strong>همام الرفاعي*

لا تخلو الدعوة العلمانية اللبنانية، شأنها شأن سائر مظاهر الاجتماع اللبناني، من طرافة سياسية ومن شعائر كرنفالية. لقد حافظت على نفسها رغم مرور مياه كثيرة تحت الجسر كصنم مكرّس من أصنام الكوزموبوليتية البيروتية. الكل متواطئ معها والبعض لا يتذكر أو يريد أن ينسى أن العلمانية كانت مفردة مركزية من مفردات خطوط تماس الحرب الأهلية المقيتة؟ استخدمها اليمين واليسار أحياناً كيوتوبيا وكثيراً كفزاعة. مفردة لم يجرِ تفكيكها والتعاطي معها أكاديمياً ومن منطلق النقد الثقافي. الكل يهواها ولا أحد يريدها. إنها العشيقة التي يغازلها الجميع قبل أن يعودوا آخر النهار إلى زوجاتهم. وعندما ننظر إلى أنفسنا نكاد نحتار من فينا العلماني حقاً؟ وفي أي مقبرة يُدفن العلمانيون حين يموتون؟ العلمانية تكاد تكون موقفاً فلسفياً (دينياً؟) يفتقر غالباً إلى ترجمة سياسية فعلية. اليساريون الطفوليون المتشربون بنزعة بورجوازية وثقافوية والمترفعون عن الحركات المطلبية، المناضلون الذين لم تصافح يدهم يد فلاح واحد أو عامل واحد في حياتهم مغرمون بالعلمانية.
فما هي هذه العلمانية ولماذا يهلل لها على أنها أحدث موضة في لبنان؟ أسئلة ساذجة تطرح مثل: هل تستطيع أن تتخيّل البطرك والمفتي والشيخ وقد امتنعوا عن حديث السياسة؟ وإنه من الصعب على المرء أن يفهم لماذا يريد يسار يصف نفسه بالديموقراطية حرمان رجال الدين (أو المتدينين) من الحق في التعبير عن آرائهم السياسية. فالمنع أو التحرج لا يتناول فحوى رأي معين أو وجهة نظر معينة قد يتفق أو يختلف معها المرء بل حق رجل الدين (أو الإنسان المتدين) في التعبير من أساسه! ماذا تعني الدعوة إلى العلمانية في عالم اليوم بعد انهيار الأيديولوجية السوفياتية وظهور العولمة الثقافية والحرب على الإرهاب؟ لقد أصبح العرب والمسلمون ذميين بلا منازع، ليس في بلاد الغرب وحدها، بل في معظم بلدانهم الأصلية. والبلد الوحيد الذي وصل فيه الإسلاميون ديموقراطياً إلى السلطة هو تركيا البلد العلماني بامتياز، فيما استعادت أوروبا الغربية الناكصة عن علمانيتها مقولة القرون الوسطى التي تقول بأن الإسلام هو العدو وحيث يتبارى اللاساميون الجدد على التحرش بالمسلمين والتضييق عليهم. ولقد أصبح النظام الرأسمالي العالمي المنخور بالفساد رباً يُعبد يكاد اليساريون المشاغبون على هيمنته المطلقة يوصمون بلوثة المرض العقلي، صنم مؤله لا يعبأ بصراخ اليسار والمدافعين عن البيئة أو بالاحتجاجات الخجولة للكنيسة الكاثوليكية ومستعد دائماً لسحق حركات الاحتجاج الإسلامية وتطويعها. وحتى لا يتسرع البعض ويتهمنا بالرفض المتعصب والأصولي للرأسمالية، هل من داع للتذكير بتأكيد كارل ماركس نفسه على الطابع التقدمي المرحلي للرأسمالية؟ وحتى لا يذهب سوء الظن بعيداً بالبعض ويتهمنا بالتبرير لعنف بن لادن وأمثاله، نقول: ليست كل حركة احتجاج بممتلكة تصوراً واقعياً وعقلانياً لطبيعة التناقضات الاجتماعية وبنيتها. هذه مسلّمة يمكن البت بها بسهولة بإلقاء نظرة على تاريخ حركات الاحتجاج في الغرب والشرق. وإن كانت العلمانية قد خرجت عملياً من ميدان النقاش الأيديولوجي الجدي واعتراها ما اعترى السرديات التاريخية الكبرى من جمود وترهل، إلا أن اللبنانيين لم يأخذوا أبداً العلمانية على محمل الجد. وقد ساهم هذا إلى حد كبير في إنقاذها وعدم إخراج المصطلح من مفردات التداول السياسي حتى يومنا هذا. ولا ريب في أن السخرية السياسية هي الشكل السردي الأدبي المفضل عند اللبنانيين على اختلاف طوائفهم، وهي تنبثق من طريقة خاصة جداً في فهم الحدث السياسي اللبناني. ويمكن الزعم على نحو عام أن الخطاب العلماني اللبناني هو أحد تجليات القدرة الاستثنائية على الحكي الفكاهي الممتزج بوعي سياسي شقي بحدود الكيان اللبناني وإمكاناته. بلاغة العلمانية اللبنانية هي بلاغة الخطاب المولع بمفارقات اللغة السياسية الطائفية والساخر من أحداثها وشخوصها. إنها شعرية تتكوّن عبر الاكتشاف المستمر للفراغات الكوميدية التي تكاد تكون مجهولة أو المسكوت عنها بعناية في الخطاب السياسي الرسمي الذي يجهد ليقنع صراعات الطوائف وخوفها شبه المرضي بعضها من بعض. وإذا سلّمنا جدلاً بأن هدف العلمانية اللبنانية هو إيصال رسالة سياسية معينة، فإنها تحقق هدفاً وطنياً قد يبدو بدائياً أو حتى ثانوياً للبعض، وهو تطعيم الخطاب السياسي اللبناني برشحات هزلية واحتفالية. وقد تراوح العلمانية اللبنانية بين حد الدعابة والسخرية التي تشير إلى الطائفية السياسية أو تتناول ظاهرتها بالنقد وحد الاحتجاج الصارخ الذي ينبع من رفض عميق للتركبية الاجتماعية. للسخرية جانب صحي بلا ريب. تتأمل السخرية العلمانية الطوائف بموقف ذهني نقدي غالباً ما يكون مشحوناً بالعدائية وممتزجاً في الوقت عينه بجرعات متفاوتة من التحسس والانزعاج والشعور بالمهانة والظلم إزاء كفر الطائفيين بنعمة العقل وتقوقعهم وانغلاقهم وغبائهم، ناهيك عن عجزهم أمام انفلات غرائزهم وشهواتهم في السيطرة والاستحواذ والتحكم. وإذا كانت عرضية الدنيا موضوعة كلاسيكية في الأدب القرآني من جهة القول إن المال والسلطة والغلبة لم ولن تجعل ابن آدم خالداً لأنه سيجيء اليوم الذي سيوقن فيه أنه إنسان فانٍ وأنه ليس له إلا ما كتبت يداه على صحائف ضميره: فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون (سورة المطففين، 34)، فالسخرية العلمانية تعزف على الثيمة نفسها من زاوية أن السلطة لا تجعل من زعماء الطوائف أذكى أو أرقى بل تكاد تكون نافذة ليدخل منها شيطان الكبر والفتنة فيكفر ملتزمو الحروب الأهلية الدورية بإنسانيتهم وينقلبون عدواً لمحكوميهم، يقاتلونهم في لقمة عيشهم ويهضمونهم حقوقهم. وليست هذه اللمحة إلا تعبيراً عن روابط عميقة سرية بين الرؤية الدينية القدسية للعالم والعرف الدنيوي السياسي الضاحك. والحق أن الاستهزاء بالأصنام والطواغيت عبادة ومتعة. والتاريخ العربي الإسلامي يحتفظ لنا بهذه اللحظة التاريخية الرائعة التي استهزأ فيها المسلمون المستضعفون بالأصنام وأذلّوها وأزاحوها. ويكاد المرء يتساءل لماذا لم يخطر على بال الفنانين العرب والمسلمين طيلة قرون إحياء هذه السنّة النبوية الشريفة عن طريق إقامة كرنفال سنوي ثقافي للسخرية من أصنام الطوائف والأحزاب وتحطيمها.
وبالعودة إلى الكرنفال العلماني اللبناني، يتساءل المرء ماذا الذي يعنيه هؤلاء الذين يتراقصون في الشوارع ويطالبون بالعلمانية. فلبنان دولة علمانية منذ تأسيسها وتشريعاتها وضعية تماماً ومستقاة من التشريعات الأوروبية والغربية. الدولة اللبنانية علمانية أكثر من مواطنيها فبماذا يطالب هؤلاء؟ هل يطالبون باستحداث طائفة علمانية؟ وهل سيحل وجود هذه الطائفة الجديدة، الموجودة أصلاً ولكن غير المسجلة، مشكلة


لقد أصبح العرب والمسلمون ذميين بلا منازع ليس في بلاد الغرب وحدها، بل في معظم بلدانهم الأصلية
الطائفية في لبنان، وماذا ستكون حصتها في الوظائف ونسبة تمثيلها في المجلس النيابي والوزارات؟ إذا كان المقصود هو قانون الأحوال الشخصية، فهو ليس قسرياً ولا إلزامياً ومن لا يعجبه قانون الأحوال الشخصية الخاص بطائفته وما ينفك يحاضر بالعلمانية ليل نهار، فليغير طائفته. ليس موضوع الإيمان معاملة حكومية للزواج أو الطلاق بل هو ما وقر في القلب وصدقه العمل. ولكن هل من المبالغة إذا زعمنا أن كثيراً من العلمانيين ما فعلوها ولن يفعلوها إلا إذا كان المقصود بالزواج العلماني إضافة مصطلح هزلي جديد إلى قاموس الأوساط الشبابية التي تتداول مصطلحات ما أنزل الله بها من سلطان كالمصاحبة والمرافقة والزواج العرفي أو الكتاب البراني والزواج الإباحي، إلخ. وإذا كان المقصود هو تعزيز الانتماء والمواطنة، فالمواطنة تحتاج إلى وطن وهوية ثقافية طبيعية ومتماسكة لا إلى كيان في مهب الريح. ليس كل مساحة أرض يقتطعها الغزاة عن محيطها الجغرافي الطبيعي وعن تاريخها وامتداداتها الثقافية والحضارية يمكن أن تكون وطناً، إلا إذا كان المقصود وطناً يعيش حرباً أهلية دائمة، سواء كانت هذه الحرب ساخنة أو باردة، بصواريخ الراجمات أو عبر القنوات التلفزيونية، وسواء كانت مسوغات هذه الحرب هي العلمانية أو إلغاء الطائفية، أو إلغاء الطوائف بعضها بعضاً. هل العلمانية اللبنانية أكثر من مادة لنفاق البورجوازية المدينية المغتربة عن ثقافتها والمتغربة؟
قبل أن تطالبوا بالعلمانية كان يجدر بكم أن تتعرفوا على أنفسكم وعلى طائفتكم وتتصالحوا معها. ربما يكون هذا مقدمة للتعرف على طوائف أخرى وللتصالح معها أيضا. لو عاد العلمانيون إلى طوائفهم واشتغلوا على التقريب بين الملل والنحل المتنازعة، لكان ذلك أجدى، فلبنان الغارق في أزماته ليس بحاجة ماسة إلى طائفة جديدة.
* كاتب لبناني