علاء اللامي

وبعد يوم واحد على نشر ما كتبنا في هذه الصفحة، صرح السيناتور جون مكين، المرشح المهزوم لحزب بوش في الانتخابات الرئاسية، مطالباً أوباما بأن يكون مرناً في قضية جدولة الانسحاب من العراق. والمرونة لا تعني في قاموس اليمين الأميركي المحافظ التعجيل في الانسحاب، بل العكس. أي إن على أوباما ألا يتشدد ويعاند من أجل تطبيق الانسحاب في التواريخ التي أعلنها في حملته الانتخابية. ويضيف مكين أن على رئيسه أن يزيد من ربط العراق بالولايات المتحدة الأميركية سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وهذا كلام صريح لا يحتاج إلى مزيد بيان. وغداة إعلان النتائج النهائية، صرّح قائد قوات الاحتلال الجنرال بترايوس أن «ثمة فرصة جيدة تتوافر حالياً للولايات المتحدة في العراق والشرق الأوسط». وما هي إلا ساعات حتى صرح علاوي تصريحاً قوياً وأكثر مباشرة اعتبره المراقبون تمهيداً للمطالبة ببقاء قوات الاحتلال لفترة طويلة، إذ قال إنّ «العراق غير قادر على تولي زمام الأمور جيداً بعد

تصريحات علاوي نسخة علنية من العرض السري الذي قُدِّم للأميركيين ببقاء قوات الاحتلال في العراق
الانسحاب الأميركي، وإن من الواجب أن يتزامن الانسحاب مع الإصلاحات السياسية...». وزاد على ذلك بالقول «إن الاتفاقية الأمنية الموقعة مع الولايات المتحدة الأميركية ممتازة ولكنها تشكو من ثغرات عدة». ويمكن اعتبار هذا التصريح نسخة علنية من العرض السري الذي قيل إن طارق الهاشمي، أحد أقطاب قائمة علاوي ونائب رئيس الدولة عن طائفة العرب السنّة، قدّمه خلال زيارته إلى أميركا قبيل الانتخابات، والذي طالب فيه باستمرار بقاء قوات الاحتلال على أرض العراق. من الواضح حتى اللحظة أنّ الأمور تسير كما خططت لها واشنطن. فخصومها المختلفون أصلاً من الناحية النوعية، قد حشروا في الزاوية حيث حزب المالكي خسر المرتبة الأولى التي كان يطمح إليها، وكان زعيم هذا الحزب قد قال قبل الانتخابات بأيام قليلة إن قائمته تضع عينها على ثلث مقاعد البرلمان، أي 108 مقاعد، ولكننا ــــ والكلام للمالكي ــــ الآن أكثر تفاؤلاً. فكان هذا التفاؤل في غير محلّه، ودفع صاحبه ثمن تردده في القطع مع الاحتلال والطائفية وتلكّئه في فتح صفحة جديدة تفعِّل الحراك الشعبي المناهض للاحتلال والطائفية وتشلّ الحراك المضاد للقوى الطائفية والعلمانية الحليفة للاحتلال. أما الأحزاب الطائفية الفاقعة، فقد تحولت إلى قوى هامشية: «التوافق» حصلت على ستّة مقاعد من مجموع 325 مقعداً، وحزب المجلس الأعلى بقيادة الحكيم على 18 مقعداً، أي أكثر قليلاً من خمسة في المئة، وحتى الصدريون لم يحققوا أي تقدم مهم وكبير كما قرأ البعض النتائج خطأً، فقد كان لديهم 30 مقعداً من مجموع 275 في البرلمان السابق، واليوم لديهم 39 مقعداً من مجموع 325، بمعنى أن تقدمهم كان بحدود واحد في المئة من نسبة المقاعد. أما الأحزاب الكردية مجتمعة، فقد حلت بها خسارة فادحة تقارب النصف، وانخفض رصيدها من 78 مقعداً من مجموع 275 إلى 57 من مجموع 325.
باختصار شديد: لقد نجح التصميم السياسي والانتخابي الذي وضعه الاحتلال للتحكم بالوضع العراقي في تعقيد المتاهة السياسية وخلخلتها عبر تهميش جميع القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية الاحتلالية وإضعافها، ليكون من المستحيل تأليف حكومة قوية وفعالة قادرة على اتخاذ موقف، وسيكون الجميع بحاجة إلى الجميع، ليكون الاحتلال هو المايسترو والمقرر النهائي والأعلى في إدارة اللعبة. الخيارات التي تواجه المالكي كما قلنا لا تقل مرارة عن تلك التي تواجه القائمة العلمانية المدعومة أميركياً. ولعلّ أسهل تلك الخيارات أمامه هو النكوص إلى الأصل الطائفي لحزبه وأيديولوجيته والاقتناع بما سيحصل عليه من النسخة الجديدة من المحاصصة الطائفية. وستسهّل أميركا هذا الخيار بأن تدفع قائمة الحكيم وعلاوي والكردستاني إلى القبول بدور محدود له مقابل شروط لن تكون «بطولية» في جميع الأحوال.
الخيار الثاني، وهو الذي يمكننا وصفه بالخيار الممتنع بسبب تعقيدات الوضع العام والصراعات الداخلية في قائمة المالكي ذاتها، وفي حزبه الخاص، بين تيار وطني مناهض بعمق للطائفية يمثله صادق الركابي وشيروان الوائلي وآخرون، وتيار آخر ذي نزوع وبواعث طائفية صريحة يقوده عبد الحليم الزهيري وطارق نجم العبد الله وخضير الخزاعي، وهو تيار يضغط حالياً من أجل تحالف شيعي يدخل البرلمان كقوة مندمجة أو موحدة. هذا الخيار الممتنع هو أن يتحالف المالكي مع الكردستاني والقوى العربية السنية التي رفضت الانضواء تحت راية الاحتلال غير المباشر القادم مع علاوي، وقد زار المالكي وفدٌ من هذه القوى مؤلف من المشهداني والعليان والسامرائي عشية الإعلان عن نتائج الانتخابات، إضافة إلى قوى صغيرة أخرى وقوى من المتوقع أن تنسلخ عن قائمة علاوي قريباً. وكما قلنا، فهذا الخيار ممتنع لذاته، ولمجموعة أسباب داخلية وعملية.
الخيار الثالث، وهو خيار ممنوع أميركياً، وحتى إقليمياً، ولكنه ليس مستحيلاً، بل يحتاج إلى جرأة وقدرة على قراءة الأحداث والقوى السياسية وطبيعة المرحلة والأهداف الآنية للاحتلال في طوره الجديد. إنه خيار يقوم على تبنّي قائمة المالكي والقوى المشابهة لها والتي ستلتحق بها، وغير القادرة على تأليف الحكومة، لسياسة معارضة في البرلمان وخارجه، تكون وطنية التوجهات، مناهضة للاحتلال والطائفية، تطلب الانسحاب الفوري للقوات الأميركية ورسم برنامج سياسي جديد يسحب البساط من تحت أقدام القوى الطائفية والعلمانية المتحالفة مع الاحتلال. ويقوم هذا البرنامج على مشروع إصلاحات سياسية واضحة ومصالحة اجتماعية وسياسية ترفض الاجتثاث، ولكنها في الوقت نفسه تجرّم وتحرّم التعامل مع الصدّاميّين الصُرحاء المدافعين عن جرائمه بحق الشعب طوال فترة حكم النظام السابق، على ألا يجري تعميم هذا التحريم والتجريم على عموم البعثيين.
هذا الخيار هو الأقرب إلى التوجهات الشعبية المناهضة للاحتلال والطائفية، والتي شوَّشها تلكّؤ المالكي من جهة والشعارات العلمانية البراقة لعلاوي من جهة أخرى. فجاءت نتائج الانتخابات بهذا الشكل المشوّش، وليس بأي شكل آخر. إنه خيار ممنوع أميركيّاً كما قلنا، ولكن أميركا ليست اللاعب الوحيد في العراق، فثمّة شعب العراق أيضاً.
* كاتب عراقي