عاماً بعد عام، «يحتفل» الشعب الفلسطيني بذكر النكبة. عاماً بعد عام يتجمّع فلسطينيّو الشتات في لقاءات تكتنفها الكآبة. ترى الصور نفسها: إعادة لنشر صور بالأبيض والأسود عن ترحيل أهل فلسطين. صور عن مفاتيح لبيوت وعن صكوك لأراض لم يغادرها أهلها طوعاً. والذكرى تحوّلت إلى بذاءة في عهد سلام فيّاض (والأخير نسخة طبق الأصل عن فؤاد السنيورة، والاثنان عزيزان على أسوأ رئيس أميركي في تاريخ العلاقات الأميركيّة ــــ الإسرائيليّة) الذي يريد للمقاومة الفلسطينيّة أن تكتفي بإعداد صحن مسخّن عملاق، مثلما أراد فؤاد السنيورة أن يكرّس استضافة العدوّ بالترحاب والشاي كنهج من مقاومة آل الحريري. مجموعة ناشطة في لبنان تعاني مرضاً لبنانياً مزمناً أعدّت كوفيّة عملاقة في ذكرى مؤلمة. ولكن للذكرى معنى آخر


أسعد أبو خليل*
تغيب الأنظمة العربيّة اليوم عن احتفالات ذكرى النكبة. في الماضي، كانت الأنظمة تتسابق لتحويل المناسبة إلى تبجيل للزعيم القائد الخالد الصامد الراصد الحاقد السائد الرائد. كانت الأنظمة تبعث بأسوأ خطبائها والمبتذلين من شعرائها كي يحيوا المناسبة. كانت الأنظمة تنتقي من ممثّلي الشعب الفلسطيني من يتواءم مع الأنظمة مخافة الإحراج. لم يعد ذلك ممكناً اليوم. باعت السعوديّة القضيّة الفلسطينيّة هديّة لرونالد ريغان ـــــ وماشاها في ذلك كل الأنظمة العربيّة ـــــ وباعتها ثانية في مبادرة توماس فريدمان التي اعتنقها الملك السعودي وفرضها على كل الأنظمة العربيّة، بما فيها لبنان وسوريا (الأوّل يعتمد على طائرات الياس المرّ لمقاومة إسرائيل، والثانية تكرّر رجاءها من أجل مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل وهي تنتظر «عودة الجولان»). قرّرت الأنظمة العربيّة، بمشاركة منظمة التحرير الفلسطينيّة منذ 1991 عندما عاقب النظام العربي الرسمي الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة بسبب معارضة الشعب الفلسطيني للغزو الأميركي (الأوّل) للعراق، أن تعصر منظمة التحرير وأن تفرض عليها سلاماً مُذلاً مع إسرائيل إرضاءً لواشنطن.
لن تنفع العودة إلى أحداث النكبة. باتت معروفة. وليد الخالدي مثل غيره روى أحداث تلك الفترة، كما أن المؤرّخ الإسرائيلي العنصري، بني مورس، كشف عن خطط صهيونيّة مبيّتة لطرد شعب فلسطين من أرضه (لكن الجَهَلة في لبنان، من أمثال جبران باسيل، لا يزالون يردّدون كذبة بيع الفلسطينيّين لأراضيهم). نعلم اليوم أن كل الأنظمة العربيّة دون استثناء، وخصوصاً النظام الذي


كيف وعد شكري القوتلي وفداً فلسطينياً برمي قنبلة ذريّة على إسرائيل
تولّى قيادة العمل العربي العسكري المشترك ضد القوات الصهيونيّة، كانت مرتهنة إما لبريطانيا أو لبريطانيا وإسرائيل معاً. وينطبق هذا على لبنان الذي كان تحييده لنفسه في المعارك العربيّة الإسرائيليّة خدمة غير مجّانية لإسرائيل. النكبة، كما قال قسطنطين زريق في كتابه «معنى النكبة» ـــــ الذي يستحق أن يُقرأ مرّة أخرى ـــــ لم تكن بسبب معجزة أو أعجوبة أو عامل الحظ (طلعت حركة فتح ببيان في 1970 بعد وفاة جمال عبد الناصر قالت فيه: «حظك عاثر يا فلسطين»). بل لأن العرب لم يعدّوا العدة للنصر. على العكس، فإن الأنظمة العربيّة جمعاء كانت ناشطة للهزيمة لأن ثمن النصر كان فوق طاقتها، وخصوصاً في سياق ارتهانها للغرب الصهيوني.
لكن من المُفيد أن نلقي نظرة عامّة على عوامل إجهاض مسيرة تحرير فلسطين. أذكر أن الراحل الكبير، شفيق الحوت، سألني مرّة هذا السؤال في ندوة مغلقة في بيروت عن السياسة الأميركيّة نحو القضيّة الفلسطينيّة. أتذكّر الراحل الكبير وأذكر هنا عوامل الإجهاض الكثيرة ومنها:
أولاً، توكيل النظام الأردني شأن الدفاع عن فلسطين وشأن قيادة العمل العسكري المُشترك في الوقت الذي كان فيه النظام مرتهناً لبريطانيا وللحركة الصهيونيّة في آن واحد.
ثانياً، حرص لبنان منذ ما قبل إنشاء الكيان الغاصب على النأي بنفسه عن كل قضايا الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي ومسؤوليّاته، مما حمى الجانب الشمالي من فلسطين المُحتلّة وسهّل مهمة إسرائيل في مواجهة الجيشين السوري والمصري عبر الحروب المتعاقبة. كما أن التعامل مع إسرائيل من جانب فئات سياسيّة نافذة في لبنان سهّل مهمة التآمر على الثورة الفلسطينيّة، وخصوصاً بعد انتقالها من الأردن إلى لبنان عام 1970. وتزامن صعود الثورة الفلسطينيّة في لبنان مع تعميق التحالف بين قوى لبنانيّة والعدو الإسرائيلي. من المؤكّد أن رواية جوزف أبو خليل عن بدء التحالف الكتائبي ـــــ الإسرائيلي إبّان الحرب الأهليّة لم تكن رواية صحيحة. المراجع العبريّة تورد معلومات عن تلقّي حزب الكتائب دعماً ماليّاً إسرائيليّاً منذ الخمسينيات (من المؤكّد أن الرقيب الإسرائيلي الصارم لن يسمح بالإفراج عن معلومات حول تسليح حزب الكتائب منذ الخمسينيات من أجل الحفاظ على مصالح الحلفاء).
ثالثاً، قدرة الولايات المتحدة الصهيونيّة على السيطرة (بالاتفاق مع النظامين اللبناني والأردني بصورة خاصّة) على وضع المخيّمات الفلسطينيّة بعد النكبة مباشرة لإفشال التثوير العفوي الذي كان يعتمر في صدور شعب فلسطين المطرود من أرضه بالقوّة. كما أن دور وكالة غوث اللاجئين لم يكن بعيداً عن الأهداف الأميركيّة.
رابعاً، إيمان الشعب الفلسطيني بقدرة جمال عبد الناصر أو البعث على تحرير فلسطين، مما ساهم في الاتكاليّة القاتلة التي حكمت العمل الوطني الفلسطيني من 1948 حتى 1967. أي إن الشعب الفلسطيني كان يجب أن يشكّك بوعود الأنظمة العربيّة منذ وعد شكري القوتلي وفداً فلسطينيّاً رفيعاً قبل النكبة برمي قنبلة ذريّة على إسرائيل (بعدما استنبطها حدّاد دمشقي ماهر، كما نقل موسى العلمى رواية القوتلي).
خامساً، إن الثقة التي أولاها الشعب الفلسطيني للاتحاد السوفياتي أثناء الحرب الباردة قوّضت بنيان الثورة الفلسطينيّة. يمكن القول إن التحالف الأوّلي بين الجبهة الشعبيّة، مثلاً، والصين كان يمكن أن يكون أكثر جدوى، وخصوصاً أن الصين اعتنقت موقفاً أكثر جذريّة من الموقف السوفياتي في الستينيات وأوائل السبعينيات. كما أن الاتحاد السوفياتي استغل نفوذه مع المنظمات الفلسطينيّة لأهداف لا علاقة لها بتحرير فلسطين (والاتحاد السوفياتي كان ـــــ ولا تزال روسيا من بعده ـــــ يؤمن بتحرير ليس أكثر من 24% من أرض فلسطين التاريخيّة).
سادساً، نجاح الدعاية الصهيونيّة التي بالغت في قدرات استخباراتها عبر العقود، مما ساهم في نشر ثقافة التيئيس والخيبة في أوساط الشعب الفلسطيني والشعوب العربيّة قاطبة. وسياسة التيئيس وزرع الإنهاك وشعارات «بدنا نعيش»، وهي تنتشر في كل الدول المحيطة بإسرائيل، تمثّل نقاط تلاقي بني إسرائيل وتلك الأنظمة العربيّة.
سابعاً، صعود ياسر عرفات ونجاحه في فرض رؤيته على حركة فتح وعلى منظمة التحرير الفلسطينيّة أعطيا الأنظمة الخليجيّة، وخصوصاً السعوديّة، فرصة ضرب الحركة الثورية الفلسطينيّة والتأثير على خياراتها السياسيّة ومساعدة اليمين في ضرب اليسار. ما يُنشر من وثائق بريطانيّة وأميركيّة يظهر مدى الضغط الخبيث الذي كان الملك فيصل يمارسه على قيادة حركة فتح. كان يمكن أن يكون مسار حركة فتح مختلفاً لو أن ياسر عرفات وخالد الحسن والجناح اليميني لم ينجحوا في السيطرة على مقدّرات الحركة (بالمال؟ كما يظن البعض) منذ أواخر الستينيات.
ثامناً، نجحت الأنظمة العربيّة في اختراق المنظّمات الفلسطينيّة من خلال أجهزة استخباراتها، حتى بات لكل جهاز استخبارات تنظيم فلسطيني يقوم بأعمال لا تمتّ بصلة إلى الثورة الفلسطينيّة. يذكر اللبنانيّون والفلسطينيّون أن قائد تنظيم «الصاعقة» اغتيل في «كان» في جنوب فرنسا. لم يقل قبل وفاته إن طريق تحرير فلسطين تمرّ من الشاطئ اللازوردي.
تاسعاً، وفرة المال النفطي، الرجعي و«التقدمي»، سهّلت إفساد المنظمات الفلسطينيّة كافّة وأضعفت قدرتها الثوريّة. أصبحت تلك التنظيمات منصاعة للمصدر المالي الذي سمح بإنشاء بيروقراطيّات حزبيّة (يمينيّة ويساريّة على حدّ سواء) أبعدت العمل الفلسطيني عن الثوريّة. كما أن هذا المال خلق إغراءً كبيراً من حيث توسّع التنظيمات الفلسطينيّة، لكنّه أجهض إمكان الثورة التي تعمل بالسرّ. إن فقر الثورة الفلسطينيّة كان يمكن أن يكون عاملاً في جعلها أكثر فعاليّة.
عاشراً، التناحر البعثي (السوري ـــــ العراقي) أبعد عن الثورة الفلسطينيّة فرصة الحصول على دعم قوي من نظاميْن مثوّرين. كان البعث يعد بالكثير بالنسبة إلى تحرير فلسطين لكن الصراع بين النظاميْن السوري والعراقي أدّى إلى استغلال الساحة الفلسطينيّة لغايات مصلحة كل من النظاميْن. والصراع بين الجناحيْن فرض حسابات على الأجندة الفلسطينيّة لا علاقة لها بتحرير فلسطين.
حادي عشر، إن خط ياسر عرفات ورفع شعار «استقلال القرار الفلسطيني» أدّيا إلى قوقعة الثورة الفلسطينيّة وعزلها وإبعادها عن الهم العربي العام، ممّا أعطى فرصة ذهبيّة في ما بعد من أجل غسل الأنظمة العربيّة أيديها من قضيّة شعب فلسطين. كما أن شعار «استقلال القرار الفلسطيني» لم يكن يعني أكثر من إبدال السيطرة السياسيّة المصريّة أو السوريّة بالسعوديّة.
ثاني عشر، إن الانفلاش الفلسطيني السياسي في ساحة عمان وفي ساحة لبنان (أو في تونس في ما بعد) أضعف الوضع السرّي الاستخباراتي لمنظمة التحرير وسمح لعملاء إسرائيل الكثر بالتسرّب إلى صفوف الثورة الفلسطينيّة بمسمّيات شتّى. إن سريّة عمل مقاومة حزب الله وإفشال كل محاولات إسرائيل لاختراق التنظيم هما عاملان أساسيّان لنجاح حزب الله في مواجهة العدو الغاصب. نجحت إسرائيل عبر السنين في اغتيال عدد هائل من زعماء الثورة الفلسطينيّة. وقد نجحت إسرائيل في اصطياد بعض من أكفأ قادة العمل الوطني الفلسطيني، السرّي والعلني.
ثالث عشر، عمدت منظمة التحرير الفلسطينيّة إلى إقامة علاقات وطيدة مع أنظمة (الكثير منها كان قمعيّاً، وخصوصاً في دول المعسكر السوفياتي) وأهملت إقامة علاقات مع الشعوب من خلال تنظيمات المجتمع المدني. كان الراحل إدوار سعيد يحثّ دائماً منظمة التحرير على إقامة علاقات مع تنظيمات يساريّة أو ليبيراليّة مُتعاطفة مع القضيّة الفلسطينيّة في الولايات المتحدة بدلاً من كسب ود الصهاينة في واشنطن.
رابع عشر، نجحت الحركة الصهيونيّة باكراً في الرهان على الحصان الرابح. ففي 1942، نقلت الحركة الصهيونيّة بقرار من بن غوريون مركز ثقلها «اللوبوي» من أوروبا إلى الولايات المتحدة. ففي ذاك العام، عقدت الحركة الصهيونيّة للمرّة الأولى مؤتمرها السنوي في فندق «بِلتمور» في مدينة نيويورك (تخلط المراجع العربيّة غالباً بين «بِلتمور» ـــــ اسم الفندق المذكور وقد تعرّض للهدم ـــــ ومدينة «بَلتِمور» في ولاية مريلاند) وذلك لتكريس اتخاذ الولايات المتحدة مقرّاً خارجياً للحركة الصهيونيّة. وقد أصدر المؤتمر بياناً حدّد فيه للمرّة الأولى ومن دون الغموض المقصود الذي وسم بيانات الحركة الصهيونيّة عبر العقود، هدف إنشاء الدولة. اسم الدولة، «الكومنولث»، ورد في البيان بالإضافة إلى إدراج الدولة المنشودة ضمن إطار دول «العالم الحرّ». لم يعِ العرب يومها أهميّة قرار الحركة الصهيونيّة في التمركز بالولايات المتحدة. طبعاً، فإن للحركة المذكورة أرضاً خصبة بسب الجالية اليهوديّة الحاضنة، فيما كان معظم المهاجرين العرب يختبئون وراء أسماء أميركيّة لطمس المعالم.
خامس عشر، لم تسع الأنظمة العربيّة إلى تنسيق جهودها في حروب فلسطين، وذلك بسب الصراعات الداخليّة والحزازات الحزبيّة. كيف يمكن توقّع عمل عربي مشترك في حرب 1967 والخلاف بين عبد الناصر والبعث أو بين البعث والملك حسين أو بين عبد الناصر والملك حسين كان على أشدّه. حاول هؤلاء إيهام شعوبهم بأن الحرب التي سيشنونها على إسرائيل وعمليّة التنسيق العسكري على عجل لا تستغرقان إلا أياماً معدودة.
سادس عشر، تم بناء الجيوش العربيّة الحديثة على أساس إنقاذ النظام لا إنقاذ الأرض أو الوطن أو فلسطين. فالألوية «الجمهوريّة» أو الحراسات «الوطنيّة» كانت ولا تزال تتنعّم بأحدث الأسلحة والتجهيزات، فيما كان حرس الحدود يتلقّى ما بقي من خزائن الخردة. لم تنظّم الجيوش العربيّة على أساس تحرير فلسطين (أو حماية الأرض)، كما أن الدول الغربيّة التي رعت تسليح الجيوش العربيّة وإعدادها حرصت بعناية على عدم تحضير الجيوش لمواجهة إسرائيل. وعليه، فإن الولايات المتحدة تعطي الهبات والعربات للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي من أجل تحضيره لمواجهة التمرّد الداخلي والمخيّمات الفلسطينيّة، لا غير. أما مواجهة إسرائيل فما كانت الولايات المتحدة وبريطانيا لتسمحا بها. كما أن الاتحاد السوفياتي لم يمنح العرب أحدث ما لديه من أسلحة كما فعلت الولايات المتحدة مع إسرائيل.
سابع عشر، أخطأت جبهة الرفض الفلسطينيّة التي كان يمكن أن تشكّل جبهة متراصّة ضد التكتّل العرفاتي والنهج التسووي في السبعينيات عندما سلّمت أمرها للنظام العراقي الصدّامي. خسرت إمكان العمل المستقل وفتحت أبوابها أمام الاختراقات الاستخباراتيّة من كل حدب وصوب.
ثامن عشر، لا شك بأن أنور السادات شكّل ظاهرة سياسيّة فريدة وناجحة (من منظار إسرائيل والولايات المتحدة) في القرن العشرين. نستطيع أن نقول إن السادات الذي افتقر إلى الشرعيّة الشعبيّة وإلى التأييد الجماهيري العربي ترك أثراً أكبر بكثير من أثر جمال عبد الناصر. مسح السادات التركة الناصريّة عن بكرة أبيها. لا نزال نعلم القليل عن الظروف التي صاحبت صعود السادات وعن الدور الأميركي (أو الإسرائيلي) الذي رعى هذا الصعود، لكن جمال عبد الناصر نفسه يتحمّل مسؤوليّة كبيرة في انتقائه وفي رمي السلطة في أحضانه بعد وفاته. نجول بأنظارنا في العالم العربي ونرى عمق تأثير المدرسة الساداتيّة في انتهاج الصلح الذليل مع إسرائيل وفي سياسة ما يُسمّى الانفتاح الاقتصادي الرأسمالي البشع. نجح أنور السادات في خدمة الحركة الصهيونيّة أكثر من أي عربي آخر، وأكثر من الهاشميّين. تحمل مبادرة السلام الذليل العربيّة بصمات أنور السادات في كل بنودها (بالإضافة إلى بصمات توماس فريدمان، واضعها).
تاسع عشر، نجحت إسرائيل وداعمتها الولايات المتحدة في تحييد الجارتين الأردنيّة واللبنانيّة، ممّا سهّل على إسرائيل الانقضاض على الثورة الفلسطينيّة داخل فلسطين وخارجها، ومواجهة مصر وسوريا قبل وفاة عبد الناصر. ومن المعلوم أن لبنان رفض طلباً سوريّاً قبل حرب 1967 لنشر قوّات من الجيش السوري على الأراضي اللبنانيّة. وكان يمكن هذا النشر التخفيف من صدمة ضربة 5 حزيران.
عشرون، قرّر العرب الثقة بوعود الأمم المتحدة ووساطاتها، فيما قرّرت إسرائيل تجاهلها تماماً حتى في حقبة الحرب الباردة عندما كانت الأمم المتحدة تمثّل توازناً معيّناً في العلاقات الدوليّة. لو أن العرب تعاملوا مع الأمم المتحدة بصلافة وصلابة ورفض منذ قرار التقسيم في عام 1947 لكان العمل العربي المشترك (وهو لم يكن يوماً مُشتركاً) أكثر فعاليّة (نظريّاً على الأقل).
حادي وعشرون، إنشاء سلطة أوسلو في رام الله سمح لإسرائيل والولايات المتحدة بتشكيل سلطة على غرار «جيش لبنان الجنوبي» تخدم الاحتلال الإسرائيلي وتنبذ الكفاح المسلّح وتلاحق «مرتكبيه». كما أن السلطة تلك تتلقّى التجهيز والتمويل من الولايات المتحدة كي تحمي ظهر إسرائيل بصورة وكيلة عن الاحتلال. ياسر عرفات، رغم كل أخطائه ـــــ وهي جسيمة ـــــ رفض حتى اللحظة الأخيرة تقديم ورقة الكفاح المسلّح مجّاناً، مع أنه أبدى استعداداً لتسلميها وفق شروط معيّنة. أما مَن خَلفه، فقد سارع إلى نبذ خيار الكفاح المسلّح مجّاناً.
ثاني وعشرون، إن هزيمة 1967 كانت محطّة تاريخيّة هامّة في تاريخ الصراع العربي ــــ الإسرائيلي. لو أن الأنظمة العربيّة بقيادة جمال عبد الناصر لم تنجرّ لها (والتوريط كان نتيجة مزايدات محمومة ذات اليمين من الأردن وذات اليسار من النظام في سوريا)، أو لو أن النظام المصري لم يوكل إلى عبد الحكيم عامر مهمات قيادة القوات المسلّحة، أو لو أن الجيش المصري لم يتورّط في حرب اليمن التي خاضتها السعوديّة بالنيابة عن الولايات المتحدة ومستفيدة من أسلحة إسرائيليّة، لكان ميزان القوى بين العرب وإسرائيل لم يختل إلى هذه الدرجة الفظيعة عشيّة الحرب.
ثالث وعشرون، نجحت إسرائيل في ضخ أفكار خبيثة من ضمن حرب نفسيّة ساعدتها الأنظمة العربيّة ـــــ عن تواطؤ عند البعض وعن جهل عند البعض الآخر ـــــ على نشرها في ربوع العالم العربي. رغم فشل الاستخبارات الإسرائيليّة في كثير من المحطّات، وقبل سنوات وعقود من فضيحة كشف اغتيال المبحوح في دبي، فإن الاستخبارات الإسرائيليّة نجحت في العلاقات العامّة أكثر ما نجحت في حقل العمل الاستخباراتي العام. طبعاً، قدرة إسرائيل على تفجيرات عشوائيّة لم تعنِ أنها كانت عالمة بأمور خفايا التنظيمات الفلسطينيّة. لم تعرف إسرائيل حقيقة تنظيم «أيلول الأسود» إلا بعد نشر مذكّرات أبو داوود.

المال النفطي الرجعي و«التقدمي» سهّل إفساد المنظّمات، والأنظمة العربيّة نجحت في اختراقها بأجهزة استخباراتها
رابع وعشرون، استطاعت إسرائيل بالإرهاب والعنصريّة السيطرة البوليسيّة على الشعب الفلسطيني داخل أراضي 48. تعاملت بوحشيّة لأنها كانت تعلم أن قدرتها على السيطرة وعلى سرقة الأرض الفلسطينيّة تتطلّب فرض نظام عنصري قاس في داخل فلسطين المحتلّة. كما أن الدولة الغاصبة قصدت أن تقتص من الشعب الفلسطيني الباقي كعظة لمن حوله.
هذه الجردة ليست جردة حساب لصراع انتهى. وليست إعلان ختام لحرب استمرت أكثر من قرن، وستدوم. هذه الجردة وقفة فقط مع طبيعة أسباب إجهاض عمليّة تحرير فلسطين. تغيّرت الأسماء وإعلان الأهداف، لكن الأمر بالنسبة للشعب الفلسطيني في المخيّمات وتحت الاحتلال لم يتغيّر. عمليّة تطويع الرأي العام الفلسطيني على يد سلام فيّاض ومحمد دحلان لم تصل إلى مبتغاها من حيث توقّف ثورة شعب فلسطين. أزمة الصهيونيّة تتفاقم رغم ترسانة إسرائيل النوويّة والبيولوجيّة والكيميائيّة. مثلها مثل مصير النظام العنصري في جنوب أفريقيا (صدر للتوّ كتاب موثّق عن العلاقات بين الدولة العبريّة والنظام العنصري في جنوب أفريقيا: «الحلف غير المَحكي عنه: علاقة إسرائيل السريّة بأبرثايد جنوب أفريقيا» لساشا بولاكوف سورانسكي). كان النظام العنصري يمتلك أقوى جيش في القارّة الأفريقيّة، بالإضافة إلى برنامج نووي متقدّم. لكن كل ذلك ذهب هباءً تحت ضغط نقمة الأكثريّة السوداء. مثل جنوب أفريقيا، ستتحوّل إسرائيل إلى حاشية بالمنظار التأريخي لمنطقتنا. لكن تحضير طبق «مسخّن» عملاق لا يفي بالغرض، مثلما أن صحن الحمّص العملاق لم يحمِ لبنان من عدوان إسرائيل.
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)