وائل عبد الفتاح

إنها الأيام الأخيرة. هذا ما قالته صورة الرئيس مبارك وهو يهبط من طائرة العودة إلى شرم الشيخ. لم يفلح السلّم الكهربائي في إخفاء علامات التعب المذهلة. وعلى العكس بدت «الدولة» عجوزاً في استقبال رئيس يسعى إلى النقاهة. بالضبط كما كانت القمة العربية علامة على شيخوخة لا ينكرها أحد. لكن انعقادها يُعدّ أملاً وحيداً للبقاء. كان هبوط طائرة مبارك «عودة الروح»، كما كتب منافق، لكنه أصاب جزءاً من الحقيقة القاسية.
هل تتحمل الدول العربية عدم انعقاد القمة؟ وهل تقدر مصر على غياب مبارك؟ سؤالان لهما إجابتان لكنهما مخيفتان. هكذا أصبحت القمة طقساً يريده القذافي كل ٦ أشهر والرئاسة رهن بعودة «الديكتاتور العادل»، كما وصف نائب برلماني الرئيس مبارك في سياق التأكيد على استحقاقه مد التفويض بعقد اتفاقيات سلاح حتى سنة ٢٠١٣ (رغم أن ولايته تنتهي في ٢٠١١).
الرئيس والقمة تحوّلا إلى «ميتافيزيقا» سياسية، وحفلاً استعراضياً لخطباء يلهبون بحناجرهم شعوباً مذبوحة تنتشي ساعة وتنام العمر كله.
الغرام بالخطابة يستكمل مشهد «انتظار البرابرة» لتتحول القدس إلى عاصمة لإسرائيل، بينما ينتظر العرب أن يَفرغ أوباما من فرحة انتصاره بنجاح مشروع التأمين الصحي ليوقف الاستيطان. وتبحث «حماس» عن فرصة «قانونية» لتفريغ خزانة بنك فلسطين من ٨٠٠ ألف دولار. هذا بينما تلوح في الأفق اتهامات لحزب الله وسوريا بالمشاركة في اغتيال الحريري.
المشهد متحرك من الخارج. ليثبت الداخل على إيقاعات تتحول فيها الدول إلى ملاعب الأمم. السياسة تتعطل تعطّلاً لافتاً وتدخل متاحف يحرسها العواجيز، بينما تروّج السياحة وكل اقتصاد «الفرجة» على بلاد خارج التاريخ.
التاريخ الآن تكتبه رأسمالية مملّة، لم يعد لديها ما تقدمه سوى تثبيت المشاهد والبحث عن منتجعات بدائية في أرض الحروب القديمة. لم يعد لديها الكثير لتشحن به أسواقها. وهذا سر ابتسامة بيرلوسكوني الساذجة في سرت وهو يشارك «الشيخوخة العربية» طقسها السنوي.
بيرلوسكوني رمز انحطاط اليمين في أوروبا يُحتفى به في قمة تبحث عن حل لـ«المقاومة». ومبارك المدعوم من إدارات أميركا في ٢٩ سنة لم يجد أشد متعصبيه إلا التحذير من أن منع مد تفويض صفقات السلاح هو طلب خفي بكشف سرية الصفقات للاستخبارات المركزية والموساد؟
الخطابة والشيخوخة والتحالف مع يمين العالم. خلطة الحكم العربي بامتياز. واللعب على «وطنية» تدار بالحناجر الملتهبة فقط، ولا تتجاوز قاعاتها الساخنة. هكذا يبدو الطقس مسلياً عندما تشهد رئيساً يسير بصعوبة وسط حاشية نظامه المقبل على مفترق طرق. وعندما تشاهد الحكام العرب يلهون بجوار خيمة العقيد بكلام لا ينتهي أبداً عند مصالحات وتحالفات، بل مواقف لا تعبر مع صنّاعها بوابة المطار.
مبارك الحل الوحيد مثل القمة. والبشير أيضاً في السودان. كلهم إجابة واحدة عن واقع مليء بالأسئلة. «ليس لدينا غيره». فراغ مشحون برغبات لا تنتقل أبداً إلى مرحلة المشاريع، ومراوحات وتبديل في مواقع الكراسي الموسيقية لا ينتصر معها أحد.
الجميع سعيد بهزيمته. وينتظر جولات المبعوث الأميركي. وضغوط أوروبا وابتسامات قادتها اللعوب. وخطب أندية الحماس من «الأردوغانية» إلى «التشافيزية».
إنها استعارات لعروبة أصبحت مثل الأسماء العائلية: ماضٍ لا يستطيع صناعة مستقبله.
ما الذي اتفق عليه الزعماء في القمة؟ وما الذي يعد به مبارك أو البشير؟ لا شيء سوى بهارات ما يسبق القمة، قلق الغياب في المرض أو المحكمة الدولية. المجتمعات لم تعد تطلب إلا «تحسين المعيشة».
٣ آلاف مصري تجمهروا أمس أمام مجلس الشعب لتقديم مطلب «تحسين المعيشة»؟ لكن إلى من يوجّهونه؟ إلى حكومة تعطلت بغياب رئيسها؟ أم إلى رئيس في النقاهة؟ فقط تحسين المعيشة، هذا هو مطلب «جماهير» يشحذ الزعماء ومعارضوهم كل سنة أدوات الخطابة لإسعادها.
لم تعد الخطب كافية، ولا الشعور المازوخي بالاضطهاد يكفي. الفراغ صنع نفسية جديدة لسكان هذه المنطقة من العالم.
لماذا تستمر فلسطين قضية تخرج من متاهة إلى أُخرى بينما تُحلّ معظم القضايا الأقل وضوحاً والأكثر تعقيداً؟ ولماذا يتحول العراق إلى«دمية إقليمية»، بعدما كان قوة يُعمل لها حساب في ترتيب الإقليم؟
هل هي لعنة الاحتفاظ بالطقوس الميتة؟ أم أنها ترتيبات عالمية لتكون المنطقة «ملعباً دوليّاً» يديره عجائز لمصلحة قوى دولية ورهن إشاراتها؟
ترحل القضايا الراهنة وتسخن الأوضاع بقضايا لها طابع المواجهات مثل محكمة الحريري، بينما «انتظار البرابرة» يسيطر على مشاعر ملايين مزقت الشيخوخة أرواحهم، وترسل رسائل إنقاذ إلى الجارين المتعملقين: تركيا وإيران.