إيلي شلهوب

مع عودة الأسرى وتشييع الشهداء، يكون الجانب التراجيدي من مجزرة الفجر قد نُحّي جانباً، لمصلحة التثمير السياسي الذي يبدو واضحاً أنه يجري على نار هادئة في أكثر من ساحة، داخلية وإقليمية ودولية، ويتميّز بإدراك جميع الأطراف المعنيين (باستثناء بني عرب!)، لحساسية الموقف وانفتاحه على أكثر من احتمال.
إدراك كهذا لعلّه يفسّر قبول إسرائيل، في موقف نادر، تأليف لجنة تحقيق دولية (من أكثر من دولة) يرأسها أميركي، في محاولة مزدوجة تستهدف أوّلاً الحؤول دون «غولدستون 2» مع ما يمكن أن يسبّبه من عاصفة قانونية قد لا تتمكن واشنطن من احتوائها على غرار ما فعلت في تقرير غولدستون، وثانياً الاستجابة لأحد شروط تركيا، بيت القصيد كما بات معروفاً، في «خريطة الطريق» التي رسمتها من أجل تطبيع العلاقات مع الدولة العبرية (وتتضمن أيضاً) تحرير الأسرى وفكّ الحصار عن غزة.
وإذا كان الرهان على السيناريو الأول محفوفاً بالمخاطر، لكون الساحة التي يتحرك فيها (الأمم المتحدة وأجهزتها الفرعية) صعب التحكّم في حركتها لتعدّد الأطراف داخلها واختلاف قدرة كلّ منها على التأثير مع ما تحتويه آليات عملها من ثغر تفتح المجال للخداع والتلاعب، يبقى الحصان التركي الأكثر ضماناً والتزاماً، فضلاً عن أن تأثيره المباشر أكبر وأكثر فاعلية.
حصان حركته تضبطها جهة واحدة لا غير: السلطات الحاكمة في أنقرة، التي بات واضحاً أن سياستها الخارجية تتماهى بالمطلق مع مزاج الشارع، على ما أظهرته وحدة الصف التركي في مواجهة المجزرة ـــــ الأزمة: عسكر ومدنيون، موالاة ومعارضة في خندق واحد.
صحيح أن الإسرائيليين كانوا من الغباء والسذاجة بحيث استطاعوا استفزاز المشاعر الشوفينية التركية بالاعتداء على سفينة ترفع العلم التركي في المياه الدولية وقتل مواطنين أتراك مدنيين ورمي بعض جثثهم في البحر، لكن ليست هذه المشاعر وحدها ما حرّك البركان التركي. وقائع الأشهر الماضية، منذ موقعة دافوس حتى اليوم، تُظهر بما لا يدعو إلى الشك أن الدفاع عن الحق الإسلامي العربي الفلسطيني بات أحد ثوابت السياسة الخارجية التركية. والسبب بكل بساطة أن حكام أنقرة أدركوا أنه إذا كان لتركيا أن تؤدي دوراً في هذه المنطقة يؤهّلها لأن تكون دولة عظمى جذابة للاتحاد الأوروبي والغرب عموماً، فإن طريقها الوحيد يمرّ عبر القدس.
هي حكاية مصالح إذاً. رؤية جديدة للمصالح القومية التركية (بحسب ما يراها قادة «العدالة والتنمية» ومنظّرهم أحمد داوود أوغلو) صدف أنها تتماهى مع اقتناعات أبناء هذا البلد وحكامه الجدد (وفلسطين بالنسبة إلى معظمهم قضية وجدانية، وخاصة أردوغان). النتيجة: تعزيز للحضور التركي في الخارج، ولشعبية الحزب الحاكم في الداخل.
لكن هذا كلّه لا يعني أبداً، على ما قد يعتقد البعض، أن تركيا غيّرت جلدها. أنها انتقلت إلى جبهة الرفض من المنادين بزوال إسرائيل، أو الساعين إليه. أن تكون قد قطعت شعرة معاوية مع الدولة العبرية، إلى غير رجعة. أن تكون دخلت الخندق نفسه الذي تتمترس فيه إيران أو حزب الله أو حتى «حماس» الذين لا شك تدعمهم وتؤيّد حقوقهم بكل ما أوتي لها من وسائل وأدوات، لكنّها تبقى مختلفة عنهم في القلب والقالب.
تركيا دولة تنتمي إلى محور الاعتدال. تبحث عن «صفر مشاكل». إسلامها صوفي مسالم، أرادته إدارة جورج بوش نموذجاً يُحتذى، خلافاً لجهادية «حماس» وكربلائية إيران وحزب الله. غربية الطراز أوروبية الهوى أميركية الامتداد «أطلسية» التحالفات. تسعى إلى الاندماج في الغرب. أن تكون بوابته إلى العالمين العربي والإسلامي. تعترف بإسرائيل وهي مستعدة لأداء دور الوساطة من أجل التوصل إلى تسوية شاملة في المنطقة...
لكنها طبعاً، كما بات مؤكداً، دولة اعتدال لها كرامة. دولة مسالمة لها كبرياء. دولة غربية تسعى إلى إحقاق الحق. تُحالف أميركا، لكن ليس على حساب اقتناعاتها ومصالحها. تسعى إلى تسوية تريدها عادلة ومنصفة... هذا بالضبط ما جعلها مختلفة ومتميزة عن المعتدلين العرب. زمرة مخنثين يعيشون من أجل الكرسي ـــــ العرش. وليس المقصود هنا أيّ إيحاءات من نوع آخر، بل إشارة إلى حال العجز (راجع مقررات وزراء الخارجية العرب)، حتى عن السير على أقدامهم. همّهم الوحيد حفظ البقاء (على ما يروي داروين). من أجله يبذلون الغالي والنفيس (ليس الكرامة من بينها، لأن لا قيمة لها لديهم). يسجدون لإلههم القاطن في البيت الأبيض، ويصلّون لملائكته من محتلّي فلسطين. عدوّهم واحد أحد: شعوبهم التي كانت حيّة ذات يوم قبل أن ينهكها الركض خلف لقمة العيش، أو ينهشها فيروس الطائفية والمذهبية، وهو للمناسبة أشدّ فتكاً وانتشاراً من الإيدز، لكونه ينتقل أيضاً عبر الصوت (حتى لو كان مصدره التلفزيون أو الراديو) والنظر. إسلامهم لخدمة السلطان، لشرعنة وجوده وحكمه وجرائمه، ولتبرير ثراء حاشيته وفحشها، وفقر أبناء شعبه.
ويسألون لماذا انطفأ نجم مصر، وخفت وهج السعودية، وتوجّهت أنظار السنّة العرب إلى الآستانة الجديدة؟