الله، بأولوية لا بد أن تستبطن، فعلاً (كما جاء في الخبر المذكور)، بذل الجهود المشتركة لمواجهة هذين الخطر والتدخل، لا لمواجهة الإرهاب التكفيري الداعشي كما كان يُفترض بُعيد إعلان دولته في أواسط الصيف الماضي!
«على الأرض» كانت الأمور أوضح وأسوأ بكثير: القيادة الجديدة للمملكة السعودية (سلمان وفريقه) تعالج التباينات مع كل من القيادتين التركية والقطرية، ما أدّى إلى مباشرة تنسيق عملاني بين الدول الثلاث برزت نتائجه في الشمال السوري (سقوط مدينة إدلب، ومنذ أيام مدينة تدمر) وفي مدينة الرمادي العراقية التي استولى عليها التنظيم الإرهابي بشكل كرَّر مهزلة ومأساة سقوط مدينة الموصل أواسط الصيف الماضي، وفي حملة إعلامية بلغت ذروة صفاقتها بعد معركة القلمون الأخيرة في الدفاع المباشر عن الإرهابيين والتهجم على حزب الله!
ينبغي التذكير مجدداً، بأن «الراعي» الأميركي يتحرك وفقاً لمشروع تفتيت قد يجعل عدد الدول العربية يقفز إلى 55 دولة ودويلة وفق بعض المعلومات المتداولة! العراق، كما يبدو «على الأرض» أيضاً، هو المختبر الدامي الأول لهذا المشروع. مجلس النواب العراقي يثابر الآن على نقاش مشروع إنشاء «الحرس الوطني السنيّ» في مقابل قوات «الحشد الشعبي الشيعية». إنها، في تخطيط أصحاب مشروع تقسيم العراق، خطوة أساسية في مسار إنشاء بنية الدول العتيدة الثلاث: بغداد «الشيعية»، والموصل «السنيّة،» وأربيل «الكردية» (وفق ما هو معروض على الكونغرس الأميركي!). هنا يصبح توسع «داعش» في المحافظات ذات الأكثرية «السنية» جزءاً من هذا المشروع، حيث تضيع المسؤوليات ويجري تحقيق الهدف نفسه على يد الإرهاب التكفيري! إن النفوذ الأميركي، هو الآن، في قمة صعوده على مستوى المنطقة ككل (على العكس مما هو على المستوى الدولي) أقله لجهة الدور السياسي (خلافاً لما يعتقده حلفاء واشنطن الخليجيون). فواشنطن تدير حواراً الآن مع الجميع: حلفاء وخصوماً. في معظم أماكن الصراع، ينظر إليها كمنقذ لا كغازٍ ومعتد. وهي، مثلاً، تبيع، الآن، من الأسلحة أضعاف ما كان يحصل في السابق... كل ذلك دون أن تخسر جندياً أو تنفق دولاراً واحداً.
هذا الأمر، ينبغي أن يكون مدعاة تأمل عميق من قبل «محور الممانعة» وكل الحريصين على المصالح العربية: تأمُّل في الأخطاء المجانية التي يستغلها الأعداء والخصوم، البعيدون والقريبون، لتعميق الانقسام وتشويه الوقائع وتزوير الأولويات، وخصوصاً، من تلك الأخطاء، ذلك المتصل بالتعبئة المذهبية ومخاطرها الراهنة والمستقبلية. تأمُّل أيضاً في سوء تقديرات كما حصل في اليمن خصوصاً: لجهة التقليل من ردود فعل الخصم، والشراكة والتحالف اللذين اعتُمدا، والتوسع الميداني غير المبرر (إلا من وجهة نظر الرئيس السابق علي عبدالله صالح)، للسيطرة على عدن بكل ما ينطوي عليه ذلك من تعقيدات ميدانية وجهوية وقبلية... أما الأخطاء في العراق فهي مستمرة ومتعاظمة من وجهة نظر المسؤوليات التي كان ينبغي أن يتحملها من مارسوا السلطة (خصوصاً ما بعد الانسحاب العسكري الأميركي منذ أربع سنوات): لجهة ضرورة تعزيز الوحدة الوطنية والتخلص من نظام المحاصصة الطائفية وتقليص التمييز في المجتمع وبين المناطق... كأساس لنهوض هذا البلد العريق المنكوب من آثار الغزو الخارجي وقبله الديكتاتورية (يمكن تناول تجارب أخرى انطوت، أيضاً، على أخطاء فادحة: سوريا بشكل خاص).
لن ينتقص من قدر أحد أن يتوقف في مجرى مساره ومسيرته عند الأخطاء والهفوات، سواء كان ذلك معلناً، وهذا أفضل، أو ضمنياً وهذا كافٍ. الكارثة هي المضي في الأخطاء وتكبد ثمنها على المستويين الخاص والعام، وعلى النحو المفجع والدامي والتدميري الذي تعاني منه المنطقة، الآن، من المحيط إلى الخليج! لقد أدى هذا النوع من الأخطاء إلى كوارث دفعت ثمنها، بأغلى الأثمان، مجمل شعوب المنطقة. ليس صحيحاً أن التخطيط الاستعماري قدر لا يرد. إنه يصبح كذلك بسبب غياب المواجهة المثابرة والقادرة على استنفار الطاقات وتوحيدها في معركة ينبغي أن تتخذ طابعاً تحررياً شاملاً.
مرَّ بشكل عابر، في صحف أول من أمس الخميس، خبر سريع: «يعقد التحالف الدولي ضد داعش، مؤتمراً في باريس على مستوى وزارة الخارجية لتعديل استراتيجية التحالف في مواجهة التنظيم». تضغط باريس الآن، بانتهازية متزايدة تطبع خطواتها الأخيرة، لإحراج واشنطن أكثر، بالمزايدة في تبني مطالب وسياسات دول الخليج التي حضر قمتها الأخيرة (في خطوة غير مسبوقة) الرئيس الفرنسي هولاند حيث أُغدقت عليه الاتفاقيات والصفقات. هدف مؤتمر باريس الحالي هو تنسيق مواقف وخطوات أطرافه ليس لمواجهة «داعش»، وهي المهمة التي قام من أجلها، بل لتعديل الاستراتيجية حيال كل من سوريا والعراق واليمن (يخصص المجتمعون لقاءً خاصاً لبحث الأزمة السورية)، كما تسعى دول مجلس التعاون الخليجي خصوصاً.
التآمر مستمر إذاً. وتيرته إلى تصاعد كمّاً ونوعاً. لا يجوز استمرار دفع أثمان باهظة على النحو والوتيرة الحاليين إذا كان يمكن تفادي بعضها على الأقل. المرحلة انعطافية والأعداء (والتاريخ أيضاً) لا يرحمون!
* كاتب وسياسي لبناني