معمر عطوي *

يستدعي الحديث عن الاجتهاد في الدين، الاهتمام بالتعليم الديني في المدارس والحلقات التربوية والمساجد، لجعله وسيلة ناجعة تؤهّل الناشئة ليكونوا مواطنين صالحين ومنتجين. والحديث عن الدروس الدينية في هذا الإطار، ليس دعوة تبليغية إيمانية، بقدر ما هو دعوة إلى الاستفادة من المحاور الإيجابية الأخلاقية في الدين. لعلّها محاولة للتنبّه إلى خطورة التركيز على البعد المذهبي أو العقائدي أو التاريخي الخلافي بين المذاهب والطوائف، من خلال إثارة الحساسيات وتبخيس ما عند الآخر من رموز و«مقدّسات».
بل هي محاولة للخروج من نطاق الحقل الديني اللاهوتي، ولفت انتباه المعنيين في هذا الحقل، إلى أن شروط إمكان إيجاد مواطنة حقيقية، قد تجد نفسها في أي منظومة اجتماعية بما فيه الحقل الديني، فيما لو اجتهد رجال الدين حول موضوع تحويل «رسالتهم» إلى رسالة أخلاقيّة بحتة. على الأرجح، لن تكون هذه الدعوة عمليّة، في ظل الواقع السائد، حيث باتت العقيدة وعلم الكلام هما الأساس في تبليغ الرسالة المذهبية (لا الإسلامية أو المسيحية). لكن ما تشهده دول العالم المتقدم من تحوّلات، تترك أثرها المباشر على بيئتنا ومجتمعاتنا ـــــ وهذه الأخيرة تتأثر ولا تؤثر ـــــ يقودنا إلى البحث عن رسائل عملية، لا تقليدية كما هو سائد، في كتب الفقه والتفسير وعلم أصول الدين، تختص بفقه الحياة والمجتمعات وأولويات البشر؛ مع أهمية عنصر تهديد المناخ للبشرية جمعاء في هذا السياق.
يقود الحديث عن هذه الدعوة، إلى مشروع قانون، طُرح على استفتاء شعبي أجري في 27 نيسان الماضي، في العاصمة الألمانية برلين، يخيّر التلميذ بين دراسة الأخلاق من منظور علماني أو مادة الدين في المدارس الثانوية. بيد أن نتيجة هذا الاستفتاء أفضت إلى العكس تماماً. إذ صوّت معظم المستفتَين ضد المقترحات التي طرحت. ما يعني أن المدارس الثانوية، ستبقى على النظام الحالي، تدرّس الأخلاق من منظور علماني كدروس إلزامية، بينما يمكن الحصول على دروس دينية إضافية إذا رغب الطالب فيها، قبل اليوم الدراسي العادي أو بعده.
طبعاً، لن يكون مجتمعنا مطابقاً لأي مجتمع أوروبي، في نظرته إلى التعليم الديني. إذ لدينا نسبة كبيرة تطلب التعليم الديني، ومنهم من يطلب الأخلاق من منظور ديني لا علماني، على اعتبار أن الدين في مجتمعاتنا هو أحد أهم عناصر هويتنا الحضارية. لكن أبناء هذه الحضارة يعيشون الانفصام بين تمثّل القيم الغربية الاستهلاكية وبعض تمظهراتها في الحرية واستخدام تقنيات العصر، وبين التمسك بالتعاليم الدينية، ضمن موجة جارفة تعمل تحت عنوان حفظ الهوية من الاندثار. مقولة قادت إلى ترسيخ قناعة صلبة لا يمكن إخضاعها للمساءلة بسهولة، حول سبل حفظ المذهب والعلماء وصولاً إلى الدفاع عن الرسول والقرآن وأخيراً المآذن. وهنا، لا يمكن نكران حقيقة أن من حق أي إنسان يشعر بأهمية انتمائه إلى جماعة من البشر أو كيان معين أن يحافظ على منظومته من الاندثار والذوبان في كيانات ومنظومات أقوى وأشد فتكاً، لكن ما هو غير مشروع هو أن يكون الدفاع عن هذه الكيانية أو الجماعة، منطلقاً من ذهنية قبائلية تعصبيّة، لا علاقة لها بجوهر الجماعة من قيم وأخلاق، ولا بالبعد الرسالي، بقدر ما تهدف إلى استغلال النواحي «المقدّسة» لخلق مشكلة مع الآخر.
وقد يكون الآخر بريئاً تماماً من اتهامات الذات. لكنّ جنوح الذات نحو التعصّب بطريقة جنونيّة، يجعل من ردّ الفعل تجاه الآخر، أكثر بشاعةً وإساءةً من الفعل نفسه. هذا ما حصل في ردّ الفعل على الرسوم الكاريكاتورية المسيئة إلى النبي محمد. وهذا ما حصل في النزاعات السنيّة الشيعية في لبنان والعراق وباكستان وغيرها.

من الخطأ تحويل ما يسمى بالعقيدة إلى أُسّ الدين وجوهره، فيما يحمل الدين كنوزاً من القيم السلوكية
لعلّ أبرز الأسباب التي كوّنت هذه المناخات الصدامية، وصولاً إلى بروز جماعات إرهابية عالمية، هو التعليم الديني نفسه، الذي أنتج «نخبة» سلفية تكفيريّة في السعوديّة، نمت نموّاً أكبر في أفغانستان وظهرت الطفيليات حولها على مدى العالم الإسلامي. ونفس الشيء حدث على الجانب الآخر الشيعي. إذ أخذت العزة بعض الشيعة المبهورين بقدرات إيران والمنتشين بنصر حزب الله في أهم المعارك مع العدو الصهيوني، بإثم التعالي على الآخر. ومنهم من رأى أنّ هذا النصر منحة إلهية لهم وحدهم على اعتبار أنهم شيعة. وفي هذا القول امتداد واضح لشعار «النصر الإلهي». وذهب البعض الآخر إلى تفسيرات أكثر غيبية باستشراف ظهور الإمام المهدي قريباً، بعد وصول الأمور إلى نهايتها في الصراع مع «الكفر والشرك والضلال». في أيّ حال، تؤدّي الدروس الدينية، سواء في المدارس أو في الحلقات الخاصة وفي المساجد، دوراً في بلورة ذهنية مبنية على مقولة الحتميّة التاريخيّة للنصر الإلهي، وحفظ العقيدة من الاندثار.
والحديث عن قدسيّة العقيدة هنا، هو الذي قاد إلى ظهور الانتحاريين «الجهاديين» ضد الشيعة في العراق، على اعتبار أن كل من يخالف عقيدة أهل السنة ينبغي قتله. فكيف إذا توصّل الاجتهاد عند هؤلاء إلى أن الشيعة مشركون؟!. فهنا تكون الطامّة أكبر وأشد بشاعة. هذا ما عاشته بعض الدول الإسلامية للأسف، وخصوصاً بعد ظهور التنظيمات السلفية والجهادية، التي ما هي سوى نتاج هذا التعليم الديني العقيم، والكتاب المليء بتهويمات الآيديولوجيا المذهبية. هذا النوع من التعليم، لا يتعاطى مع المجتمع برؤية استيعابية، بل بذهنية مشحونة بردّ الفعل والحمق.
من الخطأ، تحويل ما يسمّى العقيدة إلى أُسّ الدين وجوهره، فيما يحمل الدين كنوزاً من القيم السلوكية، ما يمكن أن يقرّب كل المؤمنين به بعضهم من بعض ومن الآخر، بذهنية تسامحية لا إقصائية ولا تبخيسية ولا تكفيرية.
من هنا، ينبغي وضع شروط لتحديد كيفية تأليف الكادر التعليمي الدعوي في الحقل الديني، بما يتلاءم مع روح النص، لا متونه العقائدية والأصولية. فنشر التاريخ الإسلامي بين طلاب المدارس بالصورة المذهبية السائدة اليوم، وخصوصاً لدى السنّة والشيعة، يبتعد بالجيل الجديد عن أهداف الرسالات. أهداف قد لا تتعدى قيم العفّة والفضيلة والصدق والأخلاق والالتزام بالعهد وتنفيذ الوعد، وكل ما من شأنه أن يعزّز مناخات التفاهم والمحبة والتسامح والتعاون وحفظ الكرامة الوطنية. كما يمكن الدين أن يؤدي دوراً في رفد القيم السياسية مثل الديموقراطية والحريات الشخصية والعدالة الاجتماعية، فضلاً عن الأمن الاقتصادي الغذائي، من خلال التركيز على أهمية الجانب الاقتصادي غير الربوي، ونبذ المشاريع الريعية والاستثمارات الوهمية، في مقابل دعم المشاريع الإنتاجية وتأهيل الشخص ليكون فاعلاً على المستوى الاقتصادي، لا أن يلجأ إلى منطق المضاربة والركون للكسل في تحصيل لقمة عيشه. لذا، لا بد أن يكون في مقدمة الأهداف المرجوّة من التعليم الديني على اختلاف مشاربه ومذاهبه، وخصوصاً في لبنان حيث يوجد أكثر من 18 طائفة، البحث عن آليات جديدة، تُبعد مفهوم التديّن ـــــ بالمعنى الأخلاقي ـــــ عن مقاربة القبائلية والعشائرية، في التعاطي مع الآخر. لعلّ هذه الحال السائدة، تنطبق على العديد من ذهنيات «النخبة» الدينية ـــــ السياسية، التي تنعكس بدورها على المريدين والأتباع، أو ممن أخذتهم العزة بالإثم، فصاروا يؤمنون أن المذهب هو نهاية التاريخ، وأن الأخلاق والقيم هي تحت سقف حفظ العقيدة المذهبية. سلوك بات يتمرأى في الحي والشارع وعلى رسائل الإنترنت والهواتف الخلوية وفي قاعات المدارس والجامعات. هذه الطريقة في التعليم تذهب بالناس إلى اختيار طريقين إمّا التطرف الذي يصنع الجنوح والإجرام، أو اختيار فلسفة العلمنة وصولاً إلى الإلحاد.
* من اسرة الأخبار