مصطفى بسيوني *

عادت رايات التغيير إلى الارتفاع في سماء القاهرة بعودة الدكتور محمد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والرجل الذي انعقدت عليه الآمال في قيادة الحركة. ونظرة سريعة إلى السنوات الماضية توضح أنها لم تكن المرة الأولى التي ترتفع فيها تلك الرايات في مصر، وإن بدرجات مختلفة. ربما كانت المرة الأولى التي تنطلق فيها دعوات التغيير بصوت مسموع في عام 2003 عقب التظاهرات الضخمة المناهضة لغزو العراق التي احتلت ميدان التحرير، أكبر ميادين العاصمة في العشرين من آذار/ مارس، وقُمعت بوحشية في اليوم التالي، حيث اقتحمت قوات الأمن أحزاباً ونقابات، واعتدت على نواب ضمن حملة قمع غير مسبوقة.
كانت تلك التظاهرات نفسها تتويجاً لحركة احتجاجات ممتدة اندلعت مع بدء انتفاضة الأقصى في أيلول / سبتمبر 2000 للتضامن مع الانتفاضة والاحتجاج على المواقف الرسمية للنظام والتطبيع مع إسرائيل، ومثلت قطعاً مع حالة الركود التي سادت خلال التسعينيات. أبدى النظام ساعتها درجة من التسامح تجاه تلك الاحتجاجات لوقت قصير، ولكنه سرعان ما تخلى عن تسامحه وأطلق أيدي الأمن في التعامل مع المتضامنين مع الانتفاضة، ولكن ظلت تلك الحركة متركزة على القضية الفلسطينية. أما تظاهرات غزو العراق فقد تكوّنت على أثرها حركة «عشرين مارس من أجل التغيير»، التي حاولت أن تربط بين الاستبداد السياسي والتبعية للقوى الاستعمارية وسياسات الإفقار. ورغم أن حركة عشرين مارس لم تتقدم كثيراً وكان أقصى ما قامت به هو تظاهرة حاشدة في ذكرى 20 مارس في العام التالي، بالإضافة إلى إعداد رؤية أولية للتغيير، إلا أن رايات التغيير لم تكف بعدها عن الظهور.
فقبل انقضاء عام 2004، كانت حركة «كفاية» تظهر إلى الوجود وتمثّل أهم مراكز المطالبة بالتغيير تحت شعارها الشهير «لا للتمديد لا للتوريث»، مجهزة بذلك على أهم محرّمات الحياة السياسية في مصر وهو الهجوم على رئيس الجمهورية والتحدث بصوت مرتفع عن مخطط توريث الحكم ورفضه.
وكان عام 2005 هو الأكثر زخماً لحركات التغيير التي علا صوتها في مصر منذ ذلك الحين، فهو العام الذي شهد بداية تحرك القضاة للمطالبة باستقلال القضاء وعدم التخفي وراء القضاء لتزوير الانتخابات بإشراف قضائي جزئي عليها. وشهد هذا العام أيضاً مقاومة تعديل المادة 76 من الدستور، التي اعتبرت تمهيداً لتوريث الحكم لنجل الرئيس، جمال. في تلك الفترة، تزايد دور جماعة «الإخوان» المسلمين في معارضة النظام وتحديه، وبرز دور الجماعة في الفاعليات الاحتجاجية في الشارع، حتى اعتبرها البعض بديلاً ممكناً بل مقبولاً أيضاً للنظام، وخاصة مع بروز النموذج الإسلامي المعتدل في تركيا وبعد انتخابات البرلمان التي حصلت فيها الجماعة على 88 مقعداً، أي نسبة 20 في المئة، رغم التزوير ضدهم. وسطع أيضاً نجم زعيم حزب الغد الليبرالي أيمن نور الذي اعتبر أول منافس لرئيس الجمهورية في الانتخابات الرئاسية، حتى وإن كانت المنافسة نظرية والنتيجة محسومة.

إن حالة الحراك السياسي التي عادت للتصاعد مع قدوم البرادعي تمثل حلقة جديدة من حلقات معركة التغيير في مصر
وعلى الرغم من انكماش حركات التغيير منذ منتصف عام 2006 وتراجع الآمال فيه بعد تعديلات الدستور التي فرضها النظام، والسيطرة على حركة القضاة، وتراجع حركة كفاية، والضربات الأمنية المتلاحقة لجماعة «الإخوان» المسلمين، وسجن أيمن نور، إلا أن انفجار الحركة العمالية والاجتماعية في نهاية 2006 جاء بتحدّ جديد للنظام. فعلى الرغم من أن الاحتجاجات العمالية والاجتماعية ظلت تدور حول المطالب الاقتصادية والنقابية المباشرة، إلا أنها باتساعها الذي شمل كل محافظات مصر وامتدادها طوال السنوات الثلاث الماضية، وضخامتها بشمولها مئات الآلاف من العمال، فرضت قضايا الطبقة العاملة وجملة القضايا الاجتماعية على أي أجندة تغيير مقبلة، ولم تعد الشعارات العامة للإصلاح الديموقراطي كافية لتلبية احتياجات التغيير في المجتمع المصري. والأهم أنها قطعت على النظام الحاكم إحساسه بالهدوء والاستقرار بعد سيطرته على حركة التغيير. الصعود الممتد للحراك السياسي والحركة العمالية دفع مجموعات من الشباب خارج القوى السياسية التقليدية للبروز على الساحة، مستفيداً من شبكة الإنترنت، فظهرت جماعات المدوّنين وشباب «الفايسبوك» دافعين دماءً جديدة في شرايين حركة التغيير. وأخيراً تعطي اليوم حركة التغيير أو جزء منها برهان التغيير على عودة البرادعي.
إن حالة الحراك السياسي التي عادت للتصاعد مع قدوم البرادعي تمثل حلقة جديدة من حلقات معركة التغيير في مصر، وتؤكد أمراً آخر لا يمكن تجاهله، وهو أن إرادة التغيير التي انطلقت منذ عام 2003 وجربت عدداً من البدائل، ولم تتمكن بعد من إحراز التغيير المأمول رغم ما أحدثته من خلخلة في الواقع السياسي المصري في تلك الفترة، أكثر إصراراً مما تصوّرها النظام، وخاصة أن النضال من أجل التغيير لم يكن مجانياً في أي من مراحله؛ فقد واجه النظام تلك الحركة بكل وسائل القمع، من اعتداء بالضرب وقمع عنيف للتظاهرات واعتقالات، وليس بعيداً الاعتداء الجنسي على المتظاهرات من مجموعات يحميها الأمن (في 25 أيار / مايو 2005 ومقتل 14 خلال الانتخابات البرلمانية في العام نفسه)، فضلاً عن الاعتقالات التي عانتها قيادات حركة التغيير وشبابها والمدوّنون وشباب «الفايسبوك».
الحركة التي استطاعت تقديم تلك التضحيات والصمود، وبرزت فيها قوى اليسار، والناصريون والقضاة والإخوان المسلمون والليبراليون والنشطاء المستقلون عن كل القوى السياسية والحركة العمالية وقياداتها الطبيعية، هي نفسها الرهان الأعظم على إمكانية التغيير في مصر، لأنها استطاعت الاستمرار رغم فشل رهاناتها المتتالية، وما زالت اليوم قادرة على طرح خيارات جديدة واستعادة المبادرة وخوض المعركة من جديد. الرسالة التي تحملها الحلقة الجديدة من حلقات التغيير هي أن معركة التغيير مستمرة، وأن النظام الحاكم لم يعد له أن يهنأ بالهدوء، فكلما استنفدت الحركة أحد بدائلها يبرز آخر حتى تنجز التغيير.
ولكن ليست تلك الدلالة الوحيدة لحركة التغيير الممتدة في مصر، فهناك دلالة أخرى لا تقل أهمية: إن القوى التي انضمت لحركة التغيير تباعاً منذ عام 2003 وحتى الآن لم يغادر أيّ منها الساحة، بل اتخذت الحركة طابعاً تراكمياً تضاف فيه قوى التغيير بعضها إلى بعض وتحاول باستمرار خلق أطر توافق وأرضية مشتركة بينها، رغم أنها لا تنجح في كل مرة، وهو ما يعني ليس فقط تعاظم قوى التغيير التي أصبحت تضم قوى سياسية واجتماعية ونخباً ومجموعات شبابية، ولكن يعني أيضاً أن أجندة التغيير نفسها آخذة في التطور والنضج والتأثر بروافدها المختلفة. فالتغيير الذي كان شعاراً عاماً، تركز لاحقاً في رفض التمديد لمبارك أو توريث السلطة لنجله، واكتسبت اليوم أبعاداً جديدة بالحديث عن ضرورة تضمّن التغيير العدالة الاجتماعية وحقوق الفقراء، بالإضافة إلى الإصلاح الديموقراطي.
لم يطرح اسم البرادعي كحلقة جديدة في معركة التغيير من الفراغ، ولا في الفراغ، بل طرح من معركة تغيير ممتدة لسنوات، وفي قلب تلك المعركة بالذات. وليس من قبيل المصادفة أن اليوم الذي وصل فيه البرادعي إلى القاهرة وسط تظاهرة من مؤيديه، كان هناك اعتصام عمالي أمام مجلس الوزراء. وفي الأسبوع التالي، كان عمال ثلاث شركات يعتصمون أمام مبنى البرلمان، فالأيام جميعها تزدحم بالاحتجاجات العمالية والتحركات المناهضة للتطبيع والمطالبة بالديموقراطية. والحقيقة التي أصبحت مؤكدة مع موجة النضال الجديدة من أجل التغيير أنه مهما كان مصير تلك الموجة، سواء نجحت في كسب المعركة أو كان مصيرها كسابقيها، فإن النضال من أجل التغيير لا سبيل لوقفه إلا بتحقيق التغيير.
* كاتب مصري