strong>ياسين تملالي*

في مطلع هذه العشرية، وعقب نشر شهادات جديدة لضحايا التعذيب من مناضلي الثورة الجزائرية، اندلع في فرنسا نقاش حام عن ضرورة الاعتراف الرسمي بمجازر الاحتلال الفرنسي للجزائر. وما لبث هذا النقاش أن تحوّل إلى جدل مستعر بين قدامى مساندي الحركة الوطنية الجزائرية وخصومهم في اليمين وأقصى اليمين، بين المؤمنين بشرعية لجوء هذه الحركة إلى السلاح والداعين إلى مراجعة تاريخ الاستعمار على ضوء إخفاقات النظام الجزائري وما توّجها من حرب أهلية طاحنة. وكان ذلك دليلاً ساطعاً على أن الزمن لم يمحُ من الذاكرة الفرنسية شبح «الأقدام السوداء» (أي أوروبيي الجزائر المستعمَرة) ولم يمحُ من ذاكرة هؤلاء صورة ما يعدونه وطنهم «السليب» لا وطن الجزائريين المغتصب في 1830.
وبلغت رغبة بعض النخب اليسارية في تخفيف وطأة الوحشية الاستعمارية على «ضمير» الجمهورية الفرنسية حد مطالبة الإليزيه بالاعتذار للشعوب المستعمَرة عما عاشته من مآس لا تزال تجتر آثارها إلى اليوم. ولم يقنع رفعُ هذا المطلب الجنرالات الجلادين بإعلان ندمهم على جرائمهم، ناهيك عن طلب الصفح عنها من ضحاياهم. عكس ذلك، زادهم الاهتمام الإعلامي بهم فخراً بما اقترفت أياديهم. وكان مثال هذا الفخر المقيت كتاباً عنوانه «الأجهزة الخاصة: الجزائر من 1955ــــ1957» (Services spéciaux : Algérie 1955ـــــ1957) زها فيه صاحبه، السيئ الذكر بول أوساريس، بأنه هو شخصياً من أعدم أحد قادة الثورة الجزائرية، عربي بن مهيدي، في زنزانته في آذار/ مارس 1957، ما كان أول اعتراف بأن الرواية الرسمية عن وفاة هذا المناضل منتحراً هي محض هراء.
واستغل غلاة «أوروبيي الجزائر» المرحّلين عنها في 1962 تزامن طفو هذا «الماضي غير الجمهوري» على سطح الذاكرة الفرنسية مع تجدد الجدل حول مكانة أحفاد «الأنديجان» في المجتمع الفرنسي (انتفاضة الضواحي الباريسية في خريف 2005)، فضاعفوا الضغوط على اليمين الحاكم لإقناعه بتصليب موقفه في هذا النقاش إذا ما أراد الفوز بأصواتهم في الانتخابات. وكعادته منذ ازدياد الوزن الانتخابي للجبهة الوطنية بقيادة جان ــــ ماري لوبان، لم يقاوم اليمين هذه الضغوط طويلاً. تزاوجت لديه الرغبة في كسب أصوات «المرحّلين» وأبنائهم باستعادة شوفينية لـ«عظمة» فرنسا وأفضالها الجمة على المستعمرات، ما كان نتاجه قانون 23 شباط/ فبراير 2005 الذي خلّد مساعي المستعمرين «التحضيرية» وراء البحار.
وبرهن التصويت على هذا القانون أن ميزان القوى في إحدى أعرق الديموقراطيات الغربية يميل ميلاً واضحاً إلى اليمين، وأن رفع مطلب «الاعتذار عن جرائم الاستعمار»، في سياق تجدد الخطابات التي تصوّر السود والمغاربيين على أنهم سبب الأزمة الاقتصادية والانفلات الأمني المزعوم، كانت له نتائج عكسية: تدعيم صفوف أقصى اليمين وزيادة رغبة اليمين، لأسباب انتخابية، في تبني مطالبه العنصرية.
كان ممكناً، بطبيعة الحال، أن يبقى هذا الجدل «فرنسياً ــــ فرنسياً»، لكنه تحوّل بسرعة إلى أحد مواضيع النقاش السياسي الجزائري. أدلت الصحف بدلوها فيه وفتحت صفحاتها لشهادات ضحايا التعذيب إبان الفترة الاستعمارية ولتحليلات المحللين لما أثاره مطلب «اعتذار فرنسا عن جرائم الاستعمار» من تنافس انتخابي فج بين اليمين وأقصى اليمين.
وشكك الكثير من مناضلي الثورة الجزائرية في وجاهة مطلب الاعتذار هذا (ما حاجة المنتصر إلى سماع توبة المهزوم عن جرائمه؟)، غير أن النظام (من خلال الدوائر غير الرسمية ثم، مباشرة، من خلال بعض ممثليه) سرعان ما حوّل هذا المطلب إلى محور من محاور التعبئة الشعبية عن سياسته، ما تجلى بخاصة إبان حملات الرئيس بوتفليقة الانتخابية في 2004. وبعدما كان «اعتذار فرنسا» مطلباً يسارياً فرنسياً، أصبح بقدرة قادر أحد مطالب الدولة الجزائرية، صاغه رئيس الجمهورية شخصياً في خطاب ألقاه في 20 أيلول/ سبتمبر 2005 وتطرق إليه مرات عديدة عبد العزيز بلخادم، أحد أقرب المقربين إليه.
ولم يثمر تبني هذا المطلب جزائرياً أي تنازل من الإليزيه. فبالرغم من الانتقادات الداخلية والخارجية، تمسك اليمين الفرنسي بقانون 23 شباط/ فبراير 2005، لأن كل تراجع عنه كان يهدد بضرب قواعده وتحوّل قسم منها إلى الجبهة الوطنية. وإرضاءً لـ«الأصدقاء الجزائريين»، اكتفى نيكولا ساركوزي خلال زيارة له للجزائر في كانون الأول/ ديسمبر 2007 بالقول إن «النظام الاستعماري كان بالغ الجور»، ولم يردف هذا الكلام الغائم بما يشبه ولو شبهاً بعيداً الندمَ أو طلب الصفح.
وكشف تبني مطلب «اعتذار فرنسا» في الجزائر عن شيئين اثنين، أولهما صعوبة تأصيله لدى شعب عانى تبعات «الشرعية الثورية» قمعاً وفقراً وتهميشاً، وثانيهما تذبذب التموقع الرسمي حياله لأسباب عديدة، أهمها أنه لا يحظى بإجماع أجنحة النظام التي يرفض بعضها إقحام «ذاكرة الثورة» في العلاقات الجزائرية الفرنسية، ويعتبر أن الاقتصاد يجب أن يظل عصب هذه العلاقات الوحيد.
فشل النظام الجزائري في إقناع السلطات الفرنسية بإجهاض التصويت على قانون 23 شباط/ فبراير 2005، وفشل في أن ينتزع منها كلمة واحدة تشبه الاعتذار، لكن هذين الإخفاقين لم يمنعا معارضى عقيدة «الطابع الأولوي للعلاقات الجزائرية الفرنسية» من أن يقترحوا، مطلع 2010، نص «قانون يجرّم الاستعمار»، وقّع عليه 120 نائباً ينتمون إلى الحزبين الحكوميين، جبهة التحرير والتجمع الوطني الديموقراطي، وإلى حزب «معارض» ولد من رحمهما، هو الجبهة الوطنية الجزائرية. وأُطلقت هذه المبادرة في مرحلة تعرف فيها العلاقات الجزائرية الفرنسية فتوراً كبيراً أدى إلى تأجيل قدوم وزراء فرنسيين عديدين إلى الجزائر، فضلاً عن إلغاء زيارة مقررة للرئيس بوتفليقة إلى باريس، وبدا واضحاً أن السلطات الجزائرية شجعتها سراً وإن سعت إلى تشذيب مشروع القانون المذكور بما يجعله أقل راديكالية.


بعض من يدعون صادقين إلى «تجريم الاستعمار» بنص القانون هم أداة في أيدي دوائر رسمية

هل سيتحول هذا النص يوماً إلى قانون ساري المفعول؟ لنا أن نشك في ذلك ونحن نسمع رئيس المجلس الشعبي الوطني (غرفة البرلمان الأولى)، عبد العزيز زياري، يصرّح أخيراً أن «سحبه ليس مستبعداً». وقد كشف تصريحه عن أن أصحاب هذه المبادرة لم يأخذوا في الاعتبار استحالة دعم أصحاب القرار لها لسبب واضح هو ارتباط جزء منهم بدوائر باريسية، سياسية واقتصادية، بالغة التأثير.
أما ما برهن عليه كلام عبد العزيز زياري أبلغ برهان، فتحولُ استرجاع ذاكرة الحقبة الاستعمارية إلى وسيلة ضغط على فرنسا لتليين موقفها في مسائل كمصير الصحراء الغربية والحضور العسكري والاستخباراتي الأجنبي في دول ساحل الصحراء المتاخمة لحدود الجزائر الجنوبية. من هذا المنطلق، ليس من المبالغة القول إن بعض من يدعون صادقين إلى «تجريم الاستعمار» بنص القانون هم أداة في أيدي دوائر رسمية وغير رسمية تفاوض فرنسا على ملفات جيوسياسية لا علاقة لها مطلقاً بالتاريخ.
ماذا نالت الجزائر من انخراطها في هذا الجدل عن ماضي فرنسا الاستعماري؟ لم تنل شيئاً. أضافت إلى قائمة إخفاقاتها السياسية والدبلوماسية إخفاقاً جديداً عمّق اقتناع الجزائريين بأن حكامهم عاجزون عن الفوز في معركة رمزية لهم فيها كل الأفضلية المعنوية. فما بالك بالانتصار على «الغريم الفرنسي» في معترك السياسة والاقتصاد؟
* صحافي جزائري