strong>مصطفى بسيوني *

عاصفة النضال العمالي في مصر تأبى الهدوء. فمنذ مطلع شباط/ فبراير الماضي، تناوب عمال شركات طنطا للكتان وأمونسيتو للغزل وسالمكو وعمال مركز المعلومات، على الاعتصام في قلب العاصمة وأمام أهم مؤسسات صنع القرار بلا انقطاع. في الوقت ذاته، شهدت مصر احتجاجات لعمال ورش السكة الحديد وشركة الغاز وشركات القطاع الخاص في المدن الصناعية الجديدة. هذه الاحتجاجات ليست سوى امتداد للصعود في الحركة العمالية التي انطلقت منذ نهاية عام 2006. فقد ناضل عمال مصر على مدى السنوات الثلاث الماضية بلا انقطاع من أجل تحسين ظروف العمل والأجور. ولكن هذا النضال اتّسم بطابعه المجزأ، سواء من ناحية المطالب التي رفعها العمال في إضراباتهم والتي انصبّت طوال الوقت على المطالب الجزئية، وخاصة تلك المتعلقة بالأجر المتغير مثل الحوافز والبدلات وغيرها، أو من زاوية التحركات المتفرقة، حيث كل منشأة أو شركة يحتج عمالها على حدة، حتى لو كانت مطالب عمال مجموعة من الشركات أو قطاع صناعي متشابهة، مثل مطالب عمال شركات الغزل والنسيج أو الشركات التي خُصخصت.
رغم ذلك، وإلى جانب المكاسب الجزئية التي حققها العمال المصريون عبر إضراباتهم الجزئية، أثمر النضال العمالي في تلك الفترة نتائج أبعد من تلك المطالب المباشرة. وأولى تلك النتائج بالتأكيد هو انتزاع العمال حق الإضراب عبر الممارسة الفعلية، وهو الحق الذي ظل طوال الوقت إما محظوراً أو مقيداً لدرجة تجعله مستحيلاً. كما أجبرت الحركة العمالية الدولة على التباطؤ في الإجراءات التي كان مقرراً اتخاذها ضمن حزمة سياسات السوق، مثل إصدار قانون الوظيفة العامة الجديد الذي يقضي على الاستقرار في العمل للعاملين بالدولة وقانوني التأمين الاجتماعي والتأمين الصحي. وربما كان وقوف رئيس الجمهورية بنفسه في احتفال عيد العمال وإعلانه العلاوة الاجتماعية بنسبة 30% في عام 2008 أهم إشارة إلى اكتراث الدولة بالحركة العمالية.
وإذا كان انتقال الحركة العمالية من المطالب الجزئية للمطالب العامة لم يتحقق بعد، إلا أن هناك إشارتين غاية في الأهمية يمكن من خلالهما النظر لمستقبل الحركة العمالية، وربما لمستقبل مصر. الأولى هي الاتجاه الذي ظهر بين العمال لبناء تنظيم نقابي خارج التنظيم الرسمي الموالي للحكومة، والذي وصل لأعلى صوره حتى الآن في نجاح موظفي الضرائب العقارية في تأسيس أول نقابة مستقلة. والإشارة الثانية هي تزايد الحديث في أوساط الحركة العمالية والمهتمين بها عن مسألة الحد الأدنى للأجور. وإذا كان الاتجاه لانتزاع الحق في التنظيم يرتقي بالحركة العمالية ويجعلها أكثر تنظيماً ووعياً، فإن ظهور مطلب الحد الأدنى للأجور ينتقل بالحركة العمالية من المطالب المصنعية للمطالب الطبقية التي توحّد الطبقة العاملة في مواجهة خصومها.
يبدو مطلب رفع الحد الأدنى للأجور ضخماً للوهلة الأولى، وخاصة عندما نعلم أن المطلب العمالي يدور حول 1200 جنيه شهرياً حداً أدنى للأجور. وإذا عرفنا أن الحد الأدنى المعمول به وفقاً لقرار وزير المالية 554 لسنة 2007 هو 112 جنيهاً شهرياً حتى نهاية السنة المالية الحالية (أقل من 20 دولاراً)، أي إن الحد الأدنى لأجر العامل في مصر تحت خط الفقر المدقع، فإن ذلك يعني أن المطلب المرفوع يتضمن مضاعفة الحد الأدنى أكثر من عشر مرات دفعة واحدة. هل يبدو ذلك واقعياً؟
نعم يبدو واقعياً جداً إذا وضعنا في الاعتبار الأساس الذي بُني عليه المطلب، وهو خط الفقر الأعلى، أي دولارين يومياً للفرد. وإذ تمثل نسبة الإعالة في مصر 1 إلى 3، أي إن الأجر يعيش عليه أربعة أفراد، فإن الحد الأدنى للأجور الذي يبقي العامل وأسرته على خط الفقر لا ينبغي أن يكون أقل من 240 دولاراً شهرياً، أي أكثر من 1200 جنيه. أليس في ذلك بعض الواقعية؟ وإذا عرفنا أن نسبة الزيادة التراكمية في أسعار الغذاء في الفترة الممتدة من كانون الثاني/ يناير 2007 حتى شباط/ فبراير 2010 أكثر من 65% حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن أبسط مبادئ الواقعية أن تزيد الأجور بالنسبة نفسها فقط لتثبيت قيمتها لا لرفعها.
إن أوضاع الأجور في مصر تحمل أكثر من مفارقة، وأهمها ليس فقط الانخفاض غير المنطقي في أجور القطاعات الأوسع من العمال والموظفين، ولكن أيضاً التفاوت الشاسع بين أجور الصفوة والقواعد الذي اعترف به تقرير مجلس أمناء الاستثمار حين قرر أن 10% فقط من الحاصلين على عمل يتمتعون بمستويات أجور لائقة في القطاعات الحديثة، والباقي في القطاع غير المنظم والمنخفض الإنتاجية والأجر. تبدو الصورة أوضح إذا علمنا أن التحقيقات مع وكيل سابق لوزارة الزراعة أظهرت أنه كان يحصل على 250 ألف جنيه شهرياً كأجر مشروع وقانوني، ورئيس إحدى الصحف القومية الكبرى كان يحصل على ما يزيد على مليوني جنيه شهرياً، بينما مدير الإعلانات كان يحصل على أكثر من 200 ألف جنيه وسبعة ملايين جنيه توزع كأرباح سنوية على خمسة أشخاص فقط هم أعضاء مجلس إدارة شركة أدوية مملوكة للدولة. هذا التفاوت الرهيب بين المستويات الدنيا والعليا يجعل إمكانية رفع الأجور واقعية جداً.
وبنظرة سريعة على أجور أكبر قطاع عمالي في مصر، وهو قطاع العاملين بالدولة البالغ ستة ملايين عامل وموظف، سنكتشف عمق مفارقة الأجور في مصر. فحسب الموازنة العامة للدولة، يخصص لبند الأجور حوالى 86 مليار جنيه في السنة المالية 2009ــــ2010، أي إن متوسط أجر العامل في الحكومة يوازي 1200 جنيه شهرياً. هذا المتوسط يجمع بين القمة والقاع. ويتضح الفارق عندما نعرف نسبة الأجر الأساسي إلى الأجر المتغير، إذ يبلغ الأجر الأساسي بالكاد خمس الأجر الشامل، أي إن متوسط الأجر الأساسي لستة ملايين عامل هو حوالى 240 جنيهاً شهرياً. ومن هنا يتضخم الفارق، إذ يصل الأجر المتغير مثلاً لقطاع واسع من العاملين إلى 75% من الأجر الأساسي، بينما يصل لقطاعات أخرى إلى أكثر من عشرة أضعاف الأجر الأساسي. وبالنسبة للوظائف العليا، فإن أبواباً أخرى للدخل تتكفل بخلق الأرقام الفلكية التي ذكرت سابقاً.
هناك أمر آخر يجعل مطلب رفع الحد الأدنى للأجور غير واقعي وحسب، بل قانونياً أيضاً. فقانون العمل الصادر في عام 2003 ينص على تأليف مجلس قومي للأجور يختص بتقرير الحد الأدنى للأجور ورفعه ليواكب تكاليف المعيشة، وهو ما لم يحصل على مدار سبع سنوات. والغريب أن القانون تضمّن الكثير من المواد التي تتيح فصل العمال وإغلاق المنشآت وزيادة ساعات العمل لتصل إلى57 ساعة أسبوعياً حسب إحصاءات الحكومة، وتقييد حق الإضراب. وهذه كلها نُفّذت بمنتهى القسوة.


الحد الأدنى المعمول به هو 112 جنيهاً شهرياً (أقل من 20 دولاراً)، وهو ما دون خط الفقر المدقع

لقد استطاعت الحركة العمالية فرض وجودها على مدار السنوات الثلاث السابقة. وكلما بدا أنها تتجه للخفوت، كانت تنهض أقوى مما سبق لتفرض مطالبها وتنتزعها. وانتشار الإضرابات العمالية على النحو الذي شهدته مصر في الأعوام السابقة، والتشابه بين مطالب العمال في القطاعات والمناطق المختلفة، يدفعانها دفعاً لتوحيد مطالبها وصفوفها في مطلب موحّد للطبقة العاملة، لا يغفل بالطبع المطالب الخاصة لمختلف الفئات والقطاعات العمالية. وربما يرى الكثيرون أن رفع الحد الأدنى للأجور على المستوى القومي لا يزال مطلباً بعيداً. ولكن عندما بدأ الحديث عن تأسيس نقابة مستقلة للضرائب العقارية، رأى الكثيرون في الأمر أملاً بعيداً، وعندما تحقق قال العمال إنها فقط النقابة الأولى والباقي على الطريق.
أخيراً، يجب الإشارة إلى أنه بمجرد إعلان بعض التجمعات العمالية تنظيم تظاهرة عمالية ضخمة أمام مجلس الوزراء في الثالث من نيسان/ أبريل 2010 للمطالبة برفع الحد الأدنى للأجور إلى 1200 جنيه، خرج رئيس اتحاد العمال التابع للحكومة ليعلن أنه سيتفاوض على رفع الحد الأدنى للأجور إلى 900 جنيه. لهذه الدرجة يثق خصوم الحركة العمالية بها.
* صحافي مصري