إيلي شلهوب

ما جرى هذا الأسبوع في الملف الإيراني بالغ التعقيد والحساسية، وفيه من المتغيّرات ما يُرسي أساساً لمرحلة جديدة بمعادلات مختلفة. حساب الربح والخسارة لا يزال مبكراً، وإن كانت طهران وواشنطن قد حققتا تعادلاً سلبياً بسقوط بعض رهاناتهما. هناك أولاً الرهان الأميركي على فشل المساعي التركية والبرازيلية. كانت إدارة أوباما، ولا تزال، تسعى إلى إجماع في مجلس الأمن على عقوبات جديدة على إيران. واعتقدت، على ما يبدو، أن فشل أنقرة وبرازيليا في مسعييهما حيال طهران سيدفع بهما إلى تأييد عقوبات كهذه. لهذا السبب جاء التشجيع الأميركي لهما، وللسبب نفسه حصل الارتباك الأميركي الذي استمر ساعات بين الترحيب والتعبير عن استمرار القلق وانتهى بإعلان كلينتون التوجه نحو العقوبات. كان الاعتقاد السائد في الإدارة الأميركية أن هناك من الصراعات داخل النظام الإيراني ما يمنع الخروج باستراتيجية موحدة، وبالتالي التوصل إلى اتفاق.
وهناك أيضاً رهان طهران على سحب السجادة من تحت أقدام الولايات المتحدة في ما يتعلق بالعقوبات، وإن رفض الغرب عرضها الجديد. التعويل كان حصراً على بكين مع بعض الأمل على موسكو. كان يتوقع أن تستغل الصين «الاتفاق الثلاثي» للتملص من أي التزامات في هذا الشأن حيال واشنطن.
الرهان الأول سقط بقرار إيراني. كانت طهران تبحث عن درع دبلوماسية وجدتها في أنقرة وبرازيليا، اللتين صودف أنهما حالياً عضوان غير دائمين في مجلس الأمن حيث تبحث السلطات الإيرانية عن محامي دفاع. بلدان تحركهما الرغبة بقيادة عالمية وإحساس بامتهان لكرامة تسعى برازيليا إلى التعويض عنها بإيجاد موطئ قدم دولي يعكس قوتها الاقتصادية الناشئة وواقعها باعتبارها «سلة الخبز» المستقبلية للعالم. كذلك حال أنقرة التي تحاول أن تجعل نفسها أكثر جاذبية للاتحاد الأوروبي بأداء أدوار إقليمية حساسة. عاصمتان تربطهما بطهران علاقات اقتصادية ممتازة، وخاصة أنقرة (التبادل التجاري 10 مليارات دولار، مع ما يعنيه من خطر عدوى الأزمات).
لا بد من أن إيران، عندما أخذت قرار الاستجابة لجهود تركيا وبرازيليا بتوقيع اتفاق يُعَدّ نجاحه بوابة عبور لهما إلى نادي الكبار، كانت تأخذ في الاعتبار أيضاً اقتراب 12 حزيران، الذكرى السنوية الأولى للانتخابات الرئاسية الأخيرة، مع ما يعنيه ذلك من مسعى إلى تحقيق إنجاز سياسي يجهض أي تحرك للمعارضة المترنحة، أو على الأقل، إرجاء العقوبات المتوقعة في مجلس الأمن لأسابيع، بما يحرم هذه المعارضة استغلالها.
في المقابل، كانت واشنطن تراهن في ألا يشطح الرئيس البرازيلي بعيداً عن رغباتها، على طموح بلاده، صاحبة المبادرة الأساسية، إلى الفوز بمقعد دائم في مجلس الأمن، إضافة إلى طموح لولا إلى أن يكون أول رئيس غير أميركي للبنك الدولي أو أمين عام للأمم المتحدة بعد انتهاء ولايته الرئاسية الثانية والأخيرة.
أما الرهان الثاني، فقد سقط بقرار روسي صيني لا شك في أنه أصدق تعبير عن نجاح الاستراتيجية الأميركية التي رأت إجماع الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن وتضامنها أكثر أهمية من تفاصيل العقوبات، التي سيُعوَّض ضعفها بأخرى أحادية، أميركية وأوروبية، تأخذ مشروعيتها من القرار الدولي المزمع استصداره.
اختارت بكين وموسكو، برغم الفارق بينهما، أن تقفا في الوسط. تأييد للاتفاق الثلاثي، وللعقوبات الدولية، مع رفض للعقوبات الأحادية. الأول كان للحد من الأضرار في علاقتهما بطهران، والثاني تجنباً للصدام مع واشنطن في ملف تعدّه من أولوياتها الخارجية والأمنية، والثالث للحد من الأضرار على شركاتهما المتعاملة مع إيران.
لكنّ لهذين القرارين أسباباً أخرى متعددة. هناك استياء روسي أكيد من تفضيل إيران نقل اليورانيوم إلى تركيا بدلاً من روسيا، وما يعنيه من ثقة أكبر بأنقرة تثير مخاوف موسكو من اتفاق محتمل على مد خط أنابيب غاز يصل تركمانستان بأوروبا عبر الأراضي الإيرانية والتركية يكسر احتكار موسكو تزويد هذه المادة لأوروبا، فضلاً عن الصفقة التي دفعت واشنطن ثمنها تعليق العمل بالدرع الصاروخية، والتي لم تكشف تفاصيلها بعد، علماً بأنها شملت ثماني جولات تفاوض بشأن إيران بين أوباما ومدفيديف عام 2009. أصلاً علاقة طهران بموسكو في تراجع منذ سنوات لاختلاف حسابات كل منهما.
وهناك كذلك استياء صيني يعود إلى أمرين: حقيقة أن طهران لم تصدّق إلا على جزء قليل، ولم تبدأ تنفيذ إلا جزء أقل، من صفقة عقود تطوير نفطي وافقت عليها هي وبكين بقيمة 20 مليار دولار. وواقعة أن المسؤولين الإيرانيين اعتمدوا سياسة التضليل والتتويه مع وفد صيني جاءهم إلى طهران قبل أسابيع للتفاوض على أسس مشتركة للتعاطي مع «وكالة الطاقة»، فضلاً عن الابتزاز الأميركي لبكين تحت عنوان أن واشنطن، بغياب العقوبات، لا تستطيع كبح ضربة إسرائيلية ستعرّض للخطر خطوط الطاقة إلى الصين حيث الأمن الاقتصادي أولوية الأولويات.
لكن السبب الرئيسي يبقى أن بكين، التي أوقفت بحث هذا الملف مع واشنطن في كانون الثاني وشباط بعد صفقة الأسلحة لتايوان واستقبال أوباما للدلاي لاما، تبدو أكثر حرصاً حالياً على استقرار العلاقة مع أميركا ولو تكلفت بعض الأضرار في العلاقة مع طهران. أضرار يسعى الدب الروسي إلى تعويضها بعلاقات أفضل مع العم سام، في ظل تقديرات بتوجه نحو استبدال الشراكة القديمة الروسية ـــــ الإيرانية بتحالف تكتيكي تجاري إيراني ـــــ تركي.