بعد حوالى قرن على اتفاق سايكس ــ بيكو (الفرنسي ـ الإنكليزي) ها هي المنطقة العربية مرشحة، بقوة، لعملية تفتيت جديدة. الهدف هو نفسه، أي كما كان قبل مئة سنة: التحكم بمصائر وثروات بلداننا وتأمين استمرار الهيمنة الغربية، عموماً، عليها، والأميركية منها بشكل خاص. ليس هذا فقط كلاماً تقود إلى استنتاجه الصراعات المجنونة والأزمات المتناسلة والمفتوحة والدموية التي تجتاح المنطقة بالتفاعل مع نزاع إقليمي ودولي كبير. لا نتناول ذلك، أيضاً، من باب تنصنيفه جزءاً من مفاعيل «نظرية المؤامرة» التقليدية التي تنسب كل الازمات للغرب (ماضيه وحاضره الاستعماريان يبرران، الى حد كبير، ذلك!). إن مخطط التفتيت هو واقع فعلي يجرى تنفيذه أمام أعيننا، هنا وهناك وهنالك. وهو، مطروح، حالياً علانية، بعد الكواليس والغرف المغلقة ومراكز الأبحاث... وبطريقة مباشرة، كما لم يحدث من قبل.


في الاسابيع والأيام القليلة الماضية يمكن التوقف عند بعض التصريحات والتحذيرات والتوجهات. أولها، ما أعلنه رئيس ديوان رئاسة إقليم كردستان العراقي السيد فؤاد حسني أن رئيس الإقليم سيطرح، في زيارته الراهنة للولايات المتحدة الأميركية، «ملف الدولة الكردية على طاولة الرئيس باراك أوباما». وكانت لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي قدمت مشروع قانون، طرحه النائب مارك ثورنبيري، يفرض شروطاً على مساعدات عسكرية أميركية للعراق بحيث تذهب مباشرة إلى قوات «البيشمركة» الكردية والميليشات العشائرية «السنية» من دون المرور بالحكومة العراقية، وذلك، كما ورد، تشجيعاً لمشروع تقسيم العراق إلى ثلاث دول: شيعية وسنية وكردية! نقرأ أيضاً أن محافظ مدينة كركوك قد هدّد بإعلانها عاصمة لإقليم تركماني جديد يكرِّس مطلباً تركمانياً بإدارة ذاتية على غرار أقاليم باتت نواة تقسيم أو انقسام. وفي الفترة نفسها، تقريباً، نسبت صحف عديدة إلى مسؤول إيراني تناول ما يجرى التخطيط له من مشاريع تقسيم تُحضَّر في دوائر القرار الغربي لكل من العراق وسوريا واليمن وليبيا.

الخلل الأساسي يقع
في الفئات التي حكمت وتحكم بلداننا منذ نيلها استقلالها السياسي


مشروع التفتيت هو مشروع قديم تغذيه، بالدرجة الأولى، النزاعات المحلية

مشروع التفتيت هو مشروع قديم تغذيه، بالدرجة الأولى، النزاعات المحلية بكل ما يرافقها من فئويات وعنف وانقسامات وأبرزها، في المرحلة الحالية، الصراع المذهبي «السني ــ الشيعي». وهو لا يقتصر على البلدان التي شهدت وتشهد نزاعات متواصلة ومستعصية (السودان قبل ذلك)، بل من المفترض، أو المتوقع، أن يصيب أيضاً، بلداناً أخرى، ودائماً بسبب نزاعات داخلية يغذيها الخارج (الاستعماري عموماً) أو يستند اليها لتحقيق أهدافه. ووفق ما هو ظاهر ومكشوف، فإن قلة من البلدان يمكن أن تحتفظ بجغرافيتها كما هي الآن!
ليس صدفة، في هذا السياق، أن النزاعات تتعقد وتطول وتستعصي على التسويات والحلول. ليس صدفة أيضاً أن واشنطن، صاحبة النفوذ والانخراط الأوسع والأكثر تأثيراً، يتحدث الناطقون باسم إدارتها الراهنة عن «سنوات» لتصفية الإرهاب ولمعالجة بعض الأزمات الحادة والمتفجرة كالأزمة السورية. هذه «السنوات» المذكورة من قبل المسؤولين الأميركيين هي ما يتطلبه إنضاج الأوضاع الجديدة: من وقت، ومن تغييرات، ومن دماء ودمار (عظيمين بالضرورة)، ومن انقسام باهظ التكلفة... بحيث يقبل المتضررون بعده أي تسوية.
إذا أخذنا الأزمة السورية مثلاً، فإن أصدقاء وحلفاء الإدارة الأميركية يأخذون عليها ترددها وضعفها وانكفاءها. في ذلك شيء من الحقيقة، لكن ليس فقط (وليس أساساً) بمعنى الضعف، بل لجهة تغيير المقاربات الميدانية (التكتيك)، بما يؤدي الى تحقيق الاهداف التقليدية السابقة نفسها، لكن بوسائل أُخرى وبكلفة أقل: بشرية ومادية وسياسية. يتصل بذلك أن الاميركيين لا يريدون فعلاً اسقاط حكم الرئيس بشار الأسد. لكن ذلك ليس من قبيل التمسك به، إنما لأنهم يريدون ان يبقى في جزء من سوريا لا ان يغيب عن المشهد بالكامل أو أن يختصره بالكامل أيضاً! ولذلك يؤكد الوزير جون كيري، مراراً، أنه «لا بد من التفاوض مع الأسد» ولكن، ضمناً، على جزء من سوريا وليس على مجمل ذلك البلد! ثم ان الصراع في سوريا وعليها، هو، بمقدار ما يستمر ويستعصي، يستدرج او يغذي صراعات اخرى في دول تبدو «مستقرة» كما يفاخر حكامها بشكل متكرر. هذا ينطبق على الخليج الذي بلغته النار من اليمن خصوصاً، فيما هو مرشح للأسوأ، ولأسباب «داخلية»، كما ذكر الرئيس الاميركي نفسه، وبطريقة أذهلت حلفاءه الخليجيين، في حواره الاخير مع الصحافي توماس فريدمان.
لا شيء في عالم اليوم وتوازناته يمكن أن يحول دون كسر المعادلات (الستاتيكو) القديمة التي نشأت بين وبعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. أكبر المتغيرات ضربت الاتحاد السوفياتي نفسه لتخلو الساحة الدولية لأُحادية اميركية ما زالت تصارع حتى اليوم من اجل التفوق والاستئثار والهيمنة شبه الكاملة، وسط منافسة وتحديات ضاغطة بكل المعاني. التحولات والتقسيم ضربا أيضاً دولاً كانت تدور في الفلك السوفياتي: تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا... روسيا نفسها التي تحاول ان تستعيد نفوذاً وحضوراً دوليين، مهددة بوحدتها ومحاصرة بالقواعد العسكرية على حدودها مباشرة.
لا بد من القول، بدءاً، ان مكمن الخلل الاساسي، والذي لا ينفصل إطلاقاً عن عهود السيطرة الاستعمارية، إنما يقع في الفئات والسلطات التي حكمت وتحكم بلداننا منذ نيلها استقلالها السياسي حتى اليوم. هي قوى تابعة وفئوية. وقد جنحت، خصوصاً في المرحلة الاخيرة، الى استسهال بناء نفوذها وسيطرتها على انقاض الانقسام المجتمعي من كل نوع، بما في ذلك الانقسام المستند الى العصبيات والغرائز. هي، قبل ذلك، راكمت ملفات مخزية في مجال التعامل مع الاقليات العرقية والدينية وحيال حقوق الإنسان عموماً. وصلنا، راهناً، الى حالة من الفشل الكامل حيث تعطلت، مثلاً، مؤسسات العمل العربي المشترك بعد ان كانت قد اقيمت مؤسسات قارية في مرحلة من مراحل النهوض (دول عالم الانحياز).
لا يجوز، وليس صحيحاً أصلاً، التقليل من دور التآمر الاستعماري الخارجي قديماً وحديثاً في ما تعانيه بلداننا، حالياً، من تمزق وتدهور. لكن ذلك لا ينبغي ان يحجب مسؤولية السلطات المحلية التي حكمت اقطارنا في العقود الستة الماضية. تتبلور الآن في مشهد الصراع واحتمالاته، شبه المحسومة، لوحة قاتمة تضيع فيها الحدود والقضايا والمصالح القومية. ثمة اغراءات بتفتيت جديد توزعه، بالنتيجة، قوى اقليمية يراد لها ان تتنافس على السلطة والمكاسب والنفوذ على حساب القضايا وشروط التقدم والتطور المستقر والمستقل والتكامل والديموقراطي. إن ما هو قيد البلورة، بالدم والدمار العظيمين، يكاد يكون أقرب إلى محاصصة على مستوى المنطقة ككل تدفع باتجاهها القوى المعادية: محاصصة، كالعادة، يربح فيها المضاربون وتخسر فيها الأمة ككل!
لا بد من تأكيد، مجدداً، ضرورة مراجعة البرامج والأساليب بما لا يوفر للأعداء القريبين والبعيدين خدمات مجانية: هذا مطروح، بالدرجة الأولى على محور «الممانعة» نظراً لحجمه ومسؤولياته وتراكم الأخطاء والعثرات في تجربته ومحصلاته رغم بطولات ونجاحات لا شك فيها.
لا بد من عمل شعبي مبادر وضاغط واستثنائي لاشتقاق مسار تحرري وحدوي جديد: أي لا بد من التخلص من المراوحة والشلل والعجز والخوف.
* كاتب وسياسي لبناني