أياد المقداد

لم يكن موت عمر كرامي مفاجئاً. لكنّه رحيلٌ استدعى دفعة واحدة كل آمالنا الذبيحة وأحلامنا القتيلة. فالرجل قد يكون من آخر المتبقين من تلك الحقبة العروبية الراكنة في زوايا الذاكرة. والذاكرة شيء من الضرورة أن تمتلكه كي تفهم عمر كرامي، في زمن البذاءة المذهبية والإنحطاط القومي، على أعتاب الإنتحار الجماعي لأمة اغتالت كلّ جميل فيها.

فلم يكن شيء من تلك الأشياء التي توقد فيك الحنين فحسب، بل كانت صورته ونبرته المميزة هي موسيقى في منتهى الحزن يودّ الجمع العربيّ بأغلبيته أن يعزفها أو حتى أن يسمعها، ثمّ لا يستطيع. فمسحة الحزن التي رافقته وواكبته منذ اغتيال الرشيد لم تقوَ دعابته ولا خفة ظله وسرعة بديهته على مسحها، بل لا بدّ أنّها انسلّت معه في نعشه لتفترش تراب المدينة، التي تراب والده عبد الحميد كرامي وأخيه رشيد كرامي بعض من ترابها، وهو تراب وجهته فلسطين في الحياة والممات.
لم يضيّع الرئيس الراحل البوصلة يوماً في عتمة الظلام المذهبي الحالك، بل بقيت سبابته تشير إلى الله الواحد وتؤشّر إلى فلسطين فقط، فهي وحدها تستحق المسير. وفي لحظة حصار الطوائف وتناهش المذاهب، لجأ إلى الإعتكاف في صمت كان هو أوج بلاغته. وفي وفاء لبيت عريق قام على النضال وعلى الشهادة وعلى التسامح أيضاً. كان من الرجال الذين قد تختلف معهم وقد لا توافقهم لكنّك لن تستطيع إلاّ احترام الكائن الجميل في داخلهم.
في خيارات الرجل كان الوطن كوطن هو الحاضر، وكانت هموم الناس تُثقل كاهله بقدر التصاقه بشعبه وعفته ونزاهة كفه، في دولة ينخر أسسها الفساد وتفوح منها رائحة المافيات. ولطالما كانت صراحة عمر كرامي وبراءة تصريحاته، وذاك الصدق النادر في عالم السياسة، وبعض الإنفعالية التي تميّز بها، سببا رئيسا في محاولات إبعاده عن الواقع المؤثّر. لكن، لا إبعاده، ولا حتى رحيله، استطاعا تخطي مفاهيمه. ففي هذه الفترة بالذات وقبل أسابيع قليلة من رحيله الأبدي، خرج أبناء الطائفة الواحدة والوطن الواحد من متاريسهم المتقابلة ليبدأوا حوارا هو بذاته أكليل ورد على قبر الرئيس الغائب الذي امتلك من الشجاعة ومن الكبرياء ما يحفظه جميع اللبنانيين، حين أعلن استقالته العفوية من على شاشات التلفزة ومن على منصّة البرلمان حين تعرّض للتشكيك وجرح المشاعر، في أخلاقية تفوّقت على الرغبة في السلطة وفي المناصب. وهو أمرٌ نادر في عالم السياسة والنفوذ والمصالح.
عمر كرامي وليد مدرسة مسلمة متسامحة عروبية، وهو ابن المدينة التي صاغت أجمل ما فيها لتهبه للوطن في غمرة الحرمان والقهر الأسطوري. وهو يستحق أن يُسند رأسه في موطنه الأبديّ على ترانيم محبة تجمع هذا الشتات البائس. والذي قضى حياته وهو يحاول أن يجمعه. فسلام لذاك البيت الممتدة ظلاله، العابرة للمذاهب والطوائف، والممتشقة الحلم الأزليّ بوطن حقيقيّ لا بمزرعة يتنازعها اللصوص وسُرّاق الفرح.
عُمر كرامي... في أمان الله حتى نلتقي.