حسان الزين

يشهد البلد صخباً في المجلس النيابي. يخال المواطن، وهو إزاء هذه الحركة، أن الأمور الدستورية والسياسيّة على أفضل ما يرام، لكن الحقيقة تُخالف ذلك. المسألة لعبة سياسية مشهديّة تهدف، من ضمن ما تهدف، إلى إبعاد الحكومة من الانفجار. وإن كانت من نتائج هذا حماية الحكومة إلا أن ذلك ليس الغاية النبيلة في ذاتها، والحماية حالة مؤقتة.
الوقت ليس للشارع الآن، هذا هو العنوان. والبلد على فوّهة بركان، فلا بد من أن يتنفّس، أو يتنفّس الطاقم السياسي، من ثغرة ما، هي حاليّاً المجلس النيابي. المجلس النيابي بهذا المعنى هو المسرح الذي تؤدّى فيه الأدوار. لا لعب خارجه، ممنوع. هذا ما يفسّر مسارعة رئيس الحكومة إلى التفاوض مع أساتذة التعليم الثانوي والاتفاق معهم على حلٍّ هو في الأساس إقفال ثغرة بركانية، أكثر منه رغبة في معالجة أمور اجتماعيّة. واستعادة خاطفة لأدوار الأفرقاء السياسيين الموجودين في رابطة الأساتذة وفي السلطتين التنفيذية والاشتراعية توضح أسباب المسارعة إلى الحل. فهؤلاء الأفرقاء كانوا إزاء تحرّك الأساتذة مرتبكين، لا هم مع تحرك الأساتذة ولا هم قادرون على الوقوف في وجهه. وقفوا في معظم الوقت صامتين تاركين الطابة في ملعب رئيس الحكومة. وهذا، أي الرئيس، لم يستوعب بداية تحرّك الأساتذة، وإن كان يمكن القول إن وزير تربيته لم ينقل له الصورة، فإنه أيضاً حسِبَ أن الرابطة تتحرّك بمشيئة خصومه السياسيين، فاستغرب أن يكون هؤلاء معه في الحكومة وفي ما يشبه الاتفاق على الهدنة السياسية، وفي الوقت نفسه يتحرّكون في رابطة أساتذة. ولعل مصدر استغرابه أن يأتي تحرك من نقابة بينما اللعبة في البرلمان، فحتّى في البلديات التي تُصوّر أحياناً كبرلمان درجات محليّة، لا رغبة للطاقم السياسي في نقل اللعبة السياسية إليها.
على الرغم من هذا، لا يبدو البرلمان قادراً على احتكار اللعبة السياسية واختزالها، هو ليس مخوّلاً دستورياً لذلك، ولا مواهبه تستوعب هذه المهمة. البرلمان الحالي بدل من ضائع، هو نادٍ أكثر منه مؤسّسة للتفاعل السياسي، بالرغم من كونه منتخباً. العطب البنيوي هذا ليس جديداً، بل من قبل الولادة. فمذّاك تأكّدت استحالة تجدّد معادلة الأكثريّة والأقليّة، وتأكّدت معها صوريّة المجلس. صحيح أن دوراتٍ أخرى أنتجت برلماناتٍ مشابهة، وربما أسوأ، إلا أن الظروف الراهنة تزيد من بؤس الحالي. وفوق أن هذا المجلسَ استمرارٌ للسابق، فإن التغييرات التي أُجريت عليه لم تُضف إليه شيئاً ذا نكهة. ولا رهان في هذا المجال على أشخاص.
الظروف كشفت المجلس الحالي وتعرّيه، على عكس ما توحي اللعبة السياسيّة. الظروف أسرع من المجلس البليد. لم يتآمر الطاقم السياسي على نفسه حين أَنتج هذا المجلس، ولا يتآمر على نفسه وعلى المجلس حين يلعب فيه، محاولاً الإيحاء أن ثمة روحاً في ساحة النجمة. هذا هو الطاقم السياسي، سواء أكان في الحكومة أو في المجلس النيابي أو في الأحزاب والتيّارات، وهذا ما يقدر على تقديمه. والقبّعة لن تتحوّل إنساناً. ليس وقت السحر أيضاً، بالرغم من السيرك والحركات البهلوانيّة.
المجلس النيابي الحالي تعبيرٌ عن انتظار الطاقم السياسي المتغيّرات. مجلس الانتظار هو، وفي الأثناء يُمدّ بالمصل والفيتامينات، وتُحال إليه الأمور المهمّة وغير المهمّة. وإذ يُركَّز على ما يجعله يبدو ديناميّاً ومشرِّعاً وسياسيّاً، يثبت دائماً أنّه «صُمّم» لأمور أخرى: الانتظار وإضاعة الوقت والزعم أن ثمة حياة سياسيّة. اقتراحات الحزب التقدّمي الاشتراكي في شأن الحقوق المدنيّة للفلسطينيين في لبنان، لكونه ليس «مُصمَّماً» لها، صدمته... وضعته على مخرطة لا تُشبه انقساماته وكتله ومصالحه. فلا هي، أي الاقتراحات، أعادت صوغ انقساماته وكتله ولا أُقرّت. تحتاج إلى مجلس آخر... وربّما إلى هيئة حوار أخرى. يبدو المجلس الحالي ابن الانقسامات ولا يُتقن غيرها. وفيما تستمر الانقسامات القديمة كأشباح خائبة متوعّدة تنتظر الانقساماتُ المستجدّة غير المبلورة موعدها، وفي الأثناء تدّعي الحكاية أن هناك مجلساً نيابياً وأن فيه مشرّعين.