صائب الخليل - ناشط مدني


قرأت في منبر «الأخبار» مقالةً للسيد أياد المقداد يتناول فيه «الجدلية» بين «حزب الله» والضاحية الجنوبية لبيروت. كأنها لغز لم يجد له تفسيراً، ويثير فيه كمّاً من الأسئلة الجريئة. لكنه حاذر الإقتراب من التابو... رغم كثرة تلميحاته. ولي عليه بعض التعليقات:
ـــ حصر السيد المقداد «الديالكتيك» بين الحزب والضاحية، ولم يأتِ على سيرة «الجدلية التاريخية» بين الضاحية والمحرومين. وكأنّه لم يسمع يوماً أنّ هناك حركة إسمها «أمل» لها من مآثر التنمية والتحرير الكثيرة. لكن لمّا مارست التغيير على إسم ضحية نهر الغدير لمّا يطوفُ في زواريب حي «الكرامة»، يصبح الإنماء موضع جدل! وعندما «تتحرّر» أرصفة بعض الطرقات في الضاحية من المشاة، يصبح للتحرير معنى آخر!
ــــ أمّا عن الوجه الرومانسي والزمن الجميل، فقد سها عن بال الصديق المقداد أنّ تاريخ البطولة لهذه الضاحية خطّهُ رائد الشهداء عبدالكريم الخليل – تصادف هذه السنة الذكرى المئوية لاستشهاده – لمّا صار حبلُ المشنقة في ساحة البرج في العام 1915 ريحاً في الزوبعة. وأولى صرخات البعث للحرية.

ــــ أمّا عن الجدل، فلسفةً وفكراً ومساراً فالأمر يستلزم عقلاً وعقليةً تعيش الزمان والمكان والهدف. سأتناول ثلاثة قضايا متعلقة بهذه الجغرافيا والديموغرافيا... وبالقرار فيها ولكم تالياً تقدير النتائج.
القضية الأولى: التعليم الرسمي في الضاحية الجنوبية.
ــــ إنّ عديد طلاب وتلامذة الضاحية الجنوبية يناهز 150 ألف طالب (من الروضات حتى الجامعة). في العام 1992 كان عديد طلاب المدرسة الرسمية (الوطنية المجانية) 21 ألفاً، اما في العام 2012 فانخفض العدد الى ما دون العشرة الاف تلميذ، على الرغم من الزيادة السكانية خلال 20 سنة بنسبة كبيرة. وسجّلت المدارس الرسمية في الضاحية الجنوبية أدنى نسبة نجاح لشهادة البروفيه في لبنان.
المدرسة الرسمية في الضاحية الجنوبية تنتظر من يدفنها بعدما جرى قتلها. وسؤالي هو: كيف تسكت كتلتا نواب «الوفاء للمقاومة» و»التنمية والتحرير» عن توفير العلم لاولاد المستضعفين والمحرومين بالمجان؟ أهذا جدلٌ بيزنطي؟
في لقاءٍ مع رئيس إحدى البلديات الكبرى في الضاحية التي إشترت مؤخراً عقاراً «حرزاناً» مشادٌ عليه حالياً بناءٌ تربويٌّ ضخم، سألناه إمكانية تحويل هذا الصرح إلى مدرسةٍ نموذجية (روضة + إبتدائية ) تتسّع لـِ 1500 تلميذ كحد ادنى.

الضاحية مكشوفةٌ
لكل أنواع الخطر وما أوله إهمال آخره كارثة



فجاء جوابه حازماً جازماً، أننّا قررّنا تحويله إلى دارٍ للمسنين والعجزة. يا للإعجاز. كيف تتقدم الآخرة على الأولى!
القضية الثانية: في خدمات ماء الصهاريج وكهرباء المولدات.
إن الدولة الغائبة والسائبة، وحزب الله وحركة امل جزءٌ منها مجلساً وحكومة، عاجزةٌ وقاصرةٌ عن توفير الماء والكهرباء لمواطنيها، ومنهم سكان الضاحية على الرغم من أنّ قلة عدد الملتزمين بدفع فواتير الكهرباء. وجرّاء هذا التقصير الرسمي «والشعبي» تدخّل «قطاعٌ خاص» لتوفير هذه الخدمات. وازدادت نتيجةً لذلك قيمة الفواتير التي يدفعها أشرف الناس. إنّ الفواتير التي يدفعها المحرومون والمستضعفون إلى القطاع الخاص أضعاف سعر الكهرباء الرسمية (5 أمبير من المولد ثمنها 150 ألف ليرة).
في الضاحية الجنوبية مئات المولدات الخاصة. فيما يعجز الحزب والحركة عن فرض تسعيرةٍ عادلة ومعقولة لقاءَ هذه الخدمات بحجة أنّه «قطاع خاص». فعلاً هو كذلك، إنّه قطاعٌ خاص لكنه مخصص لقبضايات الحزب والحركة. وتسأل يا صديقي أياد عن الجدلية... لم لا تسأل عن التجارة في الحرمان والإتجار بحاجات الناس؟
مؤثرٌ جداً مشهد المسيرات شبه المليونية في يوم «هيهات منّا الذلة». رفع سيد الشهداء قبضته وسيفه وحمل دمه وروحه ضدّ الظلم. ولست أرى مسيرةً ولو بالعشرات لمطلبِ رفع الظلم والغبنِ عن أشرف الناس في أبسط مطالبها!
القضية الثالثة: في النظام والإنتظام
رُفِعَتْ في الضاحية الجنوبية لوحات عملاقة كُتِبَ عليها «النظام من الإيمان». لمّا قرأتها ظننت أنّ لدى رافعيها أدعية مضادة للفوضى!
لنتجه صوب «جادة الشهيد هادي نصرالله» إنّه إبن القائد الإستثناء في هذه الأمّة. من منّا لا يعرف هذا الطريق بالاسمِ وبالشكلِ وبالأهمية وبالرمزية. لكن ما نراه أنّ المضمون يعاكس الصورة. أنظر معي إلى جدلية الإيمان والنظام على هذه الطريق. أنظر لعشرات مقاهي الأرصفة اللاغية لسير المشاة على الأرصفة لقد شيّدها «المؤمنون»! أنظر لعشرات معارض السيارات والمخالفات بسطاتٍ ومحلات على جانبي الطريق، أصحابها «المحرومون». هذا هو الجدل، قل هو المنطق: إستنباطاً، إستدلالاً، قياساً وإستنتاجاً.
هل تقود سيارةً في الضاحية؟ هل قُدّرَ لك أن ترى الآف الدراجات النارية تفرُّ كالجرذان المذعورة، زاعقةً، مزعجةً، مؤذيةً، نافثةً سمومها، يميناً يساراً، من خلفك من أمامك، عكس السير، على دولابين، على دولاب.
لكن من فوق تبقى رحمة ربك.
هذا هو جدلٌ يجري في الزوايا الجنونية في الضاحية الجنوبية.
إن من لديه كلّ الإحتراف في قتال عدّو الأمّة هل ما زال ــــ حتى اللحظة ــــ هاوياً في مواجهة الفوضى؟
جبهاتك محروسةٌ تماماً بقبضاتٍ وعيونٍ ساهرة، لكنّ الضاحية مكشوفةٌ لكل أنواع الخطر. فما أوله إهمال آخره كارثة! وفيت يا سيد بوعودٍ كثيرة... عدنا بالنصر مرّةً على هذا الإهمال.