الأفندي في ضمير الأمة


هناك شخصيات وطنية، نظيفة الكفّ شفّافة، وإن كان عددها قليل في لبنان. لكن، وبما أن لها باعاً طويلاً في محاربة الفساد والإفساد والهدر، فمن الصعب عندما توافيها المنية، أن نرى شرفاء أكفاء يكملون الطريق من بعدها. والمعركة مع الفساد جد طويلة ونحن في بدايتها.

عمر كرامي شقيق الرئيس الشهيد رشيد كرامي الذي اغتالته مفخخات الفيديرالية والكونفديرالية الإنعزالية، رحل وفي قلبه حسرة على وطن، نجح حيتان المال نجاحاً باهراً في جعل القسم الأكبر من مواطنيه يئنون تحت وطأة الفقر المدقع والعوز الشديد، وفي قلبه أيضاً وضميره عتب وحسرة على مواطن تلقّى ولا يزال الضربات الموجعة ممن وعدوه بالبحبوحة، ورغم ذلك آثر هذا المواطن اعتناق مذهب الصمت المريع، وهذا ما بقي يؤلم دولة الرئيس حتى آخر حياته. سيبقى لبنان يقول عمر كرامي في ضميري، لأنه طيلة حياته، ما كان منّظراً في قضايا وهموم الفقراء، بل كان دائماً يقاوم معهم في خنادقهم، سياسات الإفقار والتجويع المتعمدة التي انطلقت العام 1992 برعاية رائحة الغدر، رائحة الدواليب المشتعلة بنيران البلطجة الوثيرة والقرصنة الخلاقة، قاوم مع من تبقّى من فقراء كسروا حلقة الصمت، جراء رويتهم الجوع الكافر، يبكي العيون ويدمي القلوب، ويختطف الأرغفة ويأسرها في زنازين المحاصصات الطائفية، كما تأكل الجرذان موائد العصافير، والأجران امتلأت بدموع الأتراح، والهموم والمصائب أصابت المواطن بالأنوريكية، فقدان الشهية إلى الطعام، والتهمت ما في الصحون والأطباق، والفقر والحرمان سقيا المحرومين من أكواعهم، ودموع المعذبين والتعساء ملأت الكؤوس، فبات طعمها مراً.
نعم، رحل عمر كرامي حزيناً، لأن الصمت المريع جعل الرياح تجري عكس ما اشتهاه للفقير، وافرح من طابقت حسابات حقولهم حسابات البيادر التي ولدت من رحمها محادل الفساد بشتى ظروفه. عندما كان بعض السذج وبعض الخبثاء على حد سواء يقولون للرئيس كرامي، من يؤيد المقاومة يكون متطرّفاً لأن المقاومة متطرفة! كان يجيبهم، أن من يقاوم لاستعادة الحقوق العربية المغتصبة، إنّما هو أشد المعتدلين، لذا فالنأي بالنفس واعتماد سياسة حالياد حيال الحرب الدائرة بين الخير والشرّ، خيانة عظمى بحق الوطن والأمة. عمر كرامي، يا ابن مدينتي العربية طرابلس: كل الشرفاء والأحرار يعاهدونك بأن طرابلس ستبقى مدينة عبد الحميد والرشيد والخالد جمال عبد الناصر.
ريمون ميشال هنود