أياد المقداد

ذكر ابن خلدون (في المقدمة ص 383) أن الخليفة الرشيد عزم ‏على هدم إيوان كسرى، فشرع في ذلك وجمع الأيدي، واتخذ الفؤوس، وحمّاه بالنار، ‏وصب عليه الخل، حتى أدركه العجز، وأن الخليفة المأمون أراد أن يهدم الأهرام في مصر ‏فجمع الفعلة ولم يقدر. وأجمع المسلمون جميعاً على وجوب إزالة الأصنام وكل مجسّم لجسد، حيواناً أو كان أو إنساناً، التزاماً بالحديث الشريف «لا تدع صنماً إلاّ وطمسته». فكل صنم يجب إلحاقه باللات والعزى ومناة الثالثة الكبرى، وهي أصنام المشركين العرب التي دمّرها المسلمون غداة دخولهم مكة.

وقد استغرقت طالبان أسابيع عديدة في تدمير تماثيل بوذا على جبال الأفغان، وبذلت جهوداً جبّارة في سبيل ذلك. فتطهير الأرض من أي أثر وثني سابق هو المقدّمة لسيطرة الإله الواحد والدين الواحد والتشريع الواحد. لذا كان لزاما ًعلى عمرو بن العاص، حين أرسله الخليفة الثاني في غزو مصر، أن يعمد إلى إحراق مكتبة الإسكندرية بكلّ ما حوت من تراث يوناني قديم تجاوز آلاف المجلدات والمخطوطات، وهو أمر تكرّر مع صلاح الدين الأيوبي الذي أمر بتوزيع مخطوطات الأزهر الفاطمي بعد دخوله مصر على مراحيض مصر وحمّاماتها، وجعل منها وقوداً للتدفئة.
ما يجري اليوم في الموصل من إبادة لتراث إنساني، ربّما هو الأقدم والأكثر غنى على وجه الكوكب برمّته، ليس حدثاً يتيماً يقوم به بضعة دواعش، بل حلقة من سلسلة تجد لها أسساً متينة في النصوص والتشريعات الإسلامية الموروثة، وحتى في فتاوى فقهية حديثة. تماماً كما في حال الجلد والسبيّ والنهب والصلب والذبح وكل ما عرف التاريخ الإسلامي من ممارسات «متماهية» مع تلك الحقبة الزمنية من التاريخ البشريّ. وهي ممارسات تمّ تجاوزها في قراءات مختلفة للإسلام عن تلك القراءة الوهابية التي تأخذ بحرفيّة النص وتستعيد السيرة بتفاصيلها، من دون العودة إلى روحيّة الدعوة والغاية منها. ولئن كانت القراءة الرافضية بنسختها الفارسية تبدو أكثر تساهلاً مع مواضيع مثل الأصنام والإرث القوميّ للشعوب، وهو ما يبدو جليّا في المحافظة الدقيقة على الإرث العمراني الشاهنشاهي، بل وتلميعه و»قدسيّة» عيد النيروز الوطني، وهو في الأساس تقليد وثنيّ، فإنّ مذاهب صوفية إسلامية قد تخطّت النصوص والسيرة إلى عوالم من الفلسفة قد تصل إلى حدّ التعبّد في الحجر كصورة من صور الله الحاضر في كلّ شيء. غير أن مسألة انحسار هذه القراءات وانعزالها في مذاهب، تكاد تكون نخبوية، قد أعطى للقراءة الوهابية رصيداً شعبوياً ليس من السهل إنكاره. وهو ما أجادت السياسة استخدامه في صراعات النفوذ وإعادة رسم الخرائط مجدداً.
مرة أخرى، إطلاق العنان لحريّة الفكر والنقد والإبداع وإزاحة القدسيّة عن النصوص الإسلامية وفتح أبواب التأويل وعدم حصرها في مذاهب يحتكرها الكهنوت الإسلامي قد يضفي على النصوص الإسلامية ديناميكية جديدة وينفخ فيها شيئاً من روح العصر ويؤهّلها للتفاعل مع التطورات الكبيرة التي حصلت خلال القرنين الماضيين. أما التحجّر فسيحيل كلّ المذاهب إلى مشاريع داعشية لن تبقي أي أثر إنساني أو حضاري على امتداد الجغرافيا القاريّة التي تحتلها شعوب العالم الإسلامي، وهذا محبط. فلا يكفي كيل الاتهامات للغرب الصهيوني ــــ الأميركي بينما تنضح مجلّدات الفقه الإسلامي بكلّ ما يرفد «داعش» ويسند ممارساتها، بل ويقوننها.
حركة التاريخ لن تتوقف، والجدلية في أساس هذه الحركة، وربما ما يجري اليوم من مآس هو المقدمة لعبور النفق الإلزامي لمرحلة التغيير الراديكالي وولوج عالم الأنوار... «أليس الصبح بقريب»!