بعد الغزو الأميركي للعراق، وتأسيس نظام المحاصصة الطائفية تحت اشراف المحتلّ، خرجت نظريتان لشرح الواقع العراقي الجديد. الأولى هي نظرية «التهميش السني»، التي تعتبر أن ما حصل في العراق هو استئثار للشيعة العرب بالحكم على حساب العرب السنّة، الذين تم إقصاؤهم واخراجهم من دائرة القرار، بالترافق مع اضطهاد وقمع من يحتجّ على العملية السياسية ويرفضها. النظرية الثانية اعتبرت أن الخلل هو في النظام الطائفي نفسه، الذي يفرز الشعب الى كتلٍ، ويخلق أكثريات دائمة وأقليات دائمة؛ وأن الحل يكون في نزع الشرعية عن نظام المحاصصة، بما هو نظام طائفي، وجعل تغييره الهدف الأول والأساس للعمل السياسي، على قاعدة وطنية عراقية.


ولكنّ أكثر القوى الفاعلة في العراق (من داخله وخارجه) فضّلت الاستثمار في السردية الطائفية. فالحكام الحاليون حازوا، بفضل نظام المحاصصة، على النفوذ والمال، وحصانة من المحاسبة، وباباً مشرّعاً للفساد والسرقة. أمّا أنظمة الخليج، التي «تبنّت» السنّة العرب في العراق، فلا ترى فيهم (هم وباقي العرب الفقراء) الا وقوداً لمعاركها وأحقادها، وأدوات تجنّدها ضدّ أعدائها، بلا اعتبار للنتائج. هكذا تمّت تغطية احتجاجات الرمادي والخطابات التي أُطلقت في ساحاتها على انّها «ثورة شباب» (واجتياح «داعش» صار «ثورة عشائر»). بالمناسبة، بعض أشهر قطاعي الرؤوس في «داعش» هم من خطباء ساحات الأنبار تلك، التي كان يكفي أن تنقل كلماتها الكارهة على التلفزيون العراقي حتى يضمن المالكي اصطفاف أكثر الشيعة خلفه في الانتخابات بلا تردد.
بعد سنتين على «ثورة الشباب»، وقيام «ثورة العشائر» (التي أسفرت عن غزو «الدولة» لثلث العراق)، يكتب دوغلاس أوليفانت عن «عراق ما بعد داعش». كان أوليفانت مسؤول ملف العراق في مجلس الأمن القومي الأميركي، وقد خدم دورتين عسكريتين في البلد ويعرفه جيّداً؛ وكان استنتاجه، باختصار، أن العرب السنّة لن تقوم لهم قائمة لجيلٍ كامل على الأقل بعد ما فعلته «داعش» بهم.
20 الى 40 في المئة من أهل المحافظات «السنية» مهجّرون اليوم، وهو عدد سيرتفع مع تصاعد العمليات العسكرية وتحرير المدن. «داعش» ستهزم وتخرج من الموصل والأنبار في نهاية المطاف، يجزم أوليفانت، ولكن من سيرجع من أهل هذه المناطق اليها سيجد مدناً مدمّرة، تمّ مسح معالمها الحضارية، بمساجدها ومكتباتها وجامعاتها، بل وتاريخها، فيما ستكون أغلب المناطق المتنازع عليها في يد البشمركة الكردية. أكثر من ذلك، فإنّ ما تبقى من النخبة القديمة (ضباط بعثيون، مدراء، أساتذة جامعات)، وهي كتلة معارضة منظّمة، استمرّت في الموصل وغيرها من المدن، وحافظت على نفوذها الاجتماعي حتى في سنوات الاحتلال، قد تمّ محوها على يد «داعش».
حري بالعراقيين أن يتأملوا النتائج البعيدة المدى لما يجري، والتي لن يدفع ثمنها سواهم. أكثر العراقيين ما زالوا ينفرون من الطائفية، ويفهمون أنها لا تميّز الشيعي على حساب السني، بل تخدم – دوماً – النخب الفاسدة على حساب الناس ومصيرهم (ولبنان مثال). بعد خراب الموصل، على العراقي أن يختار هويته السياسية بوعي: عراقيّ عربيّ عزيزٌ كريم، أم ابن طائفة يتلاعب بها السحرة والمجرمون؟