أن نتكلم عن دور رائد للعرب المسيحيين في تحديث العالم العربي المعاصر يمكن أن يبدو مليئاً بالتبجح، حتى لا نقول إنه في غير محله بالنظر إلى الظروف الحالية. وبالواقع، لدينا انطباع أننا في حقبة تشهد انحساراً في حضور العرب المسيحيين وفاعليتهم في بلادهم الأصلية الرئيسية: مصر، السودان، فلسطين، سوريا، الأردن، لبنان والعراق. نحن نشهد انحساراً ديموغرافياً بفعل الهجرة ونسبة التوالد الطبيعي الأقل عموماً من المعدل الوطني، ولكن أيضاً انحساراً سياسياً


بطرس لبكي *

1ـــ ملاحظات تمهيدية
1ـــ1 هناك إحساس بانحسار سياسي للعرب المسيحيين في بلدان عدة بفعل تفتت التحالفات المتعددة الطوائف للوجهاء التي حكمت حتى منتصف القرن العشرين (الوفد في مصر، الكتلة الوطنية وحزب الشعب في سوريا، أحزاب الوجهاء في العراق)، تحت ضربات الحركات الانقلابية العسكرية وغياب العرب المسيحيين عن النخب العسكرية التي أمسكت بزمام الأمور في هذه البلاد. إن الحروب من أجل الآخرين في لبنان وما تبعها كانت كبيرة الأثر ابتداءً من 1975، وخاصة بعد 1990، في إضعاف اللبنانيين المسيحيين سياسياً.
وكان لصعود الأصولية التدريجي بعد هزيمة 1967 أثر غير مؤات لمشاركة المسيحيين في السياسة في أكثر من بلد: مصر (بعد 1970 خاصة)، فلسطين (بعد 1987) والعراق (بعد 2003).
كذلك ثمّة انحسار اقتصادي للعرب المسيحيين حصل في المؤسسات الاقتصادية التي خضعت للتأميم في الخمسينيات والستينيات (مصر وسوريا والعراق) في كثير من الأحيان. وقد تكبدت النخب الاقتصادية المسيحية ارتدادات ذلك (في مصر أولاً). يشذ عن هذه الظاهرة بعض الشيء العرب المسيحيون في الأردن وفلسطين.
من جهة ثانية، يجب القول إن هناك عملية عودة، ولو جزئية، إلى اقتصاد السوق في بعض البلدان (مصر وسوريا خاصة). ويساهم ذلك في بروز بعض رجال الأعمال المسيحيين الجدد الذين ينشطون في قطاعات اقتصادية عدة.
1ـــ2بعد هذه الملاحظات، يبدو لي أنه من الضروري تحديد هذين العرض والتحليل جغرافياً وثقافياً. في البعد الجغرافي، سأبحث، ضمن حدود معرفتي للعرب المسيحيين في مصر والسودان وفلسطين والأردن وسوريا ولبنان والعراق. كما سأغطّي ضمن الممكن دور العرب المسيحيّين في هذه البلاد، الذين اغتربوا إلى بلدان النفط العربية.


على الصعيد الاجتماعي، يعني التحديث الوصول إلى التعليم والصحة والسكن والمداخيل المقبولة بالنسبة لجميع البشر

في البعد الزمني، سأهتم بالتطورات الجارية منذ خمسينيات القرن الماضي.
أما في البعد الثقافي، فسأتكلم عن العرب المسيحيين، بالإضافة إلى مسيحيي الطوائف الأرمنية والسريانية والأشورية ــــ الكلدانية من أهالي الدول العربية السبع المذكورة أعلاه. كما سأسعى إلى التطرق لمسيحيي السودان.
1ـــ3 لا أدعي تغطية الوضع كلّياً. لكني أسعى إلى أن ألفت النظر فقط إلى ما أعتبره الخطوط والاتجاهات الكبرى.
1ــــ4 أريد أيضاً أن أذكر باختصار ماذا يعني بالنسبة لي «التحديث» في العالم العربي، حتى ولو سبب لي ذلك انتقاداً من بعض زملائي المختصين في العلوم الاجتماعية.
على الصعيد السياسي، أفهم «التحديث» في مجتمع ما، كانتماء إلى قيم حقوق الإنسان، بما فيها الحق في الاختلاف، وكانتماء يجب أن يترجم بنشر الديموقراطية انطلاقاً من هذه القيم. على الصعيد الاجتماعي، يعني التحديث الوصول إلى التعليم والصحة والسكن والمداخيل المقبولة بالنسبة لجميع البشر.
على الصعيد الثقافي، إن «تحديث» مجتمع ما في اعتقادي يعني التواصل والتفاعل من جهة مع الثقافة العالمية ومع مختلف الثقافات الوطنية في العالم من جهة ثانية. ويتم هذا التحديث بإنماء إنتاج ثقافي يعبر عن الوضع الحالي في مختلف البلاد العربية وفي العالم العربي عموماً.
على الصعيد الاقتصادي، يعني «تحديث» مجتمع ما، الوصول إلى تقنيات الإنتاج العصرية المستعملة في بلدان الشمال وبإنتاج وتجديد محليين لهذه التقنيات. والشيء ذاته يقال عن البنى الاقتصادية ومستويات الإنتاجية. ويتضمن التحديث الاقتصادي خاصة الوصول إلى القطاعات المحرّكة للاقتصاد المعاصر (معلوماتية ــــ تكنولوجيا حيوية ــــ واقتصاد معرفة عموماً) واكتساب الكفاءات والتجديد في هذه القطاعات.
1ــــ5 تذكير تاريخي مختصر: يبدو لي من المهم التذكير بأن دور العرب المسيحيين في الحقبة المعاصرة ينبثق من تقليد تاريخي. فعلى المستوى السياسي، ومنذ بدايات القرن العشرين، نشط العرب المسيحيون في المقاطعات العربية في الإمبراطورية العثمانية ليتحرروا من وضعهم «كأهل ذمة»، وذلك بالعمل على خلق دول قومية عبر حركات أيديولوجية وسياسية مساواتية (قومية ــــ ليبرالية ــــ اشتراكية). هكذا عملت نخب العرب المسيحيين في سوريا ولبنان وفلسطين ومصر. كما نشطت في البحث عن تعايش في ظل التنوع يساوي بين مختلف المجموعات ويتوازن فيه ميزان القوى (لبنان). كان العرب المسيحيون أيضاً في طليعة أول الثورات الفلاحية الديموقراطية (في جبل لبنان ما بين 1780 و1857). وكذلك في جبل حوران في سوريا.
نما هذا الوضع ما بين الحربين العالميتين وحتى آخر الأربعينيات في القرن العشرين.
وترافق دور العرب المسيحيين السياسي هذا مع دور لهم على المستوى الثقافي (النهضة). وهنا يبرز دور الإرساليات الغربية والمؤسسات الإكليريكية المحلية في المجال التربوي حاسماً.
على المستوى الاجتماعي، كان هناك عرب مسيحيون فاعلون رئيسيون في تشجيع طبقة الفلاحين في لبنان (وقد سبق ذكر ذلك في القرن التاسع عشر)، وفي مصر (جمعية الصعيد المسيحية: ACHE). كما كانوا في أصل الحركات النقابية والعمالية في مصر وفلسطين ولبنان. وعملوا لأجل الحقوق الاجتماعية للعمال. أما في ما يتعلق بموضوع السكن الاجتماعي وانتشار الطب الحديث، فإننا نجد أيضاً دوراً رائداً للمسيحيين: الأرمن في لبنان والمبادرات المسيحية أينما كان (في سوريا، لبنان، مصر وفلسطين).
على المستوى الاقتصادي، كان دور المسيحيين أساسياً في توسع وتطوير قطاعات الاقتصاد الحديثة في مصر وفلسطين والأردن وسوريا ولبنان. هذا عدا بقية القطاعات مثل الزراعة والبناء والأشغال العامة، والمصارف وشركات التأمين والتجارة الداخلية والخارجية، والسياحة وغيرها من الخدمات ابتداءً من القرن التاسع عشر.
ومع انتهاء هذا التذكير، يمكننا أن ندخل في لب الموضوع: دور العرب المسيحيين المشارقة في تحديث العالم العربي المعاصر (نصف القرن الأخير) الذي نقاربه من نواح عدة.

2ـــ التحديث السياسي في العالم العربي

رغم انحساره، فإن دور المسيحيين السياسي في العالم العربي لا يزال ذات أهمية:
2ــــ1 في مصر مثلاً يمكن الإشارة إلى هذا الدور من جوانب ثلاثة:
أ ــــ العمل الذي تقوده الكنيسة القبطية الأرثوذكسية خاصة بقيادة البطريرك شنوده ليؤمن لمسيحيي مصر الوصول الفعلي إلى المواطنية وإلى حرية العبادة وبناء الكنائس.
ب ـــ النضال الذي قاده مثقفون من أصول مسيحية في إطار اليسار المصري مثل ميلاد حنا وميشال كامل وغيرهما، لأجل العدالة الاجتماعية والمساواة في كل المجتمع.
ج ــــ وأخيراً مساهمة مثقفين ورجال سياسة ليبراليين في تحديث الفكر السياسي المصري، مثل لويس عوض وبطرس بطرس غالي، مؤسس مركز الدراسات الاستراتيجية في صحيفة الأهرام والوزير والمؤثر الأساسي في اتفاقات كامب ديفيد والأمين العام لهيئة الأمم المتحدة وللفرنكوفونية في ما بعد.
2ــــ2 في فلسطين لا نستطيع إلا أن نذكّر بالدور الرائد لقيادات مسيحية مثل جورج حبش ونايف حواتمة وكمال ناصر وناجي علوش ومنير شفيق عسل وأوجين مخلوف وبشارة خضر وغيرهم في الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة. أما بالنسبة للفلسطينيين الذين لم يغادروا الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1948، فلا نستطيع إلا أن نعيد إلى الأذهان الدور القيادي لإميل حبيبي وتوفيق طوبيا وعزمي بشارة وغيرهم. نذكر أيضاً دور بطريرك اللاتين ميشال الصبّاح في الدفاع عن وجود الفلسطينيين المسيحيين ودورهم في الأراضي المحتلة. ويجب أيضاً التأكيد على دور بعض القادة المسيحيين في الضفة الغربية والأردن، مثل حنا ناصر وأنطون عطا الله والياس فريج وبرنار سابيلا.
2ــــ3 في العراق، لعب المسيحيون دوراً هاماً في الحزب الشيوعي العراقي وفي حزب البعث (طارق عزيز)، وكان الحزبان عصريين ويعملان على التحديث، والشيء ذاته يقال عن الأحزاب الأشورية التي لعبت وتلعب دوراً لا يستهان به للدفاع عن الحقوق الديموقراطية للأشوريين والكلدان.
2ــــ4 في الأردن أيضاً، لعب المسيحيّون دوراً هاماً في تحديث السلطة الأردنية (الوزراء د. كمال أبو جابر ومروان المعشر وغيرهما). كما لعبوا أيضاً دوراً لا يستهان به في الأحزاب اليسارية والقومية (د. كمال الشاعر في حزب البعث ونايف حواتمة الذي سبق ذكره والسلفيتي في الحزب الشيوعي).
2ــــ5 في السودان، لعب ويلعب المسيحيون دوراً متقدماً في كفاح جنوب السودان لأجل المساواة والتنمية (جون غارانغ وغيره).
2ــــ6 أما في لبنان، فلا بد من ذكر الدور القيادي للمسيحيين في الأحزاب الحديثة (الشيوعيون، القوميون الاجتماعيون، الكتائب والحزب الديموقراطي، الوطنيون الأحرار والكتلة الوطنية). لكن الدور الأهم في العشرين سنة الماضية، كان ما قامت به الكنيسة المارونية منذ 1990 بقيادة البطريرك صفير لتحرير لبنان من الوصاية السورية واحترام حقوق الإنسان والكفاح ضد تهميش المسيحيين، والدفاع عن حقوق الفقراء والمضطهدين من كل الطوائف في لبنان...
ومن الواجب الإشارة هنا إلى نضال الزعماء السياسيين المسيحيين، كالعماد ميشال عون وتياره خاصة وغيره من القوى السياسية، ضد الوصاية السورية والاعتداء على حقوق الإنسان، وذلك في سبيل استقلال لبنان السياسي وضد الأزمات الاقتصادية المفتعلة، وخاصة في سبيل العيش المشترك لمختلف الطوائف اللبنانية من مسيحية وإسلامية. وقد لعبت القوات اللبنانية وحزب الوطنيين الأحرار والكتائب دوراً مشابهاً، ولو على نطاق أصغر.
وتحرك البطريرك صفير والعماد عون وغيرهما من القوى السياسية المسيحية كان في أساس خروج القوات السورية من لبنان سنة 2005، بالإضافة إلى العوامل الدولية الأخرى المعروفة.
ونتساءل هنا: لماذا كان لبنان البلد العربي الوحيد حيث استطاعت قوى مسلحة (غير قوى الدولة) تحرير أرض عربية من الاحتلال الإسرائيلي. برأيي، ومهما بدا ذلك مفارقاً (paradoxal)، في أساس ذلك دور مسيحيي لبناني. وبالواقع، فإن أول حركات مقاومة الاحتلال الإسرائيلي سنة 1982، كانت كناية عن مبادرات للحزب القومي الاجتماعي وللحزب الشيوعي، وهما حزبان علمانيان ظلت قيادتهما طويلاً في أيد مسيحية. ونجد أعضاء مسيحيين من هذين الحزبين ضمن أولى العمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي (سهى بشاره، بيار أبو جوده، الخ...). كما أن الوجود المسيحي الوازن في لبنان جعل من هذا البلد الديموقراطية الأولى في العالم العربي رغم كل شيء. وهذا الجو الديموقراطي نسبياً، بالإضافة إلى عوامل أخرى، هو الذي سمح لحركات مقاومة الاحتلال والوصاية بالنمو والتوسع في لبنان، خلافاً للبلدان العربية الأخرى، مهما قيل.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن نشر الديموقراطية حالياً حسب المفهوم الأميركي في أنظمة قمعية (العراق ــــ مصر ــــ الأردن ــــ فلسطين) يترجم بصعود أصولية عدائية وتسارع تهميش المسيحيين في هذه البلاد.

3ـــ التحديث في المجتمع العربي

هنا أيضاً أسهم عرب مسيحيون مشارقة في تحديث المجتمع بأساليب متعددة.
3ــــ1 بالنسبة لمصر، أعيد التذكير بـ«جمعية الصعيد المسيحية» التي تأسست منذ ما يقرب من القرن بواسطة الكاهن اليسوعي الأب عيروت بهدف نشر التعليم الأساسي في صعيد مصر. وتبقى هذه الجمعية رائدة في هذا المجال. كذلك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنائس الإنجيلية تدير شبكة كبيرة من الخدمات الاجتماعية والعلاجية الحديثة.
3ــــ2 في لبنان: يبقى المطران غريغوار حداد الوجه الطليعي في هذا المجال، وهو مؤسس «الحركة الاجتماعية» ولولبها منذ خمسين عاماً تقريباً. كان ملهمه بالأساس الكاهن الفرنسي المعروف بـ«الأب بيار» «رسول الفقراء». وقد أسس المطران حداد و«حركته الاجتماعية» شبكة من المراكز الصحية ــــ الاجتماعية في كل لبنان وعدد كبير من النشاطات الأخرى في شتى المجالات. إن هذه الحركة الاجتماعية ومؤسسها كانا من ملهمي الحسّ بالمسؤولية الاجتماعية العابرة للطوائف في لبنان.
يجب أيضاً الإشارة إلى دور سينودس الكنيسة الكاثوليكية من أجل لبنان في النصف الأول من التسعينيات والسينودس الماروني في مطلع الألفين في وعي المسيحيين اللبنانيين لمسؤولياتهم وفي إنشاء مؤسسات للتضامن الاجتماعي في كنائس لبنان الكاثوليكية منذ مطلع تسعينيات القرن العشرين (تعاونيات، ضمان مشترك، تنمية شبكة مؤسسة كاريتاس لبنان والمساكن الشعبية). ولا بدّ من أن نشير إلى حركة مثل الشبيبة العاملة المسيحية وإلى دور النقابيين المسيحيين في تأسيس العمل النقابي في لبنان وقيادته.
وأخيراً فإن جمعية كهنة «البرادو» "Le Prado" المؤلفة من كهنة يعملون في الأوساط الفقيرة و/أو الإسلامية تقوم منذ أكثر من أربعين عاماً بدور فعال وبعيد عن الأنظار في عمل الكنيسة لخدمة الفقراء.
والشبيبة العاملة المسيحية وكاريتاس و«البرادو» وغيرهم يعملون أيضاً بنشاط في مصر والأردن وفلسطين.

4ــــ تحديث الثقافة العربية

وهنا أيضاً، سأعطي أمثلة مأخوذة من قطاعات مختلفة.
في حقل الطباعة والنشر، يبقى لبنان ناشر ومطبعة العالم العربي الأول. ويلعب المسيحيون في هذين القطاعين دوراً طليعياً (دار النهار ــــ دار رياض ــــ نجيب الريس، دار الساقي، دار المشرق، على سبيل المثال لا الحصر). لا أعرف الوضع جيداً في باقي البلاد العربية، باستثناء دور دار الهلال ودار الأهرام في مصر وقد أسسها على التوالي جرجي زيدان وآل تقلا وهم لبنانيون مسيحيون هاجروا إلى مصر وقد تم تأميمهما في الستينيات.
نجد في الصحافة دوراً رائداً لمسيحيي لبنان كصحافيين وأصحاب مؤسسات صحافية. والصحافيون المسيحيون اللبنانيون يشاركون في نشاط قسم كبير من الصحافة العربية في لندن وباريس والخليج. ومعرفتي بباقي البلدان العربية على هذا الصعيد ضئيلة. ومن المؤكد أن انتشار الرساميل العربية النفطية في هذا القطاع وتأسيس صحف تمولها وتديرها هذه الرساميل قد أضعفا هذا الدور بعض الشيء.
بالنسبة إلى الوسائل السمعية ــــ البصرية، فقد أنشأ مسيحيون لبنانيون أولى إذاعات ومحطات تلفزة خاصة في العالم العربي: إذاعة صوت لبنان والمؤسسة اللبنانية للإرسال LBC، في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. تبعهم في ذلك عراقيون، كما أشاد وأدار لبنانيون مسيحيون محطات تلفزة في أكثر من بلد عربي (العراق: بولس تابت، في ليبيا والعراق: بيار الضاهر). كذلك الأمر بالنسبة لتلفزيونات السعودية وغيرها في الخليجلا بد من أن نذكر أيضاً دور المدارس والجامعات المسيحية (جامعة القديس يوسف للآباء اليسوعيين في لبنان، الحكمة في بغداد حتى عام 1967 والجامعة الأميركية والجامعة الأميركية اللبنانية في بيروت أيضاً) في مسيرة المسيحيين الثقافية. هذه المؤسسات كانت ولا تزال حجر أساس لهذا الدور الرائد.
بالنسبة للفنون الغنائية، أذكر دور المطربين اللبنانيين المسيحيين في كل العالم العربي (صباح ــــ فيروز ــــ ماجدة الرومي ــــ جوليا بطرس ــــ نانسي عجرم ــــ وديع الصافي ــــ فيلمون وهبه ــــ زكي ناصيف ــــ جورج وسوف وغيرهم). والشيء ذاته إنما على نطاق أوسع يقال عن الموسيقى والمسرح الغنائيين مع العائلة الرحبانية وتوفيق سكر وغيرهم. كذلك لا بد من الإشارة إلى الدور الاستثنائي الذي لعبه منير بشير وابنه عمر العراقيان اللذان جددا استعمال آلة العود في العالم العربي واستعادا تقاليد العصور العربية الأولى، كحالة ينبغي التوقف عندهاوفي مجال المسرح، نذكر دور المخرجين اللبنانيين المسيحيين: منير أبو دبس، أنطوان ملتقى وزوجته لطيفة، شكيب خوري، ريمون جباره، جلال خوري، روجيه عساف، رئيف كرم وغيرهم. لقد أعادوا بعث المسرح العربي الحديث منذ منتصف الخمسينيات وما زالوا يقومون بذلك.
بالنسبة للفن السابع، لا يمكن إلا أن نذكر دور المخرج المصري (من أصل لبناني مسيحي) يوسف شاهين والممثل عمر الشريف (ميشال شلهوب) ومجموعة من المخرجين اللبنانيين الشباب (مارون بغدادي، فيليب عرقتنجي، نادين لبكي) والفلسطيني (إيلي خليفة) وغيرهم.
لعب مسيحيون لبنانيون دوراً رئيسياً في التعريف بالرسم والنحت في المشرق العربي (الحويك، غصوب، غيراغوسيان، داود قرم، قيصر الجميل وغيرهم) وما زال حضورهم أساسياً وخلاقاً حتى الآن.
أما في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية والفلسفة، فلا بد من الإشارة إلى دور المثقفين المسيحيين المصريين (لويس عوض، أنور عبد الملك، سمير أمين) والسوريين (الياس مرقص، ميشال كيلو وأنطوان مقدسي وغيرهم) واللبنانيين (كمال صليبي وناصيف نصار وغيرهما).
ولا تزال هناك أمور كثيرة جديرة بأن تذكر في هذا المجال عن الدور الثقافي الرائد للعرب المسيحيين، وخاصة الدور المحرك للمؤسسات الثقافية المنبثقة عن الكنائس المسيحية (مدارس، جامعات، مطابع، منشورات، مسارح وغيرها...)

5ـــ تحديث الاقتصادات العربية

وفي هذا المجال، بعدما عرف دور المسيحيين انحساراً بعد تأميمات 1956 و1960 (في مصر وسوريا) عاد وانطلق من جديد في هذين البلدين. ويعود السبب إلى اعتماد تدريجي لاقتصاد السوق. وهذا الانتقال سهّل نشاط رجال الأعمال العرب المسيحيين المشارقة (لبنانيون ومصريون خاصة) في سوريا ومصر والجزائر والسودان الذين ينتقلون هم أيضاً تدريجياً إلى اقتصاد السوق.
كذلك، فإنّ ارتفاع أسعار النفط المتكرر في السنوات 1973، 1974، 1978 و1979 ومنذ سنة 2000 أسهم في نشاط المسيحيين المشارقة الاقتصادي وفي البلدان العربية النفطية.
هنا يمكننا استعراض الوضع في أهم القطاعات الاقتصادية: في الصناعة كان دور المسيحيين واضحاً جداً، إذ إنّ أهم مجموعتين صناعيّتين في لبنان وهما مجموعة ضومط ومجموعة انديفكو (افرام) هي مجموعات مسيحية، إضافة إلى مجموعات أخرى رائدة نشطة.
إن سيرورة تحوّل الاقتصاد في سوريا ومصر إلى اقتصاد السوق سمح ببروز صناعيين مسيحيين مجدداً.
في مجال البناء والأشغال العامة، يجب الإشارة خاصة إلى شركة CCC (سعيد خوري وحسيب الصباغ) وهي مجموعة رجال أعمال فلسطينيين وإلى مجموعة «الكات» و«المباني» اللبنانيتين. والمجموعات الثلاث تنشط خاصة في البلدان العربية النفطية.
في مجال الزراعة الحديثة، لا يمكن إلا أن نشير إلى الدور الريادي للمقاولين الزراعيين المسيحيين في الجزيرة السورية (معمر باشي) منذ الخمسينيات، وغيرهم.
والوضع في لبنان مشابه لبعض هذه النشاطات الزراعية والزراعات الغذائية وتربية المواشي، وهي نشاطات حديثة يقوم بها رجال أعمال من زحلة: كزراعة التفاح والكرمة وصناعة النبيذ. إنتاج البيض والفروج (مجموعتا هوا وتنمية) وفي زراعات جديدة مثل الكستناء والأفوكادو وغيرهما من الثمار الاستوائية.
في المجال السياحي، يبقى الدور المسيحي اللبناني رائداً في سياحة الشواطئ البحرية والتزلج والمطاعم والفنادق، رغم تدفق رساميل النفط على القطاع الفندقي.
وفي سوريا وفلسطين، ينشط المسيحيون في قطاعي الفنادق والمطاعم (شمال غرب سوريا وبعض مناطق الأراضي المقدسة في فلسطين).
في القطاع المصرفي: لعبت المصارف اللبنانية (المسيحية في غالبيتها حتى أواخر الثمانينيات) دوراً رائداً في الشرق العربي منذ الخمسينيات. كما يلعب البنك الأهلي الأردني لآل العشّر دوراً رائداً في الأردن وفي دول أخرى. ما لبثت أن لحقت بهم وتخطتهم مصارف الخليج ابتداءً من 1975 بفعل الحرب اللبنانية وارتفاع أسعار النفط الدائم. ويكفي أن نذكّر بدور «إنترا بنك»، المصرف اللبناني الذي أسسه الفلسطيني اللبناني المسيحي يوسف بيدس، ودوره في لبنان والشرق العربي وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية وفي كل مراكز الانتشار اللبناني المهمة في العالم، كمصرف إيداع وأعمال واستثمار. وهناك مصارف لبنانية أخرى أسسها لبنانيون مسيحيون (البنك اللبناني للتجارة وبنك عودة مثلاً) أسست فروعاً لها في بلدان الخليج في الستينيات والسبعينيات. وثمة مصارف لبنانية عدة يملكها ويديرها لبنانيون مسيحيون أخذت تؤسس هي أيضاً فروعاً لها في السنوات الأخيرة في سوريا (BEMO البنك الأوروبي للشرق الأوسط وبنك الشركة العامة وبنك بيبلوس وبنك عودة) بفعل انتقال هذه البلدان التدريجي إلى اقتصاد السوق.
وأدى تدفق رؤوس الأموال النفطية الخليجية في العقدين الأخيرين على القطاع المصرفي اللبناني إلى بيع مصارف لبنانية مسيحية عدة (البنك اللبناني للتجارة ــــ الاعتماد اللبناني ــــ بنك المتوسط ــــ البنك المتحد للأعمال) أو إلى مساهمة كبيرة في بعض المصارف (بنك عوده وغيره).
ويجب أن نذكر، في قطاع النقل، الدور الريادي للمجموعة السورية اللبنانية رودولف سعاده وأولاده (CMA – CGM) في مجال النقل البحري في سوريا ولبنان وفرنسا. أما في مجال النقل الجوي، فيجب الإشارة إلى أنه منذ الخمسينيات في لبنان، تأسّست شركات جوية لبنانية مثل «الخطوط الجوية اللبنانية» و«الخطوط الجوية الدولية اللبنانية» و«الخطوط الجوية عبر المتوسط» من رجال أعمال لبنانيين مسيحيين. وقد اندمجت الشركتان الأولى والثانية مع شركة طيران الشرق الأوسط تحت اسم «طيران الشرق الأوسط ــــ الخطوط الجوية اللبنانية».
في مجال التجارة الخارجية والداخلية، كان للمسيحيين في العالم العربي تقليد قديم موروث في قسم منه من الامتيازات والحمايات والعلاقات التاريخية مع أوروبا. وقد أخذت التأميمات في سوريا ومصر تقضم هذه الامتيازات في كل مكان تقريباً، باستثناء لبنان.
وفي مجالات الاستشارات الهندسية، لا يمكن إلا أن نلفت الانتباه إلى دور «دار الهندسة الشاعر ومشاركيه» كأول مجموعة عربية في هذا الحقل وخامس مجموعة في العالم. وقد أسسها د. كمال الشاعر، المهندس الذائع الصيت والأستاذ الجامعي ورجل الأعمال والسياسي الأردني المسيحي.

تحرك البطريرك صفير والعماد عون وغيرهما من القوى السياسية المسيحية كان في أساس خروج القوات السورية من لبنان سنة 2005

في عالم الاتصالات، تحتل مجموعة «ساويريس» المصرية القبطية في مصر وفي بعض البلاد العربية الأخرى (الجزائر، سوريا لبعض الوقت)، وغيرها المركز الأول في عالم الاتصالات هذا.
وفي عالم المعلوماتية أخيراً، من الضروري التأكيد في لبنان والشرق العربي على الدور الريادي لمجموعات مثل «استشارات» (فضول) و«شماس» و«عودة» والكثير غيرها وذلك منذ نهاية الستينيات.

6ــــ بعض الاستنتاجات الختامية

إن هذه القراءة السريعة لما أعرفه حالياً عن دور المسيحيين في تحديث العالم العربي تبرز لي ظاهرتين:
الظاهرة الأولى: الانحسار النسبي العائد إلى الديموغرافيا (نسبة نمو أقل من المعدلات الوطنية، وهجرة متزايدة) وإلى تصاعد الأصولية. وكذلك بسبب اللحاق بالتقدم الثقافي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي للأقليات المسيحية من نُخَب الأكثرية بفعل النمو التربوي والفائض النفطي وبسبب إدارة الدولة للاقتصاد لفترات طويلة بواسطة نُخَب بيروقراطية أو عسكرية تحولت في ما بعد إلى عالم الأعمال.
الظاهرة الثانية: المثابرة والنمو في دور رائد في بعض البلدان في مجالات معينة.
ــــ في لبنان ومصر في المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية.
ــــ في سوريا في المجالات السياسية والاقتصادية.
ــــ في الأردن في المجال الاقتصادي والثقافي.
ــــ في السودان في المجال السياسي.
وأخيراً يمكننا القول إن المسيحيين في العالم العربي يواجهون أساساً تحديات ديموغرافية وسياسية مصيرية. والطريقة التي سيتعاملون بها مع هذه التحديات هي التي تحكم مصير دورهم الرائد.
* اقتصادي لبناني