أربعون عاماً مضت على اندلاع الحرب اللبنانية التي استمرت عقداً ونصف العقد. كما كتاب التاريخ الحائر والمتعثر ما بين تمادي وتفاعل صراعات الماضي والحاضر، لا يتفق فرقاء السياسة والسلطة في لبنان، ازاء تلك الحرب، على تسمية أو توصيف أو مسؤوليات أو استنتاجات. وحدها مسائل من نوع «لا غالب ولا مغلوب» والعفو العام عن الارتكابات والجرائم (حتى لو كان بعضها بمستوى الخيانة الوطنية وتنفيذ مجازر جماعية وتهجير واغتيالات...)، وتغذية الفتن الطائفية والمذهبية والانقسام، والتبعية للخارج، والتمسك بنظام المحاصصة المعطل لقيام دولة قانون ومؤسسات ومساواة... هي ما يصادف إجماعاً وتوافقاً وحكومات «وحدة وطنية».


أي كل ما من شأنه تكريس وتغذية مناخ الصراعات وعدم الاستقرار، تماماً كما كان الامر قبل اربعين عاماً حينما اندلعت الحرب التي لا يُعرف لها اسم متفق عليه: حرب اهلية، حرب الاخرين على ارضنا، حرب الفلسطينيين او السوريين على لبنان، حرب اليسار الدولي ضد لبنان، الحرب الفلسطو - يسارية ضد لبنان، الحرب الانعزالية ضد وحدة وعروبة لبنان...
بكلام اخر، لقد انتهت الحرب لكن اسبابها ظلّت حاضرة ومبرراتها مستمرة واحتمالات تجددها قائمة في كل منعطف محلي أو إقليمي: مرة كحرب ساخنة لمدة خمسة عشر عاماً، ومرة أخرى بشكل حرب باردة تلفحها هبات ساخنة منذ ربع قرن حتى يومنا هذا!

يتحرّك الوضع اللبناني،
بشكل كامل الآن، على إيقاع الوضع الخارجي

على مسافة زمنية لا بأس بها من وهج القتل والاقتتال، ورغم استمرار أجواء التوتر والانقسام ماثلة بشكل فاعل ومقلق، يمكن القول إنّ القوى المقررة في السلطة اللبنانية قد لجأت، قبل أربعين عاماً، الى العنف حين استشعرت خطراً على «امتيازاتها» التي كانت مكرسة في الدستور والعرف والممارسة. كانت تلك المخاوف ديموغرافية وسياسية واجتماعية واقتصادية. فالنظام والكيان كانا واحداً بالنسبة اليها، أو هي شاءت الامور على هذا النحو. ولذلك فقد اعتبرت انها تخوض صراعاً مصيرياً ووجودياً من شأن خسارة امتيازاتها فيه إلحاق هزيمة كاملة بالكيان اللبناني نفسه. نظرت الى الوجود والدور الفلسطيني المتنامي سياسياً وبشرياً (بالاكراه كالعادة وهذه المرة بسبب مجازر «ايلول الاسود» في الاردن عام 1970) على انه تهديد لـ«الصيغة» ولـ«الميثاق»، واعتبرت ان مشاركة لبنان في الصراع مع العدو الصهيوني إنما يشكل إخلالاً بـ«حياده». ذلك أن العروبة لم تكن بالنسبة لسلطته سوى مجرد مسحوق يوضع على «الوجه» لتحقيق بعض المكاسب السياحية والمصرفية والاقتصادية ليس إلا: من دون مشاركة أو التزامات.
كذلك فقد أقلق تطور اليسار في لبنان واكتسابه نفوذاً واسعاً، سياسياً وتنظيمياً وجماهيرياً، مضاجع الطبقة الحاكمة، وهي التي استأثرت بكل شيء وجعلت امتيازاتها ونظامها صنوين لوجود لبنان نفسه، كما ذكرنا. أقلق تلك السلطة ايضاً ذلك الاحتضان السياسي والشعبي الكبير الذي حظيت به قضية الشعب الفلسطيني ومقاومته في لبنان. وبسبب ذلك وسواه هي لم تصغ الى تلك الاصوات العاقلة والحريصة التي حاولت ايجاد مخارج لمصلحة الوحدة الوطنية البنانية ودعم النضال الفلسطيني في الوقت نفسه.
كان لجوء السلطة الى العنف أمراً شجعتها عليه المجازر التي نفّذها النظام الأردني ضد المنظمات الفلسطينية. شجعها قبل هذا وبعده «الراعي الغربي» والمناخ الرسمي العربي اللذان كانا يعدان لإنهاء الصراع مع العدو الصهيوني بشكل يكرس نتائج العدوان والاغتصاب الصهيوني. ويكرس، خصوصاً أيضاً، نتائج الانحراف الساداتي الذي انتهى الى توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978. كان السادات قد توعد «بأن دماء كثيرة ستسيل في لبنان» بما عنى، في حينه، تصفية المقاومة الفلسطينية وحلفائها اللبنانيين حتى لو تطلب الامر تدمير وتقسيم هذا البلد وصولاً الى احتلاله كلياً او جزئياً من قبل العدو الصهيوني.
لقد استخدم الغرب الاستعماري الداعم للعدو الصهيوني نزعة الاستئثار والانعزال لدى فريق السلطة اللبنانية. استخدم أيضاً اخطاء المقاومة الفلسطينية و«الحركة الوطنية اللبنانية» من أجل استنزاف المقاومة وإغراقها في الصراعات الجانبية ومن أجل استمرار الأزمة إلى أطول مدة ممكنة. ولعبت السلطات العربية الحليفة له دوراً مكملاً في اشاعة مناخ التخريب والإفساد والمساومات. تكامل ذلك مع تراجع وعجز قوى «الصمود» التي انكفأ معظمها، فيما أدار من بقي في ساحة الاحداث سياسة تقدم، هي الاخرى، مصلحة بقاء النظام على كل ما عداها ودائماً، بالاكتفاء بسياسة اعتراضات جزئية، وبالافتقار الى خطة مواجهة شاملة وسلمية وفعالة.
الحرب الاهلية اللبنانية لم تكن، بالتأكيد، حرباً لبنانية صافية. لقد حصلت وتعقدت وتمادت بسبب تفاعل العاملين الداخلي والخارجي. وفي النتائج، ورغم التعديل الجوهري الذي طرأ على توزع سلطة القرار عبر «مبدأ المناصفة»، إلّا أن لبنان قد افتقر، في المقابل، الى وجود «سلطة قاهرة» او قادرة بديلة تستطيع، من خلال المؤسسات والتفاهم على الأساسيات، إدارة شؤون البلاد بما يحفظ الحد الادنى من سيادتها ووحدتها واستقلالها واستقرارها. بكلام اخر، فان التسوية التي اقرت في مدينة الطائف عام 1989 (برعاية دولية وعربية) كانت محطة صراع ولم ترسِ اساساً راسخاً لحل ناجز ونهائي. لقد جرى التلاعب بالنصوص وساهم الانقسام الداخلي في تعزيز العامل الخارجي في تقرير الشؤون اللبنانية. ارتضت القوى اللبنانية المتنافسة والمتصارعة لعب دور ثانوي تنفيذي لقرارات لا تضعها هي عبر مؤسسات لبنانية فاعلة وتفاهمات راسخة مكرسة كما ذكرنا آنفاً.
في الواقع كان القرار اللبناني، قبل الحرب، امتيازاً يحتكره فريق لبناني واحد يشرعنه الدستور وتؤكده الممارسة. وعلى المستوى الخارجي كانت لذلك الفريق مرجعية غربية وحيدة لا جدال بشأنها. اما بعد الحرب فقد توزع القرار وتعددت المرجعيات. وقد بات التعطيل المتبادل (بعد مرحلة الادارة السورية التي امتدت، هي الاخرى، عقداً ونصف العقد)، في العقد الاخير، سيد الموقف وصولاً إلى الفراغ الدستوري شبه الشامل، بسبب تعاظم الصراع الإقليمي والدولي وعجز الاطراف السياسية اللبنانية عن اتخاذ المواقف المستقلة التي تستوحي، اساساً، مصالحنا الوطنية دون أو قبل سواها.
يتحرك الوضع اللبناني، بشكل كامل الآن، على ايقاع الوضع الخارجي. التوازنات والاعتبارات الخارجية هي ما يقرر مصير لبنان واللبنانيين: تعاوناً او تبايناً، سلماً او حرباً... لذلك يمكن القول إن كل أسباب الحرب ما زالت ماثلة طالما أن اللبنانيين لم يحققوا وحدتهم الوطنية، وان الصراع الإقليمي يتعمق ويعنف بشكل غير مسبوق.
رغم كل ذلك حصلت، كما هو معروف، بعض الإنجازات اللبنانية المدهشة. في مقدمها، بالطبع، إنجاز التحرير وطرد العدو الصهيوني المحتل من بلدنا ذليلاً ودون قيد أو شرط. أكد اللبنانيون أيضاً تعلقهم بالحرية ولو بشكل يفتقر إلى المنهجية والانسجام!
يمر لبنان وسائر المنطقة، حالياً، بمرحلة حرجة (يطبعها أيضاً انتقال المرض الطائفي اللبناني الى معظم الجسم العربي وتفاقم العصبيات إلى حدود الإرهاب والتكفي...) تتطلب مقاربات جديدة ومسؤولة للتقليل من الخسائر المخيفة التي لن ترحم أحداً والتي لن يستفيد منها إلا الأعداء: هل يستطيع اللبنانيون تقديم إنجاز جديد في هذا المجال؟
* كاتب وسياسي لبناني