نتالي أبو شقرا *

لا يأتي هذا المقال بمنطق الطائفة أو منطق العائلة أو منطق التوريث أو منطق اللون أو الجنس أو الدين أو الهوية الإثنية أو الجنسية. يأتي هذا المقال رداً على منطق عنصري شوفيني يتجلى في مفهوم الوطنية الأليفة في مقال عضو مجلس قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي بهاء أبو كروم الذي نُشر في جريدة «الأخبار» يوم الاثنين 22 آذار 2010. يحرص بعض الدروز على زعامة وليد جنبلاط وقيادته لهم، لا من منطلق ديموقراطي تقدّمي، بل من منطلق طائفي محض متغلغل في المجتمع اللبناني، وخوفاً على وهم جبار اسمه الهوية، أو بالأحرى عدم الثقة بالآخر والشعور الدائم بعدم الطمأنينة في ما يخص وجودهم ومشاركتهم بالقرار السياسي. وقد برع وليد بيك في لعب دور حامي الطائفة الدرزية بامتياز، ليس بشجاعة الأسُود بل بمكر الثعالب. ومن منّا لم يصبه الدوار مع استمرارية تأرجح وليد بيك وتحالفاته السياسية وابتكاراته الجغرافية والفلسفية في جامعة المختارة؟
وهكذا هي الحال مع غالبية الطاقم السياسي اللبناني: المساومة على مبدأ الطائفة، لا على مبدأ الديموقراطية والمواطنة. وبالتالي، لا يعتمد العيش المشترك في لبنان إلا على سياسة الهوية و«الديموقراطية الطائفية»، مع العلم أن العبارة تتناقض مع نفسها من حيث المبدأ. إنّ عدم دخول البيك في منافسة مع مرشحين آخرين هو أمر يقلقني كمواطنة لبنانية على عكس الأستاذ أبو كروم الذي يرى في عدم المنافسة هذه سبباً للافتخار (وهي نزعة شوفينية)، وهو أيضاً السبب ذاته الذي يجعل من أمثالي أقلية مهمشة على عكس الأكثرية الحاكمة الممثلة بوليد بيك.

تقوم الحركة الصهيونية على أيديولوجيا التفوّق العرقي ممّا لا يختلف كثيراً عن مفهوم الطائفية
إني أوافق الأستاذ أبو كروم على الجذور الفكرية التي اقترن وتمجد بها الحزب الاشتراكي في لبنان سابقاً. ولكن بعد استشهاد كمال جنبلاط، ما يوصف بالحزب التقدمي الاشتراكي تحوّل إلى انصياع قبلي رجعي رأسمالي! هل الاشتراكية مقيّدة بهوية إثنية أو دينية؟ هل تدعو الاشتراكية إلى مناصرة ذكور الطائفة الإقطاعيين ولوردات الحرب، أم هي قضية العمال والفقراء والمهمشين والمظلومين؟ إن الحزب التقدمي الاشتراكي في لبنان هو حزب وليد بيك وعشيرته منذ أن ترأسه، وأرجو من الأستاذ أبو كروم وغيره من أتباع وليد بيك عدم تلطيخ مفهوم الاشتراكية بوراثة ذكورية وتعصبية طائفية. إن الحديث عن وليد بيك وعن موقعه في الصراع العربي ــــ الإسرائيلي هو أمر عقيم لا طائل منه. فتحالفات البيك وقراراته ممأسسة على قناعات وأيديولوجيا عقائدية تتمحور حول أكثرية الطائفة الدرزية في لبنان وشيوخها. وليد بيك يعود اليوم مناصراً للقضية الفلسطينية ومشدداً على هويته العربية (وليس اللبنانية)، مع العلم أن هذه القفزة جاءت أيضاً على حساب «حماية» الطائفة في لبنان. فبعد 7 أيار أعاد البيك وشيوخه حساباتهم. فكيف لنا أن ننسى حسن ضيافة البيك لـ«كوندي» رايس والقبول غير المباشر بفكرة مجرم الحرب جورج بوش الابن «الشرق الأوسط الجديد». عن أي هوية وعن أي انتماء تتكلم يا أستاذ أبو كروم؟ الانتماء الوحيد الواضح في هذا السياق هو الانتماء الطائفي، وهو يختلف اختلافاً جذرياً مع الفكر التقدمي... أو الاشتراكي!
أغتنم هذه الفرصة هنا لأختلف بشدة مع الأستاذ أبو كروم على قضية دروز إسرائيل. أولاً، «دروز إسرائيل» ليسوا القضية. القضية هي عرب 48 ونظام الفصل العنصري الذي يعانونه. وقبل أن يصبح وليد بيك معانقاً للقضية الفلسطينية، وقبل أن يتذكر معاناة دروز إسرائيل، يجب تذكير أبو كروم بمعاناة الفلسطينيين في لبنانه من سياسات عنصرية تمارس ضدهم ومن حرمانهم الحقوق المدنية. ما لا يدركه أبو كروم هو أن الصراع مع إسرائيل هو صراع ضد حركة تقوم على أسطورة وهمية حوّلت جماعات ذات خلفية دينية واحدة متعددة الثقافات إلى حركة قومية تقوم دولة إسرائيل بتعريفها والسيطرة عليها، وتمتد جذورها إلى الحركة الاستعمارية الأوروبية والتوسع الرأسمالي لها. وتقوم هذه الحركة على أيديولوجيا التفوق العرقي مما لا يختلف كثيراً عن مفهوم الطائفية أو الانحياز الطائفي. ومحاربة إسرائيل هي محاربة كل نظام يقوم على الهوية العشائرية الدينية أو الإثنية، والأنظمة التي ذكرها أبو كروم، الممأسسة على التوريث، لا تختلف عنها. فنضالنا ضد إسرائيل والشعارات التي نستخدمها هي ديموقراطية علمانية وعالمية. ومن هذا المنطلق، فإن تحرير فلسطين وقيام دولة لجميع سكانها (بالتغاضي عن اللون أو الدين أو الخلفية الإثنية أو الجنس)، كما يراه البعض، سيسقط جميع الأنظمة القبائلية في المنطقة بدءاً بالنظام الطائفي اللبناني والسلالة الحاكمة القبائلية الحجازية.
ولكن للأسف، القضية عند جنبلاط وأتباعه (والأغلبية الساحقة في المجتمع السياسي اللبناني وطبقته النخبوية) ليست الإنسان. القضية هي الدرزي (ليس الدرزية). فمنطق أبو كروم مقصور، حسب قوله، بالعائلة والدين والطائفة والتقاليد. ها قد ذكرت المشكلة من فم الحصان نفسه، ويا للسخرية!
* ناشطة لبنانية