شكلت عبارة الربيع العربي حلماً بالنسبة إلى البعض، قبل أربع سنوات، ولم يخفِ البعض الآخر توجسه منها، واعتبرها آخرون كابوساً حقيقياً ينبغي العمل على درء أخطاره على عدد من البلدان العربية التي تركزت عليها الأنظار، وتمحورت حولها استراتيجيات القوى التي رغبت في ان تتحول الى حقل تجريبي لتصوراتها حول هذا الربيع وما تمت محاولة تسويقه من تصورات حول هذا الحراك السياسي الذي استهدف، منذ البداية، بعض الأنظمة السياسية التي يبدو ان الغرب لم يعد يثق بإمكانياتها، في الحفاظ على القدر من الاستقرار السياسي الذي يحافظ على مصالحه الاستراتيجية.


لذلك قرر المشاركة، بطرق مختلفة، في العمل على ابعاد تلك الانظمة عن صدارة الأحداث، كما جرى في تونس ومصر وليبيا وتجرى محاولات العمل على تحقيق النتائج إياها في سوريا منذ سنوات.
لقد تكفلت احداث السنوات الأربع الأخيرة بكشف مضامين هذه العبارة، بالنسبة لمختلف الأطراف الاجتماعية والسياسية، في المنطقة العربية كما بينت، الى أي حد، لم تكن تلك العبارة عفوية او بنت هذا الفضاء، وانما هي من نحت قوى خارجية كانت، الى الأمس القريب، تجند كل ما أوتيت من قوة وطاقة، في مختلف المجالات، لمنع كل محاولة عربية داخلية للتغيير، على أساس انه ليس هناك أفضل مما كان. وفجأة، خرجت تلك القوى الأجنبية ببرامج وخطط تستهدف قلب الأوضاع رأساً على عقب، ونصبت نفسها، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وصية على الشعوب، محاولة ان تعين لها من ينبغي ان يحكمها، ومن عليه ان ينسحب ويتوارى عن الأنظار.

خرجت القوى الأجنبية
ببرامج وخطط تستهدف قلب الأوضاع ونصبت نفسها وصية على الشعوب
وأصبحت عبارة: ارحل او التنحي كلمة السر للتعبير عن سحب الثقة الغربية في بعض الحكام العرب. وإذا كان مفهوماً ان تصدر مثل هذه الشعارات لتقرير مصير بعض الحكام الموالين للغرب على مدى سنين وعقود طويلة، فإن الذي يبدو ان القوى الغربية العظمى اعتقدت ان هذه كانت فرصتها السانحة لتصفية حساباتها السياسية التاريخية مع بعض الانظمة في الشرق الأوسط، في ظل مناخ يوحي بأن التغيير هو شعار المرحلة. وبالتالي فإن حظوظ انكشاف طبيعة التصورات والأهداف التي تخفيها الشعارات المرفوعة، ليست راجحة في خضم هجوم سياسي استراتيجي لم يتردد في استعمال كل الوسائل لتحقيق الغايات الأولية المرجوة. كما بين تدخل الحلف الأطلسي عسكرياً في ليبيا لإسقاط النظام والدولة او ما يشبه الدولة التي أقامها العقيد معمر القذافي. وكما برز للعيان في تكالب القوى الغربية وبعض القوى العربية على سوريا لتدمير مقدراتها في مختلف المجالات، وإغراقها في أتون حرب عبثية أتت على الأخضر واليابس، ولا تزال تحصد الضحايا بالعشرات أمام مرأى وعلى مسمع المجتمع الدولي الذي انخرط جزء منه بشكل واضح في كل الجهود والخطوات التي ترمي الى تعفين الأوضاع ومنع الدولة السورية من استعادة السيطرة على مختلف أراضيها في ظل احترام سيادتها، وحق شعبها في تقرير مصيره بنفسه، من دون تدخل بعض القوى السافر في شؤونه الداخلية. وفي هذا السياق، فحسب، يمكن فهم قرارات عدد من الدول الإقليمية والدولية المعلنة، بتسليح المعارضة السورية، وتدريب فصائلها المسلحة، بدعوى انها معارضة معتدلة، وعليها يقوم عبء محاربة تنظيم داعش الإرهابي، في البلاد، مع ان الواقع الملموس لسياسات تلك الدول يبرهن ان الهدف الأساسي من هذا التسليح والتدريب هو تمكينها من إسقاط الدولة السورية التي تبين لها انها صمدت خلال المراحل السابقة امام هجوم الجماعات المسلحة الظلامية بمختلف تسمياتها وأشكالها وحالت دون تحقيق مراميها القصوى في هذا المجال. هذا علاوة على الزعم بأنها تقوم بذلك رداً على الدعم العسكري والسياسي الذي توفره ايران وروسيا الاتحادية للنظام في دمشق والذي حال دون تحقيق المعارضة لمراميها في إسقاطه رغم كونه قد فقد السيطرة الفعلية على عدد مهم من المناطق.
لكن الحديث عن الربيع العربي لم ينحصر في المسألة السورية بل شمل عدداً كبيراً من الدول كانت فيها بصمات التدخل الأجنبي واضحة للعيان ولا ينكرها إلا مكابر يعتقد ان بإمكانه حجب الشمس بالغربال كما يقال. وهذه هي حالة ليبيا ومصر واليمن الى حد ما حيث كان الصراع يتجاوز الى حد بعيد قضايا الخلاف السياسي الداخلي للقوى المؤثثة للمشهد السياسي الى التدخل العسكري السافر في ليبيا التي اسقط حلف شمال الأطلسي نظامها وتركها فريسة ولقمة سائغة لكل انواع وأشكال القوى والصراعات المسلحة وقوى التطرف والإرهاب بما فيها تنظيم داعش الإرهابي وتيارات تفكيك البلاد وفصل أقاليمها المكونة بعضها عن البعض الآخر. والى تحالفات غير طبيعية بين تنظيم الاخوان المسلمين وبين جل القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية التي عملت على ضمان حكم الإخوان مقابل المحافظة على المصالح الحيوية لتلك القوى بغض النظر عن طموحات الشعب في التحرر من الاستبداد السياسي والتبعية للغرب الاستعماري كما هي الحال في مصر بعد وصول تنظيم جماعة الاخوان الى السلطة اثر الإطاحة بنظام حسني مبارك. ولا يمكن تجاهل الدور الحيوي الذي لعبته تركيا اردوغان في دعم هذه الجماعة في كل مراحل وفترات ما سمي الربيع العربي في مواجهة ارادة الشعب المصري التي تم التعبير عنها في مختلف التظاهرات الكبرى التي تم تنظيمها والتي توّجت بالنجاح بالإطاحة بمرسي وحكم الإخوان بدعم من الجيش المصري.
* كاتب مغربي