تكاثر «الإعلامُ الدينيُّ» في الآونة الأخيرة باطّراد لافت؛ بالكاد تجدُ خطاً أو مرجعيةً أو قيادةً لا تملك فضائيةً دينيةً خاصّة.

الدينُ _في المبدأ_ رسالةُ الله، غيرَ أنّ هذا لا يعصمهُ أن يكونَ أداة تمجيد الأشخاص وتحقيق الغايات والمصالح، للأسف هو واقع الطبيعة الإنسانيّة؛ كلّ شيءٍ قابلٌ للاستغلال بطريقةٍ سيّئة، مهما كان قيّماً ومُقدّساً.
على امتداد التاريخ الإسلاميّ لم يعدم «قادة الرأي» وسائل السيطرة على الجمهور؛ بعضهم بنيّة صادقةٍ وإيجابيّة، وآخرون لأهداف شخصيّة وأجندات سياسيّة.

يروي التاريخ أنّ السيّئين كانوا الأكثر تحكّماً بأدوات الإعلام: المنبر، الشعراء، المحافل الدينيّة، الأماكن المقدّسة... وكلّ ما من شأنهِ أن يحشد الجمهور ويستقطب انتباهه، وإذعانه.
الحالة الإسلاميّة ليست بدعاً من تأريخ الديانات، عاشت ازدهاراً كبيراً حين كان الإعلام مُغلقاً ومحتكراً لدى السلطة السياسيّة_الدينيّة؛ غير أنّ فرادة المادّة المعرفيّة التي تمتلكها لا تعصمها اليوم من السقوط في ميدان الإعلام التنافسيّ، الذي لم تتكبّد بعدُ عناء احتراف أدواته المتقدّمة.

بين الإعلام الدينيّ والإعلام الطائفي

الإسلام مشروع يعتمدُ الدعوة في نشر قيمه وأفكاره، وثمّة مصطلحان شقيقان حكما مقدّرات مذهلة من الطاقة الترويجيّة الإسلاميّة، ولا يزالان: «التبليغ» و«الهداية».
وقد ذهب هذان المصطلحان _في الواقع_ أبعد بكثير مما قرر نصّ الدين نفسه؛ حين أفاد أنه ليس ثمّة إكراهٌ في الإلزام بالدين، وأنّ المشروع الفكريّ والدعويّ يكتفي بتبيين «الرشد» من «الغيّ»، لا الاستماتة في هاجس الهداية من منظورنا الخاص للحق؛ والذي لو أراده الإله لقهر عباده على التزامه.
ثمّة خلافٌ بنيويٌّ قاسٍ للغاية هنا: ما هو هدف الدين من الدعوة؟
انقسم الإسلاميّون حول جوابه؛ بين من يحصرها في «هداية الآخر»، الدعوة لـ«المذهب الحقّ»، والردّ على الشبهات... ومقولات مُشاكلة أخرى.
في حين ارتكزت قلّةٌ إلى هدف «نشر المعرفة»، ووضعت مفردة «الاهتداء» في دائرة المسؤوليّةٌ الشخصيّةٌ للإنسان، والتي لا ينبغي أن تشكّل هاجساً مَرَضيّاً لدى حاملي الدعوة.
واقع الحال كان مُغايراً... إذ أنّ هوسَ صقور المذاهب وانشغالهم الحثيث بالدعوة الاستقطابيّة مثّل نقطة مَقتلٍ للمشروع الإسلاميّ؛ ولم يترك حيّزاً كافياً لنشر الفكر المسلم فيما يُعنى ببناء الحضارة الإنسانيّة على الأرض، فضلاً عن الانطلاق بمشروع بنائها فعلاً.
بالطبع ثمّة نماذج وشخصيات فكريّة رائدة تبرز بين آونةٍ وأخرى، وترهقها ذات هذه البيئات النمطيّة رجماً وتثبيطاً.
في المشهد العامّ للتبليغ الديني اليوم؛ ربما لم يتفوّق على مستوى الحماسة الدعوية لعنوان الإسلام العريض سوى الدعوة للتحزّبات المذهبيّة التي انبثقت عنهُ لاحقاً، وقد باتَ «التبليغُ المذهبي» _بالفعل_ المشروعَ الرئيس الذي يكاد يُهيمن على الإعلام الديني.
لعلّ في هذا مؤشراً على الفجوة الجديّة التي يعيشها دعاة اليوم أمام «الآخر الديني»، ما جعلهم ينكفئون (في غالبهم وليس كلّهم طبعاً) إلى الإعلام الخاص ودعوات الاستقطاب البينيّ اليائسة؛ وهو ما ترك الساحة الحقيقيّة مكشوفةً أمام المدّ الفكريّ والثقافيّ المستورد؛ الذي يتمتّع بقوى جذب ٍوتأثيرٍ عالية.
من هنا يتأتّى للمتابع أن يُدرك كيف مُسِخَ المشروع الدعوي الحضاري للإسلام، وراح يفقدُ عوامل رواجه وثباته؛ وكيف ضاع قسطٌ وافٍ من أبرع النظريات الفكريّة والاجتماعيّة والسياسيّة التي حملتها رسالة السماء؛ لتحلّ مكانها مشاريع الدعوات المذهبيّة بجدارةٍ غير مُستحقّة.

خطاب المساجد والحسينيّات الفضائيّة

لا ريبَ أنّ الخطاب يُمثّل مادّة الإعلام الأولى، وهو ما جعل التخصص المهنيّ للإعلام يصبّ تركيزاً كبيراً على عمليّة وقسم «الإعداد»؛ الذي يُعتبر القلب النابض لأيّ وسيلةٍ إعلاميّة، ويُحدّد معالم خطابها بحنكةٍ ودقّة.
باختصارٍ مُباشر: الجمهور المعاصر يحتاجُ إلى خطابٍ مُعاصر؛ وهو ما لم توفرهُ وسائل الإعلام الدينيّ بعد؛ ومن ورائها مؤسسات التبليغ الديني المشرفة على مضمونها ورسالتها.
وما يمكن أن نخشاه ُحقيقةً؛ أنّ جلّ تلك «المؤسسات» لا يمتلك مقوّمات إنتاج خطابٍ كهذا؛ ما يعني أنّ المجتمع ينفصلُ تدريجيّاً عن خطاب قيادته الدينية.
هذه السابقة الخطيرة تعني أنّ الجيل أو الجيلين اللاحقين، سيشهدان انقلاباً قيميّاً نوعياً إن لم يُدرك «التجديديّون» واقعهم المتردّي بخطابٍ بديلٍ، حضاريٍّ، مُقنِع.
وبخصوص واقع الإعلام تحديداً؛ لم يذهب القائمون على «الدينيّ» منهُ اليوم أبعد من نقل المنبر إلى الشاشة؛ هذه الخطوة التقنيّة على محدوديّتها تراءت لأغلبهم إنجازاً حضاريّاً عظيماً، وجعلت الكثيرين يعيشون بالفعل نشوةً أنّ العالم الآن بات في قبضة خطابهم! وما هي إلّا مسألةُ وقتٍ حتى يُذعن لـ«الحقّ» الذي يحملون.
لا تقف بساطة الفهم عند حدود الهدر المادّي لإمكانات الدين الكبيرة واسمه؛ بل تتعداهُ إلى نقطةٍ خطرةٍ للغاية، وغائبةٍ عن وعي أولئك الفاتحين لعقول الأديان والمذاهب المنافسة؛ وهي أنّ المنبرَ الإسلاميُّ ذاتَهُ يعاني أزماتٍ قاسية، أبسطها نمطيّة الطرح ومحدوديّته، وسيطرةُ الأمزجة والقناعات في قبالة الانضباط العلميّ والمعرفيّ... وعملية الإطلاق الفضائيّ لهُ كفيلةٌ بتعميم الفشل المنبريّ على مستويات مؤذيةٍ، لم تُدرك تداعياتها الكبيرةُ بعد.
في المبدأ لا شكّ أنّ ثمّة جمهوراً ينجذب ويتفاعل مع المادّة النمطيّة في الفضائيّات، لكنّهُ ذات جمهور الالتزام النمطيّ المحدود، الذي يعيش _بطيبةٍ_شغف العلاقة بالدين، ولا يعنيه صواب الأفكار التفصيليّة من خطئها.
في هذا الإطار، تفيد القاعدة الإعلاميّة أننا نخسر صنفين مهمّين من الجمهور:
ــ الشريحة الملتزمة المثقفة؛ التي تعتمد منطق العقل وترفض تجاوزات الخطباء النمطيين.
ــ الشريحة غير الملتزمة؛ التي ستتلمس نقاط الخلل كافة في هذا الخطاب، وتُصيّرهُ سبباً إضافيّاً للابتعاد من مشروع الدين أكثر فأكثر.
ولعلّ جانباً من الحلّ يَمُكن أيضاً في محورين رئيسين:
ــ تأسيس قواعد لخطابٍ دينيٍّ إعلاميّ (بالمعنى المهنيّ للإعلام) يتّسم بالانضباط العلميّ؛ ويحتوي قيم الدعوة الدينيّة من دون شطحاتٍ فرديّة أو لغةٍ مترهّلة.
ــ تمكين «الدعاة» من تقنيّات الشاشة ومهاراتها وقوالب برامجها، بدل انفعال المنبر الذي يُعتمدُ فيه حصراً على ذوق و«كاريزما» الداعية أو المبلّغ، إن توفّرت.
تجدر الإشارة إلى أنّ الانفلات الإعلاميّ الذي تعيشهُ الساحة الدينيّة اليوم، لا يمثّل أو يعكس نضج مشروع الدين من جهة، كما لا يحمل رسالة الدين الحقيقيّة من جهةٍ أخرى، وسيبقى هذا الهرجُ قائماً إلى حين توفّر مؤسسةٍ أو قيادةٍ دينيةٍ واعيةٍ لأبعاد المشكلة، وقادرة.

الإدارة المسجديّة

تعاني جلّ «الفضائيّات» الدينيّة خللاً استراتيجيّاً في بنية العمل، إذ تبقى رهينة نمط الإدارة المسجديّة بالمعنى الحرفيّ تقريباً.
الجهات المالكة لهذا الإعلام توكل إدارتهُ إلى «موثوقين» من سلك التعليم الدينيّ ومُحيطه (أو أنها تضع مفاتيح الإدارة الحقيقيّة بأيديهم)؛ وهم بدورهم يعتمدون نمطهم المسجديّ في تنظيم كلّ شؤون العمل، ويعيشون مقدّمات «علم المنطق» وأدوات قياسه في إدارة بيئةٍ هي أبعد ما تكون عن رتابة الإدارة.
يعيش الكثير من هؤلاء اعتداداً غيرَ مُعللٍ ببراعتهم التامّة في كل التخصصات، ويثقون برأيهم دون كلّ الآراء، وبذوقهم الشخصيّ ولو عارض المبادئ المهنيّة لصناعة الإعلام.
وفي الحقيقة لا يُعلم تحديداً منبع هذه القناعة المزيّفة؛ لعلّها نشوة علم المنطق الأرسطيّ وسطوة مسائله على العقل، أو جاهُ المنبر التي يهبُ إحساساً بالمعرفة التامّة وإمكان قيادة الجمهور مطلقاً باسم الدين ومصطلحاته المكنونة.
في هذا العالم تحديداً، لا تشفع النوايا الحسنة لمن لا يمتلكون فهماً مهنيّاً متخصصاً، وخبرةً جديّة في إدارة مؤسساتٍ بهذا التطور والتشعّب؛ ويكون الفشل (الكليّ أو الجزئيّ) نتيجةً طبيعيّة لا حيّز حتّى للأسف عليها.
غاية الأمر، أنّ نجاح الإعلام الدينيّ رهنٌ بإدارته من قبلِ عقولٍ تمتلك قيمة المعرفة الدينيّة إلى جانب الحِرفيّة والخبرة الإعلاميّة؛ ما يُمكّنها من تسييل الأفكار الدينيّة وصبّها في قوالب المهنيّة المواتية... وليس ثمّةَ كثيرون كهؤلاء في الوقت الرّاهن.
ما يخلص إليه القارئ الموضوعيّ لواقعنا المُربَك؛ أن ما نسميه اليوم بـ«الإعلام الدينيّ» يعيش اختلافاً بنيويّاً عن صناعة الإعلام ذاتها؛ ولا تعدو وسائلهُ كونها مساجد أو «منابر فضائيّة» في الغالب؛ هي أبعد ما تكون عن مُسمّى ودور مهنة الإعلام؛ التي ينبغي لها أن تُروّج للمشاريع الحضاريّة، وتصنعَ الوعيَ العام والقيم الجماهيرية.
الدينُ مشروعٌ إلهيّ لبناء الحضارة، والإعلامُ تخصصٌ علميٌّ يُعنى حِرَفيّاً بإدارة الوعي العام للمجتمع؛ بدءاً بصوغ رؤى المؤسسات الإعلاميّة وأهدافها، وليس انتهاءً بالتزام أدق تفاصيل المهنة في صناعة البرامج، أو تقنيّات الصورة وانعكاساتها النفسيّة.
التساهل في هذا الميدان ليس أكثرَ من تعامٍ عن المسؤوليّة، وخطوٍّ متسارعٍ إلى انكفاءٍ حضاريٍّ محتوم؛ لولا أنّ الإله يشاء حفظ جوهر رسالته.
ربّما آن للقائمين على هذه الإمكانات الضخمة أن يدركوا أنّ العمل الإعلاميّ أبعد من بضع كاميرات ثابتة، ودُعاةٍ يُمارسون تجاربهم الخطابيّة أمامها.
الإعلامُ الديني مسؤوليّة وأولويّة، لا يبدو _حتى الآن_ أنّها أخذت موقعها التامّ من اهتمام القيادة الدينية، ووعي حساسيّة إدارتها، وآليات صناعة خطابها المتقن. الدينُ _بمشروعه الحضاريّ_ في وادٍ، وإعلامهُ في وادٍ آخر.
* باحث واستاذ حوزوي