لا شيء جديد، كلُّ الأمور تسير على سككها المعتادة السابقة، العالم الإسلامي يتداعى ككلِّ مرةٍ للدفاع عن النبي محمد رسول الله تنديداً واحتجاجاً ضد الإساءات الموجهة من قبل جريدة [شارلي إيبدو] الفرنسية الساخرة التي أصرت على الاستمرار بالاستهزاء من الشخصيات الدينية الإسلامية، وخاصة بعد موجة التعاطف والمساندة التي اجتاحت العالم دعماً لها بعد حادثة الاغتيال التي أصابت موظفيها في وضح نهار باريس.


لعله من الثوابت التي تتفق عليها الأفهام الفقهية المختلفة لكلِّ المسلمين «المحمديين»، أو لأولئك المتمذهبين فيهم من أن النفس البشرية تنقسم إلى أنواع متعددة تبلغ بألفاظ القرآن الكريم ذاته خمسة أنواع، ويضيف لها بعضُ الصوفيين من المسلمين نوعين آخرين فتصبح سبعة، تترقى هذه الأنواع المختلفة للنفس البشرية بدرجاتها الإيمانية وفق المدح الإلهي والرضى الرباني على سلمٍ يوافق في درجاته رقيَّ هذه الأنفس في اقترابها من المعرفة والحقيقة الإلهية والتقوى والرضى والإيمان به.
تنقسم النفس البشرية إلى نفسٍ أمّارة بالسوء، مذمومةٍ، تقع في أسفل السلم، مختالة، متغطرسة، تسيّرها الذرائعُ والشبهات، تبحثُ عنها في المحيط والآخرين، وهي النفس الشائعة في غالبية البشر توسوس لهم عملَ الخطايا والسيئات وتلقي بالتبعات على غيرها.
أمّا النفسُ اللوّامة، فهي نفسٌ قد ترقت في سلم الإيمان، وراحت تحاولُ أن تجد الأخطاء في ذاتها ومحيطها، وألقت باللائمة على ذاتها، وبدأت بالإصلاح فيها. بينما تقتصر الأنواع الثلاثة الأخيرة المتدرجة على النفس المطمئنة، والنفس الراضية، والنفس المرضية، وهي أنواع جاهدت ورضيت بقضاء الله واطمأنت لحكمه بعدما طبقت تعاليمه فنالت خير جزائه.
إن النفس الملهمة والنفس النقيّة أو ما اصطلح على تسميتها «الإنسان الكامل» في ذروة المقامات السبعة عند الصوفيين تمثل «خاصة الخواص» وهي مرتبة لا يبلغُها ــ حسب قولهم ــ إلا قلة معدودين من العباد الصالحين والأنبياء المختارين.
كثيراً ما سمعت وشاهدت سابقاً وقبل سنوات حملات التجييش والمؤازرة والنصرة التي كانت تقوم في الدول العربية والإسلامية دفاعاً عن رسولنا الكريم من إساءات قادمة من الغرب، على شكل رسوم كاريكاتورية أو أفلام مسيئة، فتهب جماهير واسعة إلى الشوارع والساحات أو تستنفر إلى الفضاء الإلكتروني، مستحلفةً الجميع الانضمام إلى حملاتها في الرد عبر المقاطعة الاقتصادية أو لإبداء الرفض عبر تظاهرات كبرى تتجه إلى السفارات الأجنبية، وقد تتطور الاحتجاجات إلى ما هو أشد من اقتحام السفارات والتنكيل بعمالها، كما حدث في بعض الدول العربية والإسلامية في سنوات سابقة.
أما بعض المسلمين فيخرجون على شكل «عقلاء» يدعون إلى ممارسة ضبط النفس والتأسي بأخلاق النبي محمد ذاته، وقد يبلغون من «التعقل» الشديد لدرجة أن يذهبوا إلى هذه الدول التي أساء بعض أفرادها لنبينا لإجراء حوارات ومناقشات معهم في أخلاق النبي وسيرته العطرة، وليردوا شبهاتهم حوله وحول الدين الإسلامي ذاته.
كانت هذه الأفعال المسيئة وردودها تجري وفق نسق زمني مشبوه، في العقدين الأخيرين، وكأنها ألعاب استخبارية، لتعويم دول وإبرازها كأنها مدافعة عن الإسلام في مقابل خطط تجري ببطء لاستنزاف الحَمِية بين المسلمين، مشابهة في طقوسها لحالة التبخير اليومي للوجدانيات التي يعيشها المواطن العربي تجاه قضاياه المصيرية، مثل قضية المسجد الأقصى وفلسطين وحالة التنكيل الصهيوني المستمر بالأرض والإنسان العربي منذ عقود.
ويبقى الإنسان العربي متسمّراً أمام شبكات التلفزة اللعينة، يستنزف عواطفه بالتدريج، ويبخّر ردود أفعاله على شكل حسراتٍ وآلام وآهات، وعندما تأزف الآزفة يختار الشارع أو السفارات ويطلق غضبه في مسيرات وتظاهرات محدودة التأثير، معروفة الحدود.
رغم محبتي للرسول محمد، وبسبب اقتناعي وتسليمي بالسلم الإيماني، سابق الوصف، فقد فضلت في كل المرات قبل أحداث الربيع العربي والاحتكام الإسلامي إلى السيف والسلاح في الوصول إلى السلطة، أن أنظر في نفسي والمحيطين القريبين من خاصتي، وأن أتوجه بالنظر: هل كنا رسلاً جيدين لنبينا وإسلامنا؟! وهل بلغنا رسالته الراقية بأخلاقنا؟! وهل تركنا لغيرنا الحجج والذرائع ليركبها ويسم الإسلام بكلّ الشُبه والنقائص؟! وهل يقرأ الغرب إلا في الكتاب الذي نخطه بأخلاقنا وتصرفاتنا كعرب ومسلمين؟!
صحَّ ذلك في ما سبق عندما كانت الإساءات أشبه بألعاب المخابرات، واليوم يثبت باليقين، إذ تتداعى الدعوات نصرةً للنبي ضد الإساءات التي تصرُّ عليها الصحافة الغربية، على شكل رسوم مسيئة تهزأ منا ومن إسلامنا قبل أن تهزأ من الرسول.
والطريفُ المحزنُ حدَّ البكاء أن الدعوات الصادرة للدفاع عن النبي إنما تخرج في غالبيتها عن ذات الأفواه والأفهام المتطرفة التي حللت الحكم بالسيف في بلاد العرب والمسلمين، وراحت تصفق «للمجاهدين» في حروب وفتن كقطع الليل المظلم أسقطت من العرب والمسلمين والمسالمين بينهم ما لم تسقطه كلُّ الحروب التي جرت عليهم في القرون الماضية القريبة.
كيف ونحن المسلمين ننقضُ عهد الله ونبيه فيصبح سفك الدماء الآمنة حلالاً، وتستحل الديار المحرَّمة وتُمثل بالأجساد الميتة وتقطّع الرؤوس، وتُركل بأرجل الغوغاء، ويصبح حكمُ الأسير القتلَ والتنكيلَ ويغدو الغدرُ والتفجيرُ أهم ميزاتنا ننفذها في الأسواق والساحات المكتظّة وأمام المدارس ورياض الأطفال.
أصبح شعار [الله أكبر] عنوانَ التغطرس والتألّه على الله واستخدام صفاته، بعيداً عن معناه الحقيقي في تذكير العباد بالتواضع والخشوع والذِلّة أمام جبروت الله القادر العزيز المهيمن على عباده.

لسنا منافقين لنقفَ
ونرفعَ شعارات الرجل الأبيض، بينما هو يستمر بالعمى وغضِّ الطرف عن الإساءات الكبرى إلى دين حنيف

صارت شهادة الإسلام لا تحفظ الدماء، وباتت كلماتُ النبي في الحادثة الشهيرة: [هلّا شققتَ على قلبه!!! وماذا تفعل بلا إله إلا الله !!] كلاماً منسياً مهملاً، فقُتل الناس وألقيت جثثهم في المجارير الصحية بعدما نطقوا بالشهادتين، وأصبح مألوفاً أن تجد رجلاً مسلماً مثقفاً ذا مآرب اجتماعية أو سياسية يبرر لمجرم مرتكب يمثّل بجثةٍ أو يحملُ رأساً مقطوعاً بيده، بأن ظلماً ما قد يكون وقع عليه أو على أحد أقاربه.
إننا نعيش التيه الإسلامي بعد نقضنا العهود [*]، فترةً مشابهةً لتيه اليهود في صحراء سيناء بسبب نقضهم عهدهم مع نبي الله موسى، لذا سأدع المتظاهرين والمحتجين يذهبون إلى ساحات الاحتجاج وتظاهرات التنديد والنصرة، وسأنزوي إلى زاويتي الصغيرة، أنا لن ألبي دعواتهم:
يجب تمحيص كلِّ الشعارات المضللة ومن أيِّ الجهات صدرت، ألم يكفنا ما وصلنا من تبعات شعارات «الربيع العربي» التي ركبها كثيرٌ من العرب والمسلمين؟ نحن من الذين شككنا بكل شعاراته المضللة، كما شككنا بمصادره المشبوهة في الغرب والشرق، فرجمناه حتى نفقت جثته النتنة التي حملت كلَّ روائح الغرب الكاذبة في الديموقراطية وحقوق الإنسان، وهي الدول التي تملك لهذه الشعارات ألف معيار ومعيار، تطبقه بالطريقة والوقت والبلد الذي تشاء، وهي التي طالما رعت الإرهاب في بلدنا وغذته حتى وقتنا الحاضر من دون توقف، أما يكفي كذب وتضليل!!
لسنا منافقين لنقفَ ونرفعَ شعارات الرجل الأبيض في بلده على أبراج عالية، وأن نمشي معه في تظاهراتٍ ومسيراتِ نفاقٍ أشِر كتفاً إلى كتف، مرتدين ثيابه، نرطن بكلماته ذاتها، بينما هو يستمر بالعمى وغضِّ الطرف عن الإساءات الكبرى إلى دين حنيف تحت حجة حرية الرأي والتعبير وعدم التضييق على الصحافة، بينما لا يسمح مطلقاً ــ وبقوانين صارمة ــ بأي نقدٍ لأساطير تاريخية واهية لم تقم يوماً على دليل. ولسنا مُضَلّلين لنُستخدم في الطوابير الحاشدة الضالّة المُضلَّلة التي تذبحُ الدين الحنيف باسم الدين، وتقتل النبي مئات آلاف المرات، وهي تحمل دمه لصبغ شعاراتها [**] ، ثم لا تنظر في نفسها هل أحسنت للإسلام، أم تسيء له كلَّ يوم بل كلَّ ساعةٍ من نهار.
يا أصحابَ النفوسِ اللوّامة .. لنتقِّ اللهَ في دينهِ ونبيهِ.. ولتردوا: ماذا فعلنا بالإسلام؟!
* كاتب سوري

هوامش :
[*] - وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ{83} وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ{84} ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ{85} أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ{86}البقرة
صدق الله العظيم
[**] - (لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضُكم رقاب بعض) حديث صحيح للرسول محمد صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع