لو أردت أن تعرف ما بِنيّة آل سعود في العدوان الوحشي على اليمن عليك ان تعود بالزمن إلى العدوان السعودي على اليمن في الستينيات. بدأ العدوان آنذاك عندما كان الصراع بين الملك سعود وأخوته السديريّين لم يُحسم بعد. حسمته أميركا لهم (لم تكن الحكومة الأميركيّة مرتاحة أبداً للصراع في داخل السلالة الحاكمة وهي كانت تتدخّل لحسم الصراعات مثلما كان الاستعمار البريطاني يتدخّل). لا يمكن فهم حقيقة مقاصد العدوان الخليجي الحالي على اليمن من دون مراجعة المداولات الأميركيّة مع النظاميْن الأردني والسعودي أثناء حرب اليمن الأولى في الستينيات، وخصوصاً في عهد جون كينيدي لأن بعضاً من الوثائق عن تلك الحقبة بات متوفّراً، وإن وفق تقتير أرشيفي خاضع لمراقبة حكوميّة.


لم تكن حرب اليمن الأولى حرباً أهليّة، أو لم يرد لها آل سعود أن تكون حرباً أهليّة. كانت حرباً يمنيّة بين نظام موغل في الرجعيّة وضبّاط قوميّين عرب لكن ولاء آل سعود فاق أي اعتبار. ومهما كان نظام عربي ما سيّئاً فإن آل سعود يدعمون بديلاً أسوأ منه. لم يكن النظام الجمهوري في أشكاله زاهراً، لكن الخيار السعودي كان أسوأ حتماً. أراد آل سعود إفهام أهل الخليج أنهم يقرّرون شكل الأنظمة وأن المسار السياسي يجب ان يكون متوائماً مع الرجعيّة والتخلّف في الرياض.

كانت المملكة لا تملك حريّة التحرّك من دون إذن أميركي مباشر

إن ما نُشر من أوراق رسميّة من عهد إدارة كينيدي تكفي لتسليط الضوء على الموقف السعودي الحقيقي في المداولات مع واشنطن. وكان فيصل لم يصبح ملكاً بعد وهو الذي قاد حملة إقناع واشنطن بالتدخّل العسكري الفوري في اليمن وبضرورة ضرب جمال عبد الناصر. ولم يكن يقلّ حماسة عن فيصل إلا الملك الأردني، حسين، الذي كاد ان يسقط نظامه في عام 1963 قبل أن ينتشله الكيان الصهيوني الغاصب، الذي هدّد النظام المصري عبر واشنطن بأنه سيتدخّل عسكريّاً للحفاظ على النظام الهاشمي مهما كان. هذا هو التاريخ غير المعلن وغير المنشور عن تلك الحقبة من «الحرب العربيّة الباردة» والمستعرة.
تفجّر الصراع في اليمن عام 1962 في مرحلة حرجة من تطوّر العلاقة بين الإدارة الأميركيّة في عهد كينيدي وجمال عبد الناصر. لكن تعامل عبد الناصر مع الإدارة الأميركيّة كان على أسس مختلفة من تلك التي تربط ذيليّاً بين الأنظمة العربيّة وواشنطن (بصرف النظر عن موقف المرء من تلك العلاقة، لناحية الإفراط المصري في التعويل على إمكانيّة تحييد أميركا في مسائل الصراع العربي -الإسرائيلي وفي مسألة الصراع العربي - العربي خصوصاً ان تصديق وعود أميركا أضعف الموقف الناصري في حرب اليمن ومن ثمّ في إطلاق يد العدوّ الإسرائيلي لشنّ العدوان في حزيران 1967 لأن إدارة جونسون خدعت النظام المصري بقولها إنها ستلوم من سيبادر إلى شنّ العدوان). حاول السفير الأميركي، جون بادو، مرّة واحدة فقط، على سبيل المثال، في لقاء مع عبد الناصر ان يربط بين المساعدات الأميركيّة لمصر والسياسات المصريّة، فثار عبد الناصر بوجهه وأخرسه على الفور، وسمع كينيدي بذلك فأمر بتخفيف الوتيرة وبعدم اتباع هذا الأسلوب. سلّم كينيدي أمر العلاقة مع ناصر إلى المستعربين، وبشخص سفيره بادو في القاهرة. وأمل المستعربون بربط عبد الناصر في حلف مع أميركا وذلك لإبعاده عن المحور السوفياتي، لكنهم كانوا يعلمون ان الصهاينة قاوموا بقوّة التقارب الأميركي مع عبد الناصر.
فرضت حرب اليمن على إدارة كينيدي أن تختار بين آل سعود والعلاقة البطيئة مع عبد الناصر، ولم يكن هناك حيرة في الاختيار. إن الحرب اليمنيّة هي التي قضت على شهر العسل القصير بين إدارة كينيدي والنظام المصري. كما ان الإدارة الأميركيّة أوضحت في رسالة إلى عبد الناصر مبكّراً انها تعتبر الاستعمار البريطاني في عدن من «المصالح الحيويّة» لها (يمكن مراجعة موقف إدارة كينيدي نحو الحرب اليمنيّة، وبناء على المراسلات الرسميّة، في كتاب «وارن باس»، «ادعم أي صديق: شرق أوسط كنيدي وصناعة التحالف الأميركي-الإسرائيلي»،). وطار فيصل إلى واشنطن كي يعبّر عن مخاوفه أمام كينيدي: وعلى طريقة العدوّ الإسرائيلي في تصوير كل عدوّ لنظامه على أنه جزء من مؤامرة يقودها أعداء أميركا، ربط فيصل بين مؤامرة النظام الجمهوري في اليمن وبين الاتحاد السوفياتي نفسه. وخلافاً للخطاب السعودي العلني، لم يكن فيصل يكترث لوضع الشعب اليمني أو مصلحته بل كان جلّ همّه (وهمّ الملك حسين) الدفاع عن الأنظمة الرجعيّة المرتبطة عضويّاً بأميركا، مثل النظام السعودي والأردني. كان فيصل يخشى، باعترافه هو، على مصير نظام آل سعود وعلى مصير باقي الأنظمة الملكيّة في المنطقة العربيّة. إن قلب نظامه هو هدف عبد الناصر، وطالب فيصل بقطع المعونة (الغذائيّة) عن الشعب المصري عقاباً لناصر على تخويفه لآل سعود. ولم يمض وقت طويل على اندلاع الحرب (التي سعّرتها السعوديّة نفسها استماتة في الحفاظ على الأنظمة الخاضعة لنفوذها والمعبّرة عن نظامها التقليدي الرجعي) قبل أن يطالب فيصل المذعور بتدخّل أميركي عسكري فوري ضد النظام المصري ودعماً للملكيّة في اليمن. لكن الإدارة الأميركيّة امتعضت من ولولة الملك حسين ونحيبه على النظام البائد في اليمن، وعلّق خبير الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض بالقول: «نحن والبريطانيّون نموّل هذا البلد المصطنع» (ص. 108 من الكتاب المذكور أعلاه). وعندما يئِس حليف الصهيونيّة الدائم، حسين، من إمكانيّة شن أميركا الحرب بالنيابة عن عروش الاستعمار العربيّة، أرسل من تلقاء نفسه طائرات حربيّة إلى الطائف بالإضافة إلى مستشارين عسكريّين وأسلحة.
لكن لم يكن فيصل وحسين الوحيدان اللذان يضغطان على الإدارة الأميركيّة لشنّ حرب ضد عبد الناصر وقطع العلاقة معه بل ساعدهم في ذلك عمادا اللوبي الخليجي في واشنطن (مذّاك): أي شركات النفط العملاقة واللوبي الإسرائيلي. وفي سياق متواز، فتح النظام السعودي علاقة مباشرة مع الدولة الصهيونيّة في أوّل تحالف عسكري بينهما منذ إنشاء الدولة. إن المعلومات عن ذلك التحالف غير معروفة وليس هناك من وثائق منشورة عنه لكنني سألتُ ديبلوماسيّاً أميركيّاً متقاعداً (من المستعربين) عنها فلم يفدني وقال إنه قانوناً لا يستطيع ان يفصح عن أسرار لكنه بعث لي بدراسة حكوميّة غير سريّة (لكنها غير منشورة) وجاء فيها بالحرف ما يلي: «إن الدعم الإسرائيلي الفعلي لقضيّة (دعم) الإمامة السعوديّة بدأ على الأرجح قبل اللقاءات المباشرة بين الحكومتيْن (السعوديّة والإسرائيليّة) والحركة الملكيّة اليمنيّة... لقد توصّلت هذه الدراسة إلى رصد مكانيْن للقاءات سعوديّة-إسرائيليّة مباشرة في مرحلتيْن متميّزتيْن من الحرب الأهليّة في اليمن. إن سلسلة اللقاءات الأولى المرصودة بدأت في آذار 1963 في الهند. فقد ذكرت مصادر هنديّة أن مسؤولاً في السفارة السعوديّة في الهند، أحمد القاضي، بدأ بالتردّد على القنصليّة الإسرائيليّة في بومباي. وفق مصادر عربيّة مصريّة، فإن وليّ العهد فيصل أمر باللقاءات السعوديّة الرسميّة ردّاً على الانقلابيْن في بغداد والقاهرة في شباط وآذار من عام 1963... وكان تركيز اللقاءات الإسرائيليّة-السعوديّة على إمكانيّة إنزال إسرائيل أسلحة لقوّات القبائل الملكيّة إضافة إلى مدّ السعوديّين واليمنيّين بمعلومات استخباراتيّة عسكريّة حول حركة وقدرات الجيش المصري. والتقى ممثّلون يمنيّون وإسرائيليّون مباشرة، إما بمبادرة منهم أو بإيعاز من السعوديّة خلال تلك الفترة. وقد زار وفد ملكي إمامي يمني إسرائيل في آذار 1963 في الوقت نفسه الذي كان مسؤول السفارة السعوديّة في الهند يزور القنصليّة الإسرائيليّة في بومباي. لكن مصادر إسرائيليّة أخرى كشفت ان طائرات إسرائيليّة من دون علامات (عن مصدرها) قامت من قاعدة في جيبوتي بأكثر من دزيّنة رحلات، أو حتى نحو عشرين، لإلقاء أسلحة فوق مناطق الملكيّين في أواخر 1962 ومعظم عام 1963. أما المجموعة الثانية من اللقاءات السعوديّة - الإسرائيليّة المؤكّدة فقد جرت في أوروبا منذ عام 1965. وفي إجراء غير مألوف بتاتاً، ذكر السفير الإسرائيلي السابق في بريطانيا، أهارون ريميز (1965-1970) أمر لقاءاته هو، ولقاءات لمسؤولين إسرائيليّين رفيعي المستوى، وبصورة مستمرّة مع زعماء من السعوديّة والأردن في مقابلة مع صحيفة «كول هائر» في 12 آب من عام 1983. لكن السفير لم يفصح في تلك المقابلة أو في مقابلات أخرى عن مضمون تلك اللقاءات... لكن مصادر عسكريّة إسرائيليّة أخرى قالت إن «أمان» ووزارة الدفاع السعوديّة وأجهزة الأمن الإيرانيّة، بما فيها «السافاك» ووزارة الدفاع الإيرانيّة كانوا على تواصل مستمرّ في ما بينهم على أثر النصر الإسرائيلي في حزيران 1967 (ص. 23 إلى ص. 25 من الدراسة غير المنشورة).
يعترف المؤرّخ البريطاني، كلايف جونز، في كتابه «بريطانيا والحرب الأهليّة اليمنيّة، 1962-1965»، بندرة المعلومات عن الدور الإسرائيلي في تلك الحرب. لكن حقيقة الموقف الإسرائيلي (غير المُعلن) في تلك الحرب تبدو واضحة في الأوراق الأميركيّة الرسميّة (أو ما سُمح بنشره إلى حينه). ويضيف جونز: «شبتاي شافيت وأرييل شارون أكّدا في مقابلات متفرّقة بعد ثلاثة عقود من الحدث أن الدولة اليهوديّة كانت متورّطة في نشاط سرّي في اليمن مع ان الرجلين بقيا غامضيْن حول الطبيعة المحدّدة ونطاق هذا التورّط... إن عمليّة المرتزقة نظّمت إمداداً جويّاً في مناطق محدّدة خاضعة للسيطرة الملكيّة في اليمن. إن بعض، وليس كل في مطلق الأحوال، هذه الإمدادات (ذات الاسم الكودي، «مانغو») كانت تجرى برعاية السلاح الجوّي الإسرائيلي، مع طائرات ذات تعاقد مع عمليّات المرتزقة البريطانيّة عبر إما قواعد إسرائيليّة جويّة أو ـ على الأقلّ في مرّة واحدة ـ عبر طائرات نقل تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي، والتي قامت بعمليّات إعادة الإمداد (ص. 135-136 من كتاب جونز المذكور).
وقد زار شمعون بيريز، وكان قريباً جداً من بن غوريون، واشنطن في نيسان من عام 1963، وقام بخدمة الجهد السعودي الدبلوماسي لقطع صلة المودّة بين الإدارة الأميركيّة وبين عبد الناصر. وتوقّع بيريز في حديثه في وزارة الخارجيّة أن «سقوط (نظاميْ) حسين وسعود-فيصل أمر لا يمكن تجنّبه» لكن في المقابل دعا إلى أن تقوم إسرائيل وأميركا بفعل كل ما في وسعهما لتدعيم النظاميْن الملكيّيْن. ولم يكتفِ بيريز بلقاءاته في وزارة الخارجيّة إذ انه تسنّى له في تلك الرحلة ان يلتقي بجون كينيدي نفسه في البيت الأبيض، بترتيب من مايك فيلدمان (مستشار كينيدي للشؤون اليهوديّة والإسرائيليّة والذي كان يشرف على كل ما يصدر من قرارات تتعلّق بدولة الكيان الغاصب). وفي اللقاء مع كينيدي عبّر بيريز عن قلقه من مصير الملك الأردني وقال إن «مصر هي الدولة العربيّة الوحيدة التي تخافها إسرائيل» (ص. 118 من كتاب باص).
وبلغ القلق الإسرائيلي أوجه في شهر نيسان على مصير حليفهم العزيز، الملك حسين. كانت الأنباء عن احتمال قيام انقلاب لصالح عبدالناصر هو الشغل الشاغل لدولة العدوّ، وحتى للحليف الأميركي. لكن القلق الإسرائيلي كان مبالغاً فيه، وقد اعترف مسؤولان رفيعان في إدارة كينيدي بعد سنوات بأن الحكومة الأميركيّة كانت سترسل «المارينز» للدفاع عن النظام الأردني في حال تعرّضه لانقلاب. وقد نقل السفير الأميركي في دولة العدوّ آنذاك الآراء والمخاوف الإسرائيليّة على مصير الحليف الأردني، وقال: «إن الإسرائيليّين سيفعلون كل ما هو ممكن لحماية موقع الملك (حسين)». وهذا الدفاع يمكن ان يكون عبر تهديد النظام المصري بالتدخّل ضدّه أو عبر التدخّل ضدّه عسكريّاً.
وفي هذا الجو المحموم بدأت الحكومة الأميركيّة عمليّة «السطح الجامد» وذلك لتدعيم النظام السعودي، ولردع النظام المصري عن إزعاج الحليفيْن السعودي والأردني على حدّ سواء. وكان هذا التدخّل العسكري في السعوديّة هو الوحيد (المباشر والمُعلن) في منطقة الشرق الأوسط في إدارة جون كينيدي. لكن هدف العمليّة لم يكن حياة وراحة آل سعود بل حماية المُنتج النفطي الحليف من خطر عبد الناصر الداهم. لكن بقيت مشكلة في التدخّل العسكري الأميركي. كانت للمملكة السعوديّة (حتى الثمانينيات مع استثناءات لم تمنع استقبال كيسنجر والاحتفاء به وبغيره من المسؤولين الأميركيّين) سياسة تأشيرات معادية لليهود، يُمنع على أساسها اليهود من زيارة المملكة. وكان موضوع حظر التأشيرات عن اليهود هو الموضوع الوحيد المتعلّق بـ «الإصلاح الداخلي» الذي أثاره كينيدي في لقائه الأوّل مع فيصل (لم يكن الرق والتعصّب وقطع الرؤوس والاضطهاد مُقلق لأميركا يوماً). وكانت الإدارة الأميركيّة آنذاك شديدة الاحترام للسياسة السعوديّة المُعلنة في منع اليهود من دخول المملكة. لكن ضرورات الدفاع عن النظام، وضرورة إسعاد واشنطن، تتفوّق على السياسات وعلى العقيدة وعلى الدين عند آل سعود (كما ثبت عندما استعان آل سعود بقوّات تدخّل فرنسيّة «كافرة» في عام 1979 للقضاء على انتفاضة جهيمان العتيبي)، وسمحوا لليهود في القوّات المسلّحة الأميركيّة بالخدمة على ارض المملكة، على ان لا يُجاهَر بهذا الاستثناء. لكن الصحافة الأميركيّة والصهاينة في الكونغرس علموا بأمر السياسة السعوديّة السارية، بالرغم من الاستثناء لمرّة واحدة، وكادت ان تقوم القيامة ضد معاداة اليهود من قبل آل سعود لكن اللوبي الإسرائيلي تدخّل بقوّة (كعادته) للدفاع عن معادي اليهود من حلفاء إسرائيل، وكانوا هم وراء إسكات الأصوات المعترضة في الصحافة (وبالتالي في الكونغرس).
لكن التدخّل العسكري الأميركي كان يهدف إلى التخفيف من التدخّل العسكري السعودي والمصري على حدّ سواء (على ان لا يؤثّر ذلك في استقرار الأنظمة الملكيّة في المنطقة). وثار فيصل على هذا التدخّل الذي لم يرده مشروطاً، وهدّد بشراء طائرات حربيّة وبتأجير مرتزقة لقيادته (وكانت العمليّات العسكريّة البريطانيّة والإسرائيليّة تفعل ذلك سرّاً - وليس من دون علم واشنطن حتماً). لكن عبد الناصر لم يكن في وارد الرضوخ للشروط والضغوط الأميركيّة، وكان عرض حكومة مصر في آب وأيلول من عام 1963 بالاعتراف رسميّاً بكل من حكومتيْ فييتنام وكوريا الشمالية الذريعة التي كان صهاينة الكونغرس ينتظرونها على أحرّ من الجمر لزيادة الحملة ضد التقارب الأميركي-المصري. وكان ذلك المؤشّر لتوقّف علاقة الودّ الأميركيّة المحدودة مع عبد الناصر وتنامي أو تأسيس التحالف الاستراتيجي العسكري بين أميركا ودولة العدوّ الإسرائيلي.
يختلف العدوان السعودي على اليمن في الستينيات عن العدوان السعودي هذه الأيّام. كانت المملكة لا تملك حريّة التحرّك من دون إذن أميركي مباشر، وكانت السياسة الأميركيّة متماسكة على غير ما هي عليه الآن (من صراع بين الكونغرس الجمهوري وبين أوباما، مثلاً، لكن من ضمن سياسات الهيمنة والجبروت العالميّة). لكن بالرغم من الفروقات، وبالرغم من المسؤوليّة الأميركيّة المباشرة وغير المباشرة عن العدوان الخليجي الماضي والحاضر، فإن قدرة المملكة على التحرّك الواسع والوحشي اليوم تستفيد من تنامي وتطوّر التحالف السعودي ــ الإسرائيلي. كان العدوّ الإسرائيلي في الستينيات يسعى بشتّى الوسائل لتخريب مصالح واستقرار عبد الناصر ومشروعه القومي العربي الشامل. وكانت الأنظمة والحركات الرجعيّة الحليفة المنطقيّة لدولة العدوّ الإسرائيلي ولأميركا على حدّ سواء (كان كينيدي في مجالسه الخاصّة يسجّل المفارقة انه يجد نفسه أقرب إلى الأنظمة الجمهوريّة في العالم العربي من الملكيّة، لكن كلامه كان من باب التسلية فقط ولم يؤثّر في السياسة إلا من حيث فتح حوار غير مؤثّر مع جمال عبد الناصر).
وكما ان الحكم السعودي الحالي وأعوانه المحليّين المبتاعين من قبله (وحده وليد جنبلاط حليف محلّي بالمجّان لآل سعود، لأن الرجل معروف باستقامته ونزاهته ومبدئيّته) يصوّرون في الإعلام خطرَ مؤامرة إيرانيّة شيعيّة عالميّة، فإن الحكم السعودي في الستينيات صوّر مؤامرة شيوعيّة كافرة ضده. وكان الإمام أحمد مهووساً بخطر الاشتراكيّة وكتب شعراً في ذلك. هذا ما كشفه عبد الناصر في خطبه آنذاك قائلاً: «بيطلعوا وبيقولوا ان العدالة الاجتماعيّة كفر، وأن تكافؤ الفرص والمساواة كفر» («الأهرام»، 10 كانون الثاني، 1963). وقد كان «الدستور المؤقت للجمهوريّة العربيّة اليمنيّة» مناقضاً في فكره التقدّمي لكل ما يمثّله آل سعود وأعوانهم من رجعيّة، حتى أنه تحدّث عن المساواة بين الجنسيْن، فيما كان الرق لا يزال سارياً بالقانون في مملكة القهر الوهّابي، وكان الإمام بدر يعارض بقوة تعليم البنات بذريعة الحرص على الدين. كان الملك فيصل صريحاً في معارضته للإصلاح في سياساته وردّ على سؤال من صحيفة «الحياة» (الموالية له) عن اتجاه للإصلاح بالقول: «الحقيقة أنه لا يوجد شيء جذري يستحق التنظيم أو التعديل» («الحياة»، 7 تشرين الثاني، 1964).
يحلو للإعلام السعودي (حتى الساعة) ان يشمت بهزيمة عبد الناصر في حرب حزيران وحتى في حرب اليمن. يغيب عن آذهان أبواق آل سعود أن عبد الناصر دفع كلفة باهظة في حرب اليمن، وحُوّرت أنظاره واستُنفدت طاقاته (وعن قصد من قبل الحلف السعودي-الإسرائيلي آنذاك) لكن النظام الجمهوري انتصر. كُتب الموت والفناء للنظام الملكي الذي دعمه آل سعود. نبذ الشعب اليمني حكم الإمامة إلى درجة ان الإمام بدر تنصّل من حكم أبيه: «كانت سنوات حكم والدي سنوات عجاف قاسية... وكنت في تلك الأيّام أخالف والدي في طريقة حكمه، بل لقد عُرفت معارضتي له، وإني أحمل افكاراً تخالفه كل المخالفة... وكان من الصعب ان أقنع القبائل، مرة واحدة، بتعليم بناتها» («الرأي العام» الكويتيّة، 3 آب، 1965).
عن نظام كهذا كان آل سعود يدافعون. آل سعود، ومن ورائهم الصهاينة، لا يريدون للنظام العربي ان يتقدّم أو للشعب العربي ان يتحرّر. إن القضايا نفسها التي كانت وراء التدخّل العسكري السعودي ــ الإسرائيلي في اليمن في الستينيات هي نفسها وراء التدخّل الحالي، وكما كانت دولة العدوّ الإسرائيلي حاضرة بقوّة آنذاك في العدوان على اليمن فإنها حاضرة اليوم. لكن للتدخّل الحالي ظروف وملابسات وأهداف جديدة. لكن تلك قصّة أخرى للأسبوع المقبل.
(يتبع)

* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:angryarab.blogspot.com)