تطرح كترمايا أسئلة كثيرة، أهمّها: لماذا اتخذ ردُّ بعض أهل القرية على الجريمة، التي يُشتبه في أنّ محمد سليم مسلّم ارتكبها في حقّ جدّين من آل أبو مرعي وحفيدتيْهما، طابعَ الثأر، لا العدالة؟ وهل كان تصرّفُهم سيختلف لو كان محمّد لبنانياً؟ ولماذا يشيع بعضُ المصريين أنّ حزبَ الله هو المسؤول عن قتل مسلّم والتنكيل بجثّته؟


سماح ادريس*
كُتب الكثير عن هلهلة مهنيّة الدولة اللبنانيّة، حضوراً وأمناً وتحقيقات، في جريمة كترمايا الأولى (قتل الجدّين والحفيدتين)، والثانية (سحْب محمد مسلّم من بين عناصر الأمن اللبنانيّ أثناء تمثيله الجريمة كما يبدو، ثم ضربه، وطعنه، وملاحقته إلى المستشفى، وقتله، والتمثيل بجثّته، وتعليقه على عمود كهربائيّ، وجرّه، ووضعه على مقدّمة سيارة بيضاء). بل إنّ أجهزة دولتنا لم تكشفْ لنا حتى اللحظة ملابساتِ عملٍ إجراميٍّ أسبق، قد يكون وثيقَ الصلة بالجريمتين: عنيتُ ما يُتداول عن إقدام محمد قبل شهرين على الاعتداء على قاصر أو اغتصابها (تردّد أنها في التاسعة من عمرها، وقيل في الثالثة عشرة، أو الخامسة عشرة). فبعد شهرين أو يزيد على الحادثة المزعومة، لا نعرف إذا كانت هذه القاصرُ هي التي رفضت الزواجَ به أمْ أختها؛ ولا إذا كان قتلُ محمد للجدّ يوسف أبو مرعي (والضحايا الآخرين) نتيجةً لرفض يوسف طلبَ محمّد أن يتوسّطَ لدى أهل الفتاة لإقناعهم بالزواج منه؛ ولا إذا كان والدُ القاصر هو مَن اغتصبها وأنّ محمداً كان ينوي «سترَ الفضيحة» بالزواج منها لأنه أحبّها (بحسب رواية أمّ محمد). وحتى اللحظة لا نعرف لماذا أُطلق سراحُ محمد بعد أقلّ من شهر على واقعة الاعتداء أو الاغتصاب إنْ صحّت؛ ولا نفهم كيف بقي يصول ويجول في القرية (التي تبيّن لاحقاً أنها «لا تسكت على ضيْم») لو حدث أنه اغتصب إحدى قاصراتها فعلاً.
فإذا انتقلنا إلى جريمة قتل الجدّين والحفيدتين تزايدت اشتباهاتُنا في هلهلة أجهزة الدولة. فنحن لا نفهم لماذا اقتيد محمد إلى مكان وقوع الجريمة قبل مضيّ 24 ساعة على ارتكابها، أيْ في أوج الهيجان الكترماويّ؟ ألتحقيق «نصرٍ» أمنيّ لبنانيّ، معزَّزٍ بالكاميرات، على ما يشاع؟ ولماذا لم ترافِقْ محمداً سوى حفنةٍ (ستة أو سبعة أو ثمانية) من العناصر الأمنيّة اللبنانيّة؟ ولماذا لم يُحمَ مستشفى سبلين، حيث رقد محمد مضرّجاً بدمائه بعد ضربه وطعنه؟ وأين كان رجالُ الأمن بعد مدة طويلة من سحب محمد من المستشفى، وتحديداً أثناء «المهرجان» الشعبيّ الحاشد، الذي شهد تعليقَ الجثّة من حلقها (طوال 15 دقيقة وقيل 20)، قبل جرِّها، ومن ثم عرضِها على مقدّمة السيّارة؟ ولماذا لم تصل الدوريّتان إلا بعد ساعة أو أكثر على حصول المهرجان، لنقل الجثّة خارج القرية؟
إنّ عدم ثقة الكترماويين بأجهزة الدولة بعد إطلاقها سراحَ مَن يؤمنون بأنه اغتصب إحدى قاصراتهم لهُو بالتأكيد أحدُ أسباب قرارهم «أخْذَ العدالة بأيديهم»، بل هو السبب الذي أعلنوه بأنفسهم بلا أدنى لبْس. فلقد تيقّنوا من أنّ الدولة تراخت في محاسبة محمد «مغتصِباً»، وأنها من ثمّ قد تتراخى في محاسبته «قاتلاً»، لذا فإنّ عليهم أن يبادروا بأنفسهم إلى المحاسبة. ولا ريب في أنّ قتل محمد جريمةٌ كقتل الحفيدين والجدّين، وبصرف النظر عن عدد الضحايا ومَن البادئ؛ كما أنّ اغتصاب الفتاة (إنْ حدث فعلاً) هو بمثابة قتلٍ معنويٍّ لها منذ يفاعتها. غير أنّ وصفَ جريمة الكترماويين بأنها فعلٌ «لاعقلانيّ» يرمي بالمسؤوليّة كلّها على عاتق المجتمع الأهليّ، ويعفي الدولة من تقصيرها في توفير الأمن أولاً (كي لا تحصلَ حوادثُ الاغتصاب والقتل أصلاً) وتوفير العدالة (بعد ذلك). هذا من جهة.
ومن جهة ثانية، فإنّ وصف جريمة الكترماويين باللاعقلانيّة يُظهرها خارج التاريخ، لا خارج العقل وحده. وواقعُ الأمر يشهد أنه لا تكاد صفحةٌ من تاريخ لبنان تخلو من القتل والذبح والسحل وكلّ أشكال الثأر: من عام 1860، فمجازر الكرنتينا والمسلخ وسبنيه وحيّ الغوارنة والشوف وطرابلس والمخيّمات بدءاً من عام 1975... بل لا مبالغة في القول إنّ سفّاحي لبنان وجزّاريه قد يفوقون مبدعيه ومثقفيه عدداً. نعم، قد يدرّسوننا أنّ لبنان بلدُ الحرْف وجبران ونعيمة والريحاني وسعيد عقل و«شعر» (وربما «الآداب» إيهاماً بالموضوعيّة)، ولكنهم يتناسوْن أنّ بلدنا هو أيضاً بلدُ أبو الموت وأبو الجماجم وأبو الخوف وأبو الريح وأبو اللهب... كي لا نذكر «أبَواتٍ» آخرين يلبسون اليوم ثوبَ الدولة وينادون بالوفاق والتعايش. فلا تستخفّنّ بذاكرة الناس يا سفيرَ لبنان في مصر، خالد زيادة، بالزعم أنّ «فكرة الثأر أو الانتقام الجماعيّ ليست من العادات اللبنانيّة» (صحيفة الرأي الكويتيّة). وكفانا، يا وزيرَ الداخلية ويا وزيرَ العدل، أسفاً على «صورة البلد» التي «ساءت» في الخارج بسبب أحداث كترمايا؛ فصورتنا سيّئة في الخارج من قبل أن نُخلق يا سادة، رغم شهرة «نبيّ» جبران في الغرب، ورغم إنجازات مغتربينا (الفعليّة والوهميّة). وإذا استطعتم أن تنزعوا من أمام عيون «المجتمع الدوليّ» صورَ الضرب والطعن والتعليق والجرّ في ساحة كترمايا، وقبلها صورَ الضحايا الأربع المذبوحة والمشوّهة في بيت أبو مرعي، فكيف ستنزعون صورَ المجازر وشرْبِ الشامبانيا على جثث القتلى أثناء الحرب الأهليّة اللبنانيّة (وهي لبنانيّة أساساً وفعلاً، لا «حربُ الآخرين» على أرضنا كما يقول غسان تويني)؟ وكيف ستفسّرون لـ«المجتمع الدولي» صورَ التهليل والتكبير وهتافِ الأطفال وزغاريدِ النسوة (أليس هؤلاء جزءاً من «المجتمع المدنيّ» الذي فلقتمونا به؟) احتفاءً بالثأر من محمد مسلّم؟ وكيف ستحْجبون صورَ رنا أبو مرعي، المفجوعةِ بطفلتيها ووالديها، وهي تتظاهر احتجاجاً على اعتقال الأجهزة اللبنانيّة ثلاثةً ممن يُشتبه في ضلوعهم في قتل محمد، لكونها تعتبرهم منفّذي عدالة تخلّت عنها الدولة؟ ثم إنّ علينا، أيها السادة، بالمناسبة، ألا نأبه كثيراً بـ«صورتنا» تجاه دول التحضّر المزعومة (التي لا تنبس ببنت شفة إزاء قمع الأنظمة العربيّة وحوادث ضرب الأعناق وقطع الأيدي ورجم الزناة في بلد عربيّ مُوالٍ لها)، بل تجاه أنفسنا ومواطنينا إنْ كنّا حريصين فعلاً على قيم الحريّة والعدالة والمساواة: فنتوقف عن تبرير الطائفيّة بحجّة أنّ «لبنان هيك»، ونكرّس حقَّ الشباب في الانتخاب والترشّح، ونشرّع حقوقَ المرأة كاملةً وبلا منّة، ونصون حقوقَ العمّال الأجانب، ونرفع «الأبارتهايد اللبنانيّ» عن كاهل فلسطينيي لبنان خاصّة!
ومن جهة ثالثة، فإنّ وصف عمل الكترماويين باللاعقلانيّ واللاحضاريّ يغفل، سهواً أو عمداً، أنّ «الوحشيّة» كانت ولا تزال صنوَ «الحضارة»... لا نقيضَها. فلم يقم توحيدٌ، ولا قامت دولةٌ «متحضّرة»، إلا على جثث الآلاف، بل الملايين، من الضحايا. وربما كان على دولتنا الحريصة على «صورة لبنان» في عيون الأميركيين تحديداً أن تتذكّر ما اقترفه المستعمرُ الأبيضُ ضدّ شعب أميركا الأصليّ من وحشيّة أين منها جريمةُ الكترماويين: من حروب جرثوميّة (93 حرباً جرثوميّة ضدّ شعب أميركا الأصليّ، من بينها الحصبة والجدري والطاعون)، وسلخِ فرواتِ رؤوس الهنود (رصد المستعمرون البيضُ منذ عام 1664 مكافأةً لمن يأتي برأس هنديٍّ أو بفروة رأسه للتأكّد من هويّة الضحيّة، وطلب أحدُ الرموز الوطنيّة الأميركيّة الكولونيل جورج روجرز كلارك إلى الجزّارين أن يتمهّلوا في سلخ فروات 16 رأساً هندياً وأن يعطوا شرحاً تفصيلياً لما يفعلونه كي تستمتعَ حاميتُه بالمشهد أعظمَ استمتاع!). والأهمّ أنّ «حضارة» الغرب الرأسماليّ اليوم قائمة لا على القتل الدمويّ المباشر فحسب، بل على القتل «الناعم» أيضاً: بالحصار (مليون طفل عراقيّ مات بسبب الحصار الغربيّ المسنود عربياً، مَن يذْكرهم اليوم؟)، ونهبِ الشركات، والتعذيب بالواسطة (أيْ على يد الأنظمة العميلة للغرب وسجونه السريّة).

■ ■ ■


هل كان محمد سيموت تلك الميتة البشعة لو كان لبنانيّاً؟
إنه سؤالٌ افتراضيّ لا أعتقد أنّ أحداً يملك إجابة حاسمة عنه، وإنْ كنتُ أرجّح أن تكون الإجابة: نعم. والأمر نفسُه سينطبق على جريمة مماثلة تقع في مصر، أكان الجاني مصرياً أمْ غيرَ مصريّ. لكنّ ذلك لا ينفي أن تكون بعضُ المشاعر العنصريّة اللبنانيّة ذاتَ أثرٍ ما في قتل محمد مسلّم أو تأجيج هيجان الجناة ضدّه، ولا سيّما إذا صحّ ما تناقلته الأنباءُ عن إطلاق بعضهم هتافَ: «اقتلوا المصريّ!». ومهما يكن الأمر، فإنّ السؤال عن الدافع العنصريّ المحتمل في جريمة قتل محمد مسلّم يَفرض نفسَه، بلا ريب، بسبب الجوّ العنصريّ اللبنانيّ العامّ ضدّ الأجنبيّ الغامق البشرة، اللاأوروبيّ، في العادة؛ وهو جوٌّ تندمج فيه، غالباً، مشاعرُ الطائفيّة أو المذهبيّة أو الطبقيّة. إنه الجوّ عينه الذي دعا المرحوم بيار أمين الجميل إلى التمييز بين الكميّة (يقصد المسلمين عامةًَ وفقراءَ الشيعة خاصةً) والنوعيّة (يقصد مسيحيي 14 آذار وحلفاءهم). وهو الجوّ ذاته الذي حثّ البعضَ على التعبير عن تقزّزه من روائح الشواء والنراجيل و«بيوتِ الخلاء» في اعتصام المعارضة في ساحة رياض الصلح قبل أعوام. وهو الجوّ نفسه الذي يدفع لبنانيين كثيرين إلى استخدام ألفاظ وتعبيرات عنصريّة ضدّ العرب («الجَرَب»، «العرْبان»)، والسود («العبيد»)، والأكراد («حاجي تستكردني؟») والحبشيين («عمْ تستحبشني؟ مفكّرني حبشي؟»).

■ ■ ■


هذا في لبنان. فماذا عن مصر؟
في حوار هاتفيّ أجرته معي منى الشاذلي على فضائيّة «دريم» مساءَ السبت 1/5/2010، فوجئتُ بأنّ ثمة جوّاً في مصر يشيع أنّ حزبَ الله هو مَن قتل محمد سليم مسلّم، ونكّل بجثته، انتقاماً من أحكام قضائيّة مصريّة قاسية صدرتْ في 28/4/2010، وقضت بالسجن مدداً تتراوح بين ستة أشهر و25 عاماً على 26 متهماً من أعضاء مجموعة تابعة للحزب «تسعى إلى زعزعة الاستقرار» في البلاد؛ فيما يَجزم الحزبُ أنّ الخليّة كانت تهدف إلى مدّ المقاومة في غزّة بالسلاح. والحق أنّ الشائعات الكاذبة المتداولة في مصر عن هويّة أهل كترمايا المذهبيّة والسياسيّة (فهم ليسوا شيعةً، ولا من حزب الله، بالتأكيد!) تستند إلى بنية عميقة من مشاعر الخلاف السنيّ ــــ الشيعيّ القديمة، التي أجّجتْها الإمبرياليّةُ الأميركيّةُ منذ احتلال العراق عام 2003، وانتصارِ المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة (الشيعيّة التكوين أساساً منذ أواخر الثمانينيّات من القرن الماضي) عام 2006. وبدءاً من ذلك العام بدأتْ أنظمةُ الاعتدال (الاستسلام) العربيّة الحديثَ عن «الهلال الشيعيّ»، و«الخطر الشيعيّ ــــ الإيرانيّ»... علماً بأنّ سياساتِ إيران المذهبيّة في العراق كانت وتبقى، يا للمفارقة، داعماً كبيراً لمنطق تلك الأنظمة، وعاملاً رئيساً في التأزم السنّيّ ــــ الشيعيّ، والقوميّ العربيّ ــــ الإسلاميّ، في البلدان العربيّة.
ترى، هل الشائعات المصريّة الكاذبة بلا توجيه أو تخطيط رسميّين؟ يصعب تصوّرُ ذلك، نظراً إلى تغلغل الاستخبارات والأمن في الإعلام المصريّ (والعربيّ عامةً). وفي كلّ الأحوال، فإنّ إطلاقَ هذه الشائعات تصرّفٌ حقيرٌ في حقّ شعب مصر، وحقّ المقاومة اللبنانيّة، خدمةً لنظام شائخ، بل مائت، لم يبقَ حتى اللحظة على قيد الحياة إلا بفضل ثلاثة «مُصولٍ» مغروزةٍ في شرايينه: مصْل خارجيّ هو الدعم الأميركيّ ــــ النفطيّ بالسياسة والمال والسلاح، ومصْليْن داخليين يتمثّلان في القمع الأمنيّ الشرس، وكذبةِ «السيادة المصريّة». ولعلّ المصلَ الأخيرَ أن يكون أبرزَ مصلٍ لاأخلاقيّ يستخدمه النظامُ وأبواقُه، في السنة الأخيرة بوجهٍ خاصّ، تبريراً لهيمنته الداخليّة على المجتمع ومؤسّساته، وتسويغاً لتقاعسه عن محاربة إسرائيل والولايات المتحدة: من افتعال خلاف مصريّ ــــ جزائريّ سخيف على خلفيّة مباراة في كرة القدم، إلى تلفيق أكاذيب عن تهريب مخدّرات ونساء من/أو إلى مصر عبر الأنفاق الغزّاوية، فإلى الزعم بأنّ أعضاءَ خليّة حزب الله كانوا يستهدفون قلبَ النظام في مصر، وانتهاءً بتسريب أنباء ملفّقة عن مسؤوليّة شيعة حزب الله عن قتل العامل المصريّ محمد مسلّم. وكلّه في سبيل توريث جمال يهون... يا حسني!
نعم، من حقّ الحكومة المصريّة، ومن واجبها، أن تطالبَ بالكشف عن ملابسات جريمة قتل أحد رعاياها في لبنان، وإنزالِ العقوبة بمرتكبيها. ولكنْ من واجبنا أن نطالب تلك الحكومة بالإصرار على الكشف عن ملابسات الاغتصاب أو الاعتداء الجنسيّ (إنْ صحّ)، وجريمةِ القتل المربّعة.

وصف عمل الكترماويين باللاحضاريّ يغفل أنّ «الوحشيّة» كانت ولا تزال صنوَ «الحضارة» لا نقيضَها

ومن حقنا أن نتساءل أيضاً: إذا كانت الحكومة المصريّة حريصة على مواطنيها إلى ذلك الحدّ، فلماذا سكتتْ عمّا اقترفته إسرائيلُ في حقّ جنود ومواطنين مصريين طوال عشرات السنين (راجع مقالتي في مجلة الآداب، عدد 1ــــ3، 2010)؟ وكيف دبّت مشاعرُ «حقوق الإنسان» فجأةً بالنظام المصريّ الذي تمارس قوى أمنه شتّى أنواع الضرب والعنف والبلطجة ضدّ الناشطين؟ ومن منّا نسي التظاهرةَ السلميّة التي نظّمتها حركةُ شباب 6 أبريل الشهرَ الماضي احتجاجاً على تمديد حالة الطوارئ منذ عقود وطلباً للمزيد من الحقوق السياسيّة، وكيف ردّت الأجهزةُ الأمنيّة المصريّة باعتقالات واسعة وإجراءات بالغة الوحشيّة؟ وكيف تبرّر السلطاتُ المصريّة، في محافظة الفيوم، اعتداءها على الدكتور طه عبد التوّاب (الذي دخل في غيبوبة جرّاء ذلك) لمجرّد ممارسته حقه الدستوريّ في التعبير السلميّ عن رفضه للأوضاع السائدة في مصر وتأييدِه للسيّد محمد البرادعي؟ وكيف تردّ الحكومة المصريّة على الفقرة الآتية من تقرير منظمة العفو الدوليّة بتاريخ 3/3/2010 (وهي منظمة لا نحسب أنّها موالية لحزب الله أو إيران)، وتتعلّق بانتهاكات رجال الأمن المصريّ حقوقَ الإنسان بحجّة «مكافحة الإرهاب»، مع أنّ هذه الحجّة تُستخدم أيضاً «لاعتقال المدوِّنين والمنتقدين السلميين». فبموجب قانون الطوارئ:
«يستحوذ ضبّاطُ مباحث أمن الدولة على سلطات قبض واعتقال واسعة للأفراد الذين يروْن أنهم يمثّلون تهديداً للأمن والنظام العامّ، أو يُشتبه في أنّ لهم صلات بالإرهاب. وقد استخدموا هذه السلطاتِ للقيام بعمليّات اعتقال جماعيّة... وجرى اعتقالُ أقارب المشتبَه فيهم، وتهديدُهم، والإساءةُ إليهم. كما أُخضع المعتقلون للاختفاء القسريّ لمدد تصل إلى عدّة أشهر، يُزعم أنّ العديد منهم تعرّض أثناءها للتعذيب...».
إذاً، لا نعتقد أنّ النظام المصريّ (ولا غيرَه من الأنظمة العربيّة من المحيط إلى الخليج) حريصٌ على راحة أبنائه وكرامتهم وسلامتهم. لكنّ حادثة قتل محمد سليم مسلّم جاءت فرصة سانحةً، على ما يبدو، لكي يذرفَ هذا النظامُ دموعَ التماسيح على رعاياه، ولينْصبَ أمام المصريين أعداء إضافيين غيرَ الجهة التي تذلّهم وتنتهك حريّاتِهم وتتركهم لقمةً سائغةً للـ«قطط السمان» وتعزلهم عن محيطهم القوميّ العربيّ وتخلق شقاقاً مصطنعاً بينهم وبين الشعب الفلسطينيّ في غزّة و«شيعةِ» المقاومة في لبنان!

■ ■ ■


لقد كانت كترمايا في الأيام الماضية مسرحاً لتشابك أمراض كثيرة تنهك المجتمعَ العربيّ: من غياب المهنيّة في أجهزة الدولة، إلى تغلغل الأمن في الإعلام الرسمي العربيّ، وانتهاءً بسيادة المشاعر المذهبيّة والطبقيّة (وربما العنصريّة). ويبدو أنّ علاج هذه الأمراض لا يمكن أن يكون داخل كلّ قطر فحسب، بل يستدعي أيضاً تطبيقَ منظومة فكريّة متجدّدة، أسميناها في ما مضى: العروبة الجديدة. غير أنّ هذه ستكون موضوعاً لمقالات أخرى.
* رئيس تحرير مجلة الآداب