محمد بنعزيز

وهي تستعد لتسلّم رئاسة الاتحاد الأوروبي، هبّت إسبانيا عن بكرة أبيها وأمها لتدافع عن حق ناشطة صحراوية منعتها السلطات المغربية من دخول مدينة العيون لأنها رفضت أن تعترف بجنسيتها المغربية يوم 13/11/2009، وقد اصطفت الأحزاب والجمعيات ووسائل الإعلام الإسبانية للدفاع عن حق السيدة أميناتو حيدر للعودة إلى المدينة التي يعيش فيها أطفالها وزوجها...
وقد كان ذلك فرصة نادرة اصطف فيها اليمين واليسار خلف الناشطة الصحراوية التي دخلت في إضراب عن الطعام في جزر الكناري، ورفضت قبول الجنسية الإسبانية. وهي تصرّفت بشجاعة وبطولة لتظهر مدى القبح الذي يعيشه المغرب كما يشتهي الإسبان.
برافو.
ولم يقتصر الدعم المطلق على النشطاء السياسيين، بل شمل حتى الفنانين، فقد رقّ قلب المخرج بيدرو ألمودوفار لما أصاب السيدة حيدر، وعبّر عن دعمه لها من شدة القمع المغربي، المغرب الذي اشترط أن تسجل المعنية المعلومات على وثائق الدخول فقط كما تفعل كل دول العالم.
دام الإضراب أكثر من شهر، وقد كان الدعم تصاعدياً، وسارعت مختلف الأطراف إلى إبراز دعمها المطلق لحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره وبناء دولته المستقلة في الصحراء وعاصمتها العيون. الصحراء التي استعمرتها إسبانيا حوالى 100 عام.
ومع اشتداد الحملة، برزت مطالب للضغط على المغرب ووقف تصدير خضره إلى أوروبا... وهنا بدأت الحكومة الإسبانية تجد أن الحملة تكاد تتجاوزها، ثم أصبحت موضوعاً للنقد لأنها لم تنتفض على الخرق الذي اقترفته السلطات المغربية في الذكرى الواحدة والستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان... لقد استغلّ الحزب الشعبي المعارض والمناهض للمغرب على قضية الإضراب عن الطعام، وقد كان زعيمه ماريانو راخاوي يخطب مهاجماً الطماطم والمهاجرين والحكومة المغربية... ويندد بضعف رئيس الوزراء ثاباتيرو وتهاونه في دعم الحق...
وقد تأسست حسابات سياسية على الأزمة ووضع كل طرف رهانه على توقعات تخصّه مسبقاً...
حين اشتدت الأزمة، كثرت الوساطات. وخلافاً لما بُني من توقعات انطلاقاً من ملاحظة تشدّد الحكومة المغربية وهيجان إسبانيا، سُمح فجأة للانفصالية بالعودة إلى العيون في 18/12/2009.
فجأة تلاشى غبار السجال وجلس كل طرف يحصي الأرباح والخسائر، وقد كان الحساب عسيراً، لأن المنافسة كانت شرسة:
السيدة حيدر تقول إنها رجعت من دون شروط، والحكومة تقول إنها عادت شرط أن تقوم بإجراءات ملء الخانة الخاصة بالجنسية وتطلب من جديد جواز السفر الذي سحب منها...
الصحافة الإسبانية اتهمت حكومة مدريد بأنها بطلبها من الحكومة المغربية السماح بعودة حيدر للعيون، تكون، أي الحكومة الإسبانية، قد اعترفت بسيادة المغرب على الصحراء، فنفت الحكومة الإسبانية ذلك. في المغرب، غيّرت الصحافة لهجتها المتشددة وساندت قرار الحكومة المغربية... حزب العدالة والتنمية الإسلامي قال إن المسألة انتهت بأقل الخسائر، وطالب بـ«مراجعة المقاربة التي اتبعت في معالجة هذا الملف». بعض الأصوات في الصحافة المستقلة تساءلت عمّن يتحمّل المسؤولية في إبعاد مواطنة مغربية. آخرون رأوا أن الإبعاد ترجمة أمينة لخطاب الملك بشأن الصحراء، الذي ميّز فيه بين المغربي ومن ليس مغربياً... وهذا خطاب قوي يعتمد على أن المغرب في صحرائه، وهو يشتري الأسلحة، وقد دخل ضمن المراتب العشر الأولى لزبائن أميركا.
في العيون، خرجت مسيرة ترحب بعودة حيدر ومسيرة تنتقد عودتها، (وهذا حسب مصادري من المكان عينه)، كلّ طرف يدّعي أنه حقق مكاسب...
لقد أعادت قضية حيدر مشكلة الصحراء إلى واجهة الإعلام العالمي كمشكلة سياسية، ولكن مع كامل الأسف كمشكلة إنسانية أيضاً، وقد غطّت على قضية حوالى 130000 شخص يعيشون في مخيمات تندوف على التراب الجزائري، في منطقة صحراوية حارة قاسية... وليس لقيادة البوليساريو الثقة الكاملة بنفسها لتمنحهم جوازات السفر أو لتسمح للمنظمات الدولية بإحصائهم. المغرب يسمّيهم محتجزين والجزائر تسمّيهم لاجئين. لا يبدو أن الاستخبارات المغربية قادرة على تدبير انتفاضة هناك لتغيير الوضع، ولا على تجنيد صحراويين وحدويين للاعتصام في برج إيفل والمطالبة بالتحاق ذويهم بهم من تندوف أو القفز من البرج، وذلك لتحقيق صدى إعلامي.
بعد نهاية مشكلة حيدر، صمتت السياسة ورجعنا إلى الطماطم والبطاطا، وبدأت مطالب جمعيات الفلاحين الإسبان. غير أن الطماطم هي مجرد طماطم، لذا تلاشى الغبار وانتصبت الأسئلة الحقيقية:
كيف تحارب الحكومة الإسبانية الانفصاليين الباسك وتعارض الكاتالونيين وتؤيّد انفصاليي البوليساريو؟ كيف تُمحى الفروق بين القوميين والانفصاليين والكاثوليك المتعصّبين الإسبان حين يتعلق الأمر بالمغرب؟ كيف يحبّ المجتمع الإسباني الحرية والاستقلال إلى هذه الدرجة، ولا يسمح بفتح موضوع مدينتي مليلية وسبتة اللتين تحتلهما إسبانيا منذ 500 سنة؟ بل إن خوان كارلوس ملك إسبانيا زار المدينتين لأول مرة في حياته بترخيص من الحزب الاشتراكي الحاكم في 5/11/2007. كانت الزيارة من باب المزايدة، لأن المغرب مسألة انتخابية في إسبانيا. وإبان الأزمة، أظهرت الاستطلاعات أن شعبية الحزب الاشتراكي تتراجع لأنه لم يكن متشدداً بما فيه الكفاية ليلقّن المغرب درساً. الدرس تعلّمه ثاباتيرو الذي أبان عن تشدّد لفظي تجاه جاره الجنوبي...
لا درس هناك للمغرب، لأن وزن المصالح أعتى من الشعارات، لذا قرر الحزب الاشتراكي الحاكم أن يستغل موقعه في رئاسة الاتحاد الأوروبي ليحسّن علاقته مع المغرب، فبرمج القمة التي تعدّ الأولى من نوعها، وخاصة أن وزن المغرب الاقتصادي يتزايد، والحكومة الإسبانية محاصرة، من جهة أولى بمطالب رجال الأعمال الذين يبحثون عن الربح، في ظل أزمة اقتصادية ساحقة تتعمق لأن تراجع استغلال دول الجنوب يفقر الغرب، ومن جهة ثانية بجنون جمعيات المجتمع المدني الحاقدة على المغرب حقداً لا يمكن نظرة عقلانية وحسابات مصالح أن تفسره، وقد تفسره ترسّبات لاهوتية جرفتها قرون من الاقتتال الديني بين البلدين، بين حروب الفتح والاسترجاع والجهاد البحري، ثم الاستعمار، حيث احتلت إسبانيا شمال المغرب وجنوبه واستخدمت الغازات السامة بين 1924و1927 في حق حشود المقاوم عبد الكريم الخطابي الذي ابتكر حرب العصابات.
وكانت المقاومة المغربية قد أصابت الجنرال فرانكو في بطنه وأخصته عام 1916، ومع ذلك ربح الحرب الأهلية الإسبانية بين 1936 و1939 وحكم بيد من حديد حتى 1975، وهو لم يخلّف وريثاً، لذا جاء بخوان كارلوس إلى الحكم من منفاه في روما... يبدو أن الإسبان ورثوا هذه العقدة التي تشحذ عندهم صدام الحضارات، وهم يرون الشر كُلّه في المغرب.
في هذه الأجواء قرر ملك المغرب عن حق ألّا يحضر القمة. بعث برسالة تلاها الوزير الأول. أصيب خصوم القمة بالإحباط لأنّ الملك لم يحضر، فتبدّد أملهم بإحراجه. أصيب منظّمو القمة بالخيبة لأن الغياب كان رسالة واضحة. وهذا إشارة إلى ميزان قوى جديد، يثبت أن المغرب قادر على أن يدير ظهره لإسبانيا التي هي على حافة إفلاس مثل اليونان، وهي لن تتساهل مع الطماطم، ويمكن المغرب أن يتخلى عن وظيفة دركي جنوبي أوروبا ليجتاحها المهاجرون من دول جنوب الصحراء.
هذا التمرين الذي نجحت فيه تركيا في الشرق، حين أدارت ظهرها للغرب، فاستعادت أنقرة وزنها الجيوستراتيجي المكتسب بدل أن تتسوّل إذن ساركوزي ورضى إسرائيل لتنضم إلى الاتحاد الأوروبي.
آمل أن تكون استدارة المغرب بالأثر التركي نفسه، وخاصة أن أفريقيا واعدة، تنظّم كأس العالم، وتستقبل استثمارات صينية وهندية مذهلة. هي جارة المغرب الجنوبية التي تنعم بالنفط.
لماذا لا تكون الأزمة الاقتصادية في الغرب فرصة لنا؟
* صحافي مغربي