حتى حين كانت موجة «الثورات» العربية في أوجها، وكانت تحقق نجاحات في تونس ومصر وتقلب أنظمة، كان الجدال يدور بين مؤيديها حول ما اذا كانت تعتبر «ثورات»، بالمعنى التاريخي والفعلي للكلمة، وكان التوافق أنّ هذا سؤال سيجيب عليه المستقبل ومسار الوقائع.


امّا اليوم، حين صارت الأحداث في كلّ هذه الدول في مكان آخر تماماً، بات من المستغرب أن تجد من يرصّع كلامه السياسي، بل يؤسسه، على فكرة «الثورة»، ويتكلّم عنها كأنها «واقع» مادي وموضوعي، محسوم مسبقاً، ولا يحتاج الى تعريف أو تمييز.
حين لا تعود الثورة موجودة، يصبح التغني بها سهلاً وجميلاً وغير مكلف. بل هي تصير خطاب من يحتاج الى خطاب، والمرتكز الأخلاقي لمن يحتاج الى منصة أخلاقية؛ ولأنها تحيل الى «جماهير» ومتظاهرين افتراضيين، لم يؤسسوا كتلاً سياسية واجتماعية تتكلم باسمهم، فهي تسمح لأي كان بمصادرتها والكلام نيابة عنها (ولو من أسوأ موقع، وأفسد بلاط).
المسألة هنا ليست حنيناً رومانسياً أو مثالية ترفض النزول الى الواقع، فالثوار أنفسهم، أي من قادوا هذه الحركات في مصر وليبيا واليمن وغيرها، يأخذون اليوم مسافة لدى الحديث عن ثورتهم ومصائرها، نظراً الى تحديات الواقع واشكالياته، والاختلاف حول ارث «الثورة» («الاخوان» في مصر، مثلاً، كانوا حكماء في اعتمادهم حجة الشرعية الدستورية للمطالبة برحيل نظام السيسي، بدلاً من الاتكاء على ارث ثورة يناير المختلف عليه).
المسألة الحقيقية هي أن تعبير «الثورة»، لدى قطاعٍ معتبر من الاعلام العربي، صار عبارة عن «ملء فراغ» ايديولوجي، يمكن من خلاله الترويج لأية أجندة. يتمّ الكلام على «الثورة» كأنها مفهومٌ ايديولوجي مكتملٌ ومكتفٍ بذاته، واذا سألتهم أن يحددوا ماهيته، تكون الاجابة بمعنى «كرامة، دولة مدنية، حقوق مواطنة» الى باقي الشعارات التي لا يختلف عليها أحد (هي، تقريباً، المطالب نفسها التي ردّدها دريد لحّام في مسرحياته مع محمد الماغوط منذ سبعينيات القرن الماضي)؛ ولكنها لا تعني أي شيء على الاطلاق من دون نظرية عملية، تنطلق من الاطار الحالي، وتحوّل نفسها الى واقع، بل الى حالة هيمنة. وفي هذا المجال، لا مكان لنظريات التواصل الهابرماسي والحوار العقلاني، وهابرماس نفسه كان سيضحك لو عرف أن هناك من ينوي تطبيق وصفاته في منطقتنا.
حين كتب تروتسكي عن الثورة (البروليتارية)، ركّز على بناء ما أسماه «البرنامج الانتقالي»، أي ذاك الذي يجسر الهوة بين وضعية الشعب اليوم (وهو وضعٌ غير ناضج)، والحالة النهائية للمجتمع الاشتراكي. المطالب الانتقالية، لدى تروتسكي، هي تلك التي تُكلّم العمّال عبر واقعهم القائم وحاجاتهم وتأخذهم، تدريجيا، الى الحالة الثورية.
هذه الحسابات ليست في بال من يصدح بمديح «الثورة» اليوم (من خارجها). منبع المشكلة هنا هو ليس في تناقض خطابهم (فلنتذكّر، مثلاً، أن القوى التي ترث اليمن اليوم، أي الحوثيون والحراك الجنوبي، هي من «القوى الثورية» الرئيسية بهذا المعيار)، ولا في بعده عن الواقع؛ أساس المشكلة، ببساطة، هي أن هناك أناساً لا تعرف متى يصير الشيء قديماً ومملاً ولا معنى لاجتراره.