عصام العريان *

استخدم الإخوان المسلمون في انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى المصري (2010) عدة سياسات واستراتيجيات ووسائل يحسن التوقف عند بعضها لإلقاء المزيد من الضوء عليها، لفهم طريقة عمل الإخوان المسلمين ومنهجهم في المجال السياسي، حيث يصرّ الإخوان على إحياء قيم إسلامية ومبادئ أخلاقية في ممارستهم السياسية.
أولاً: تقدم الإخوان بعدد محدود لا يتجاوز الـ20% من المرشحين، ما أثار بعض التساؤلات. فقد ترشح 14 مرشحاً وقليل من الاحتياطيين.
هذا يعني أمرين: أن الإخوان لم يسعوا في هذه الانتخابات للحصول على أغلبية في المقاعد المتنافس عليها، بل يرغبون في إثبات وجودهم وحضورهم السياسي ومشاركتهم في الحياة السياسية إثباتاً لشرعية وجودهم، والآخر أنهم يتركون مجالاً واسعاً للتنسيق مع المرشحين الآخرين من الاتجاهات الوطنية الأخرى الراغبة في الإصلاح والتغيير.
وهذا يتسق مع السياسة العامة للإخوان التي تأخذ بمبادئ عدّة قد تغيب عن ذهن المراقب والمتابع، مثل: التدرج في الخطوات، والإصلاح الشامل في كل المجالات وليس مجرد التركيز على المجال السياسي أو البرلماني فقط، والتعاون التام مع بقية الأطراف السياسية من أجل حشد كل الجهود المخلصة دون احتكار للساحة، وعدم القفز إلى نتائج سريعة قد تؤدي إلى انتكاسات خطيرة كما حدث في بعض البلاد، وتدريب الإخوان والناس على أهمية المشاركة والمراقبة والتعاون.
ثانياً: كان وجود مرشحين احتياطيين مثيراً للدهشة لدى البعض، وهو أسلوب استخدمه الإخوان منذ عام 1987 حتى الآن.
ولإزالة الدهشة عند هؤلاء علينا أن نتوقف عند 3 مشاهد في هذه الانتخابات.
1ــــ في دائرة «المنتزه» بالإسكندرية، رشح الإخوان أستاذين جامعيين وسبّب الجدل حول تفسير المادة المتعلقة بأداء الخدمة العسكرية الطّعنَ عليها معاً، فكان قرار المحكمة باستبعاد المرشح الأصلي والإبقاء على المرشح الاحتياطي الدكتور حسين إبراهيم الأستاذ بكلية الزراعة، وأصبح هو مرشح الإخوان الوحيد في الإسكندرية.
2ــــ في أسخن الدوائر حالياً بكفر الشيخ، دائرة «مطوبس ودسوق وفوة»، ترشح 3 فقط: مرشحة الحزب الوطني التي شطبت المحكمة اسمها لصدور حكم قضائي نهائي بات ضدها، ما أفقدها أحد شروط العضوية، وشطبت أيضاً في مفاجأة اسم المرشح الأصلي للإخوان، فأصبح المقعد بالتزكية للمرشح الثالث (د. محمد وهبة) الذي كان هو المرشح الاحتياطي للإخوان إذا التزمت اللجنة العليا للانتخابات بأحكام المحكمة الإدارية ولم تلجأ الحكومة كعادتها للالتفاف على الأحكام.
3ــــ في دائرة «بندر المنصورة»، قرّر الإخوان الدفع بالمرشح الاحتياطي الأستاذ صفوت عبد القادر إلى جانب مرشحهم الأصلي د. عبد الحميد رشاد للمنافسة على المقعدين معاً في استثناء للقاعدة، حيث ترجح لديهم الفوز بالمقعدين معاً ولقوة المرشح العمالي الذي أصبح أصلياً.

الإخوان لم يسعوا في هذه الانتخابات للحصول على أغلبية في المقاعد المتنافس عليها، بل لإثبات وجودهم وحضورهم السياسي
يبقى في النهاية أن عدد مرشحي الإخوان بقي في نهاية المطاف حول العدد المقرر مركزياً دون كثير زيادة.
وعلى الجميع أن يدرك أن هناك فوائد أخرى للمرشحين الاحتياطيين، سواء على مستوى التربيطات الانتخابية أو الإجراءات القانونية وغيرها، ما يجعل لهذه السياسة أثرها الفعّال واستمراريتها.
وهناك درس تربوي ودعوي وسياسي قد يغفل عنه الذين يتنافسون على المقعد لمصالح شخصية، أو الذين يمارسون السياسة دون قواعد أخلاقية، وهو أن الإخوان حين يقدمون مرشحاً فإنهم يقدمون حاملاً لبرنامج وراعياً لمبادئ وليس مجرد شخصية لها وزن وثقل انتخابي فقط، وهذا هو أسلوب الأحزاب الحقيقية المستقرة ذات المناهج الثابتة والواضحة.
وكذلك فإن الإخوان يدّخرون العديد من الرموز والكفاءات القادرة على خوض الانتخابات بدعم جموع الإخوان وتأييدهم وليس اعتماداً على كاريزماهم الشخصية أو قدراتهم المالية كما يفعل الحزب الوطني مثلاً.
وأيضاً فإن التنافس بين الإخوان هو على خدمة المبدأ والهدف وليس للحصول على المنفعة أو المصلحة، ولذلك لا نسمع عن مرشح منشق على الإخوان كما أصبح ذلك ظاهرة لدى الحزب الوطني.
ثالثاً: استخدم الإخوان المسلمون تكتيكاً انتخابياً جديداً لأول مرة، وهو الدفع ببعض نواب مجلس الشعب للترشح على مقاعد مجلس الشورى.
وقد أراد الإخوان تحقيق أهداف عدة من هذا الأمر:
1ــــ الاستفادة من خبرة هؤلاء النواب في أول اختراق لهم لمجلس الشورى ليثبتوا كفاءاتهم في مجلس من المفترض أن يضم الخبرات الجيدة والعقول النيّرة، حيث قضى بعض هؤلاء من 10 ــــ 15 سنة في البرلمان.
2ــــ حضور هؤلاء النواب في دوائرهم لمدة طويلة وشعبيتهم الواضحة التي مكنتهم من الاحتفاظ بمقاعدهم لأكثر من دورة برلمانية.
3ــــ إفساح المجال في الدوائر الأصلية لمجلس الشعب لبروز كفاءات برلمانية وشعبية جديدة في عملية إحلال وتجديد للدماء.
وإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة أن الفصل التشريعي الحالي قارب على الانتهاء، فإنه لا خسارة تتحقق بالنسبة لمقاعد هؤلاء في مجلس الشعب، فسيحتفظون بمقاعدهم حتى نهاية الفصل التشريعي حيث يُخيّرون وفق القانون بعد فوزهم بين عضوية أحد المجلسين.
رابعاً: اعتمدت دعاية الإخوان المسلمين في انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى على دعائم عدة:
1ــــ تقديم برنامج واضح ومحدد على المستوى الوطني تنفيذاً لشعار الإخوان العام «الإسلام هو الحل»، ليجيب عن تساؤلات الحيارى بشأن تفاصيل هذا الشعار وتطبيقاته على كل المجالات، كما كتب فضيلة المرشد العام مقالاً لتوضيح معنى الشعار.
2ــــ إتاحة الفرصة لكل مرشح لتقديم برنامج محلي لدائرته الانتخابية، يلبّي مطالب الدائرة الخدمية ويحقق لهم أملاً في صوت حر ينقل مطالبهم إلى مؤسسات الدولة، حيث لم يعد للمواطنين باب سوى رصيف مجلسي الشعب والشورى بعد انسداد كل القنوات
الشرعية.
3ــــ الاعتماد على الاتصال المباشر بالمواطنين عبر حملات طرق الأبواب والحوار الحرّ حول قضايا الوطن وكيفية الإصلاح الشامل على منهج الإسلام الصحيح، وذلك بعد التضييق المستمر على المؤتمرات الانتخابية وتمزيق اللافتات، وحرب الشعارات، ومنع المواكب الانتخابية وحصار كل وسائل الدعاية متذرعين بالتعديلات الدستورية والقانونية التي ما زالت محل نزاعات قضائية ولا يمكن الاعتداد بها في بلد متدين بفطرته منذ قديم الأزل، منطلقين من تصور خاطئ أن نجاح الإخوان سببه شعاراتهم الانتخابية وليس وجودهم الحقيقي، وأن الإخوان فقط هم الذين يخاطبون ضمير الناس الديني بينما يلجأ كل المرشحين إلى ذلك إمّا صادقين كالإخوان الذين يحملون منهج الإسلام الصحيح لهداية البشر، وإمّا غير ذلك من مدّعي التدين الذين لا يراهم الناس وسطهم بين المصلين بالمساجد إلا أوقات الانتخابات.
خامساً: فتح باب التنسيق مع كل المرشحين الصادقين الوطنيين المنتمين إلى القوى السياسية أو المرشحين المستقلين، وهذا حديث يطول شرحه وسنعود إليه عند الحديث عن انتخابات مجلس الشعب المقبلة إن شاء الله.
* قيادي في حركة الإخوان المسلمين في مصر