ألبر داغر


1. تعريف الأزمات المالية

الأزمات المالية متعددة الأشكال. الأهم بينها ثلاث: 1) أزمات سعر صرف العملة، 2) الأزمات المصرفية، 3) أزمات بورصات الأسهم. وهي التي تكرر حصولها خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات المنصرمين وخلال العقد الحالي.
اصطلح على تسمية الأزمات المالية التي حصلت في أميركا اللاتينية خلال الثمانينيات الأزمات التوأم (crises jumelles)، حيث كان يحصل انهيار في سعر صرف العملة المحلية، يتخذ شكلاً حاداً ومتمادياً، ويؤدي في النهاية إلى انهيار المصارف في البلد المعني. أي إن الأزمة التوأم هي أزمة سعر صرف للعملة (crise de change) وأزمة مصرفية (crise bancaire)، كانت تقف وراءها أزمات مديونية خارجية (External Debt Crisis)، أي تراكم ديون خارجية يعجز البلد المعني عن سدادها، أو سداد الفوائد المترتبة عليها.
وعرفت التسعينيات النوع ذاته من الأزمات في البلدان النامية. لم يحصل ذلك بسبب تراجع حجم التدفقات المالية الخارجية الذي يجعل البلدان المعنية عاجزة عن إيجاد موارد كافية تواجه بها المديونية الخارجية كما كان الأمر في الثمانينيات. كان السبب هو أنها اضطرت لاستيعاب كمّ هائل من التدفقات المالية الخارجية لم تكن مهيأة لحسن استخدامها. وأدى تحرير حركة الرساميل الذي تميزت به حقبة التسعينيات إلى تسهيل دخول هذه الرساميل وخروجها. وكان يكفي أن يتعرض البلد المعنيّ لحملة شائعات تطاله، وأن يفقد المستثمرون الدوليون ثقتهم به، لكي تنشب أزمة ثقة تتمثل بخروج سريع وكارثي للرساميل منه. وكان هذا الخروج يتخذ شكل تحويل للعملة الوطنية إلى عملات أجنبية ونقل للودائع إلى المصارف الأجنبية (بالما، 2002 ). وفي العديد من الحالات، كما في كوريا الجنوبية عام 1997، كانت المديونية الخارجية وعجز المصرف المركزي عن التدخل (شانغ و يو، 2002) لمواجهة تداعيات أزمة ثقة المستثمرين الأجانب، سبب نشوب الأزمة المالية.
أما الأزمات المالية التي عرفها العقد الحالي، فقد حصلت في البلدان الصناعية. ولم يكن ميدانها كل مرة سوق القطع، بل سوق الأسهم والسندات. أي إن البلدان الصناعية بقيت مستثناة من الأزمات المالية خلال عقد التسعينيات، ما عدا اليابان، التي عرفت أزمة انهيار لأسعار الأسهم، تكررت ثلاث مرات خلال ذلك العقد. ثم جاء دور الولايات المتحدة التي عرفت أول أزمة لها من هذا النوع في عام 2000، سميت أزمة فقاعة الإنترنت. وعرفت فرنسا أزمة أسعار أسهم، بدأت هي الأخرى في عام 2000. وقد اقتصر انخفاض أسعار الأسهم في الولايات المتحدة على قطاعي الاتصالات والحواسيب (بوشيه، 2004). وانطلقت الأزمة المالية العالمية الحالية من الولايات المتحدة لأنها اعتمدت نموذج نمو مستند إلى الاستهلاك (Consumption Led Growth)، وشجعت المستهلكين على شراء عقارات فوق ما تسمح بذلك مداخيلهم (سابير، 2008). أي إن الأزمة حصلت في قطاع العقارات المبنية، ونجمت عن انفجار الفقاعات التي تكونت فيه خلال الحقبة السابقة، وأدت إلى انهيار مؤسسات مالية ومصرفية كثيرة.
ما يعنينا في لبنان هو النوع الثاني من الأزمات، أو أزمات حقبة التسعينيات، حيث حرية حركة الرساميل تسمح بدخول وخروج سريعين للرساميل، يمكن أن تنجم عنهما أزمات مالية كارثية إذا لم يحسَن التعامل معهما.

2. المخاطر التي يتحملها لبنان راهناً

أ. لقد اعتُمد معدل فائدة من المصرف المركزي، أي اعتُمد تسعير إداري لسعر الفائدة، اجتذب 20 مليار دولار إلى القطاع المصرفي في لبنان خلال عام 2009 وحده. وأصبح مجموع الودائع في هذا القطاع يساوي 97 مليار دولار. ووضعت كثرة الودائع المصارف في مأزق. وتطوع المصرف المركزي لتعقيم (stérilisation) هذه الرساميل، أي منع استخدامها في الداخل، باقتراضها من المصارف التجارية على شكل سندات إيداع. وتطوعت وزارة المال لتحمل حصتها من المشكلة التي خلقتها ودائع المصارف باقتراض ما يفيض عن حاجتها لتمويل عجز الموازنة.

أعطت الأزمة المالية في آسيا حافزاً لبلدان العالم الثالث لابتداع سبل تقيها التدفقات المالية الخارجية
وإذا أضفنا الفوائد المترتبة على المصرف المركزي لهذه الغاية، إلى الفوائد المترتبة على وزارة المال في هذا الإطار، البالغة 600 مليار ل.ل.، تكون كلفة تعقيم التدفقات المالية الخارجية المفتعلة قد بلغت خلال عام 2009 2432 مليار ل.ل.، أو ما يتجاوز 1.6 مليار دولار، استفادت منها المصارف التجارية. وتدفع الدولة سنوياً 4 مليارات دولار فوائد على الدين العام. وأُضيفت إلى الـ4 مليارات هذه، الكلفة الإضافية التي تحملتها الدولة لحل مشكلة الودائع الفائضة لدى القطاع المصرفي. وأشار المراقبون إلى أن إصرار الدولة على رفع الضريبة على القيمة المضافة من 10 في المئة إلى 15 في المئة لزيادة مواردها، كان مماثلاً لإصرارها على تكبّد الأعباء المشار إليها لضمان ربحية المصارف.
ومع ودائع تمثل ما يوازي 350 في المئة من الناتج الوطني، وتمنّع المصارف عن تمويل النشاطات الإنتاجية، وتحول هذا القطاع إلى قطاع طفيلي، يُقتطع من مداخيل اللبنانيين حصص متزايدة لتوفير أفضل معدلات الربحية له، لا يعود لهذا القطاع أي دور إيجابي في رفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد الوطني. بل يصبح دوره أكثر وضوحاً لجهة تعميق الطابع غير المنتج للاقتصاد اللبناني وتهجير اللبنانيين من بلدهم. وقد أكدت تداعيات الأزمة المالية العالمية الراهنة مرة أخرى خاصية القطاع المصرفي اللبناني هذه.
ويؤدي هذا القطاع مهمات محدودة تتناول توفير خدمة مصرفية جيدة نسبياً للمستهلك، والدفع في اتجاه توفير قدرة استهلاكية أكبر للمستهلك اللبناني، من خلال القروض الاستهلاكية التي يوفرها، وذلك جرياً على الموضة التي كانت وراء نشوب الأزمة المالية في أميركا والعالم، والتي تمثلت باعتماد نموذج نمو بواسطة الاستهلاك.
ب. إن عملية التعقيم التي يقوم بها المصرف المركزي مشابهة في بعض وجوهها لما عرفته بلدان أميركا اللاتينية، وخصوصاً البرازيل قبل أن تضربها الأزمة المالية عام 1999، وذلك لجهة اعتماد سياسة تعقيم للتدفقات المالية الخارجية الشديدة الكلفة. وقد تحملت الدولة البرازيلية كلفة عالية لجهة الفوائد التي كانت تسددها، زادت عجز الموازنة بدرجة كبيرة. وأدى سعر الفائدة المرتفع إلى الحد من القدرة على الاستثمار، وضرب إمكان توسيع القدرة الإنتاجية للاقتصاد الوطني، وبالتالي، خفض المداخيل الضريبية التي كان يمكن أن تحصّلها الدولة من الاقتصاد. ولم يحم تشدد الدولة البرازيلية في تعقيم الرساميل هذا البلد من الأزمة، وذلك بسبب تراجع الإنتاج وتراجع ثقة الممولين الأجانب والانسحاب الفوري للرساميل الأجنبية. وأدى ذلك إلى أزمة مالية تجسدت بانهيار سعر صرف العملة. ونجم عن ذلك انهيار المصارف.

3. مقترحات لمنع نشوب الأزمة المالية

يمكن استطراداً القول إن لبنان بات معرضاً أكثر من أي وقت مضى لنشوب أزمة مالية فيه، تنجم عن انسحاب سريع للودائع من مصارفه، وذلك من خلال عملية تحويل كثيفة ومفاجئة للودائع بالليرة إلى الدولار وإلى الخارج. من شأن ذلك أن يخلق طلباً كثيفاً على الدولار ينجم عنه ارتفاع لسعره، يتخطى السعر الثابت الذي يساوي 1500 ل.ل./د.، المعتمد منذ النصف الأول من التسعينيات. وينجم عن ذلك انهيار فظيع للقدرة الشرائية للمداخيل اللبنانية بالليرة، أي ما كان يحصل خلال حقبة 1984ـــــ1992 السوداء.
الكابح الأول أمام هذا السيناريو الكارثي هو احتواء المصرف المركزي على احتياطي كبير من العملات الأجنبية، يكون دوره الأول والأساسي توفير ما يجعل هذا المصرف قادراً على التصدي لأي عملية تحويل سريعة وواسعة النطاق للودائع إلى الدولار وإلى الخارج. أي من شأن كتلة المناورة هذه، أن تتيح للمصرف المركزي منع تحرك سعر الدولار أو سعر الصرف الاسمي للعملة اللبنانية.
والكابح الثاني والأهم، هو وعي النخب والمواطنين اللبنانيين أن لا شيء يبرر حصول هذا النوع من السيناريوات الكارثية، وأن بالإمكان التصدي لذلك، وأن المصلحة الوطنية تقتضي التصدي لتطورات من هذا النوع، وإن اقتضى الأمر الخروج من الإطار التشريعي القائم حتى الآن. وهو إطار يحد من حرية حركة المصرف المركزي في مواجهة عمليات المضاربة، أي عمليات الشراء الكثيف للعملات الأجنبية. أي لا تعود النصوص التي تحكم حركة المصرف المركزي ونشاطه، وتضع إطاراً لنشاط سوق القطع، مقدسة لا يجوز تعديلها أو نسفها، إذا كانت كلفة إبقائها خراب لبنان وتهجير أهله. فالناس هم الذين ينبغي أن يبقوا في لبنان، وهم أهم من التشريعات التي تحكم نشاط المصارف.
وقد أعطت الأزمة المالية الكبرى التي عرفتها البلدان الآسيوية، أي كوريا وماليزيا وتايلندا وإندونيسيا، حافزاً كبيراً لمختلف بلدان العالم الثالث لابتداع سبل تقيها التدفقات المالية الخارجية وسرعة حركة هذه الرساميل. وأول الدروس المستخلصة من التجربة الكورية أن على المصرف المركزي أن يحتفظ بأكبر كتلة مناورة ممكنة من العملات الأجنبية للتصدي بها للمضاربين. وقد كانت سياسة حافة الهاوية التي مارسها المصرف المركزي الكوري، بالبقاء بدون احتياطي جدي بالعملات الصعبة، السبب الرئيسي لاندلاع الأزمة.
واستفادت البلدان النامية من دروس الأزمة الآسيوية وأزمات التسعينيات عموماً، لإيجاد طرق جديدة لمراقبة حركة الرساميل، والامتناع عن استقبال توظيفات الحقيبة المالية (portfolio investment)، وهي الأكثر خطورة بين أنواع الاستثمار الأجنبي لأنها الأكثر سرعة في الحركة والانتقال، واعتماد عوائق تبطئ عملية تحويل الودائع من عملة إلى أخرى. وكل هذه الأمور مستوحاة من المقاربة الما بعد ـــــ كينزية (post-keynesian) في هذا الميدان (غرابل، 2003). وقد أثبتت هذه الأخيرة أنها الأكثر جدوى والأكثر فعالية في الاحتراز من الأزمات المالية، مقارنة بالطرق النيو ـــــ كلاسيكية التقليدية.

خاتمة

يمكن أخيراً، على سبيل الأمانة العلمية، القول إن المصرف المركزي في لبنان نجح خلال حقبة ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في إبطاء حركة تحويل الودائع إلى عملات أجنبية والخروج بها من لبنان. واستفاد آنذاك من دعم دولي لمغالبة الظرف الذي نجم عن الاغتيال. يمكن أيضاً القول إن تجربة بلدان العالم المختلفة أتاحت بلورة معايير علمية دقيقة يمكن بواسطتها تقويم تجربة البنك المركزي في التصدي لمخاطر الأزمة المالية، والحكم على مهنية القائمين عليه في هذا المجال وفعاليتهم.
* أستاذ جامعي


المراجع
ـ محمد زبيب، «لماذا زيادة الضرائب ؟»، الأخبار، 23 شباط 2010.
ـ محمد زبيب، «11700 مليار ليرة ودائع الحكومة»، الأخبار، 5 آذار 2010.
ـ محمد زبيب وحسن شقراني، «الجميع رهائن للأهداف النقدية»، الأخبار، 10 آذار 2010.
Gabriel Palma, «The “Three Routes” to Financial Crises: Chile, Mexico, and Argentina [1] ; Brazil [2] ; and Korea, Malaysia and Thailand [3] », in J. Eatwell, L. taylor (eds.), International Capital Markets: Systems in Transition, Oxford University Press, 2002; reprinted in Chang Ha-Joon (ed.), Rethinking Development Economics, Anthem Press, 2003, pp. 347-376.
Ha-Joon Chang, Chul-Gyue Yoo, “The Triumph of the Rentiers? The 1997 Korean Crisis in a Historical Perspective” in J.Eatwell, L.Taylor (eds.), International Capital Markets Markets: Systems in Transition, Oxford university press, 2002.
Jacques Sapir, “From Financial Crisis to Turning Point: How the US "Subprime Crisis " Turned into a Worldwide One and is to Change the Global Economy”, 12 pages, in http:// lodel.ehess.fr / cemi / document.php?id=1644.
Christophe Boucher, “ Identification et comparaison des crises boursières”, Complément F. in Robert Boyer, Mario Dehove et Dominique Plihon, Les crises financières, Rapport, Conseil d’Analyse Economique – La Documentation Française, Paris, 2004, pp.375-396.
Ilene Grabel, “International Private Capital flows and Developing Countries », in H-J Chang (ed.), Rethinking Development Economics, London : Anthem press, 2003, pp. 325-345.