strong>محمد بنعزيز *

الجحيم مستعر في الصحراء الكبرى. القادة الأوروبيون يدفعون نقداً للحصول على صور مع الرهائن المحررين:
في بداية آذار/ مارس 2010، طالب تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الحكومة الإسبانية بخمسة ملايين دولار وإطلاق سراح إسلاميين معتقلين في موريتانيا مقابل الإفراج عن رهينتين إسبانيتين. أفرج عن الرهينة الفرنسية ــــ لوجه الله؟ ــــ في مالي يوم 26/2/2010. ولتحقيق سبق إعلامي صعب في باريس، حضر الرئيس نيكولا ساركوزي بكامل أناقته، وقابل الرهينة التي اشتكت من سوء معاملتها، ثم شكر ساركوزي في قصر الرئاسة بباماكو صديقه رئيس مالي (امادو توماني توري) على كل ما فعله من أجل تحرير الرهينة الفرنسية. وأضاف «أقول لشعب مالي إنكم في قتالكم القاعدة والإرهابيين والقتلة، فإن فرنسا تقف بحزم إلى جانبكم».
لنرَ ما تفعله دول منطقة الصحراء الكبرى وشمال أفريقيا التي سيقف بجانبها ساركوزي:
استدعت موريتانيا سفيرها في مالي للتشاور احتجاجاً على الإفراج عن ناشط موريتاني من القاعدة مطلوب لدى القضاء الموريتاني. كما سلّمت السلطات المالية إلى جهة إرهابية مواطناً موريتانياً مطلوباً لدى العدالة الموريتانية.
هكذا توبخ موريتانيا جارتها على الإرهابيين بينما يجري في نواكشوط تفاوض بين العلماء والسلفيين في السجون. في مالي، صرح رئيس المجلس الإسلامي الأعلى خلاف ما تفعله حكومة بلده. قال محمود ديكو «نحن معنيون بالتنسيق لمواجهة الفكر المتطرف». وفي خطوة مخالفة، أعلن سيف الإسلام القذافي في 23/3/2010 أن السلطات الليبية أفرجت عن 214 إسلامياً بينهم ثلاثة من قادة الجماعة الليبية الإسلامية المقاتلة. وهي، أي حكومة الجماهيرية العظمى، تحتفظ بـ409 إسلاميين في السجن من بينهم 232 قد يطلق سراحهم قريبا... ليسهلوا توريث الجماهيرية لسيف الإسلام المسلول ليجاهد بهم ضد سويسرا.
استدعت الحكومة النيجيرية سفيرها في طرابلس الغرب للتشاور، ووصفت في 18/03/2010 تصريحات الزعيم الليبي معمر القذافي بشأن تقسيم نيجيريا إثر المذابح التي جرت أخيراً في هذا البلد بأنها «غير مسؤولة». التصريحات لا المذابح.
تجدر الإشارة إلى أنّ القذافي أب روحي للاتحاد الأفريقي، وهو يدعو للتقسيم في أفريقيا وللتوحيد في آسيا بإنشاء إسراطين... وقد استقبل القذافي في منتصف آذار/ مارس 2010 وفداً من انقلابيي النيجر وقدم لهم نصائح عدة. أما الوفد، فقد أطلع الأخ القائد على مبررات التغيير... كما استقبل العقيد قادة أحزاب قومية موريتانية وصلوا إلى الجماهيرية الليبية لإبلاغ جلالته بمبايعة الأحزاب له، واقتناعها بمشروعه الفكري والقومي ورغبتها في تجديد الولاء والمباركة قبل انعقاد القمة العربية، حسب موقع الأخبار الموريتاني (www.alakhbar.info).

من علامات الدرجة الصفر أن الإرهابيين يتعاونون والدول تتنازع
وفي نشاط ذي صلة، دعا القذافي لاجتماع قادة قبائل الصحراء الكبرى... ألم يعد يرى دولاً؟ ودائماً في باب الابتكارات الدبلوماسية، استضافت الجزائر في 16/3/2010 ندوة وزارية لدول الساحل والصحراء لأفريقيا حول موضوع «التصعيد الإرهابي» لمناقشة «الانعكاسات السلبية لتنامي ظاهرة الإرهاب والإجرام المنظم».
أما المغرب، الجار للبلد المنظم لندوة وزراء خارجية المنطقة، فقد تأسف على إقصائه من مؤتمر الجزائر، وصدر بلاغ لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون المغربية يقول: إن «المملكة المغربية لتأسف لرد الفعل السلبي للسلطات الجزائرية، ولهذا الموقف الإقصائي، بالرغم من أن الأمر يتعلق بخطر بيّن، يحدق بالجميع ويستوجب بالضرورة رداً جماعياً ومتشاوراً بشأنه من أجل تعزيز السلم والأمن الإقليميين وتحقيق التقدم والتنمية في المنطقة برمتها».
يحدق بالجميع، وهم يرقدون على فوهة بركان، لكن لا تنسيق مع الجار لمواجهة التحديات الأمنية الإقليمية، لذا يستحسن التنسيق مع البعيد لخنق القريب...
هذه هي الدرجة الصفر للسياسة، الناتجة من حالة شلل سياسي بسبب التعادل بين القوى المحافظة والاستئصالية في كل بلد. تعادل بل تحالف غريب بمسمى الحفاظ على الاستقرار، لذا يستحسن تجنب كل مبادرة، وتطبيق محاصصة في الخطاب فيظهر متكلفاً خاوياً.
من علامات الدرجة الصفر أن الإرهابيين يتعاونون والدول تتنازع. الدول تطبق قواعد معينة في مجالها الترابي، وتطبق نقيضها في التعامل مع الجيران. دول تحاور السلفيين الجهاديين في سجونها، وهم الدفيئة الخلفية لتزويد تنظيم القاعدة بالرجال... وتنتقد إطلاق سراحهم في بلد مجاور... تفترض هذه السياسات أنه لا علاقة بين السياسة الداخلية والخارجية، مع أن هذا درس بسيط في معاهد الدبلوماسية. يقول ميكيافيلي «جميع الأمور الداخلية سوف تحل عندما تحل الأمور الخارجية».
نتيجة غياب هذه الرؤية، يسود تدبير بوليسي للسياسة، يتجاهل امتدادات المشاكل، ويتبنى قرارات لحظية لا صلة لها بما جرى وبما هو متوقع، وهذا دليل على غياب تخطيط استراتيجي يطل على الأفق بدل أن يعلق في حفرة.
نذكّر هنا بنموذج شهير يحل مشاكله الداخلية بالسياسة الخارجية، نموذج يستحسن التعلم منه، إنه ميترنيخ الذي عقد قبل قرنين مؤتمر فيينا (1814) لتنسيق سياسات الدول الأوروبية ضد الثورات، فتمكن من إنهاء الحروب النابليونية وخطّط لمحاربة الحركات الليبرالية والثورية والتدخل للقضاء عليها معاً في أي بلد من بلدان الحلف... وقد تمكن من ذلك في دول عدة مثل ألمانيا وهولندا... بل اقترح إصلاحات مثل إنشاء برلمان لكل شعوب الإمبراطورية النمساوية... للإشارة، تشمل المقارنة هنا كيفية معالجة الدول للمشاكل مجتمعة ولا نقارن الأنوار التي روّج لها روسو بما يقوله نشطاء السلفية الجهادية.
صمدت خطة ميترنيخ حتى 1848. حينها صعد أليكسيس دو توكفيل إلى منبر مجلس النواب الفرنسي ليحذر قادة أوروبا «إننا نرقد على فوهة بركان... إن رياح الثورة أخذت بالهبوب، والعاصفة تكتسح الأفق». وفعلاً، صدر البيان الشيوعي حاملاً مبادئ الثورة البروليتارية... (من كتاب عصر الرأسمال 1948ــــ1875 لإيريك هابسباوم).
أثمرت الثورة إصلاحات، ولكن لم تسقط العروش. أقيل ميترنيخ ونفي، لكن كل خططه على الأرض صمدت... كان يدرك اتجاه الريح.
هذه هي السياسة بمعناها الحقيقي، أي التأثير على الحاضر والمستقبل. وهذا تعريف يناقض الدرجة الصفر للسياسة المتبعة حالياً في محاربة الإرهاب، في الصحراء الكبرى وفي الدول العربية عامة، سياسة تريد حل المشاكل يوماً بيوم، كل صباح يجلس الزعيم إلى مكتبه ويسأل: ماذا عندنا اليوم؟ يضعون أمامه عناوين الصحف فيتصرف على أساسها... تتغير العناوين في الغد، فتتخذ قرارات لا صلة لها بما سبق... النتيجة سياسات فردية معزولة تؤجج في بلد جار ما يناهضه بلد آخر.
يذكرنا عدم التنسيق هذا بوضع مشابه، في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، عندما طلب الملك الحسن الثاني من قادة دول المغرب العربي ألا ينفرد أي منهم بالترخيص لحزب إسلامي، لكن الجزائر، التي ترى نفسها أدرى من غيرها، رخصت لجبهة الإنقاذ الإسلامية، ودون جس نبض نظمت انتخابات مفتوحة... ثم ألغيت نتائجها، بلغ الدم الركب وسقط أكثر من 150000 قتيل...
لم تتعلم المنطقة الكثير من هذا الدرس، لذا تستمر سياسيات شد الحبل بين الدول.
لا بد من القطع مع الدرجة الصفر للسياسة، مع قمم دورية بلا أثر سياسي مثل قمة طرابلس التي تستنسخ السريالية الموصوفة أعلاه. ينبغي القطع مع ذلك، بتنظيم مؤتمر مترنيخي عربي يتبنى من جهة أولى سياسات منسجمة تجاه خطر الإرهاب، ومن جهة ثانية يطرح بديلاً ديموقراطياً حقيقياً للشلل السياسي الذي يعيشه العالم العربي، شلل داخلي يعرفه الحليف والعدو، شلل يولّد سياسة خارجية بلا وجهة واضحة...
فالسفينة التي لا يفحص مسارها تتحطم.
* صحافي مغربي