strong>سلمان عبد الحسين*

لعلّ أهم إنجاز يمكن أن يرصده المتابع والمراقب للحدث اللبناني، وتحديداً حركة المقاومة الإسلامية ممثلة في حزب الله، ليس الإنجاز العسكري المحض، بل القدرة على الإنجاز وتحقيق انتصارات نوعية واستثنائية على مستوى الأمة العربية والإسلامية في بيئة من أكثر البيئات السياسية تعقيداً في الدائرة الطائفية والمذهبية والسياسية والحزبية. فهناك أكثر من 17 طائفة، وتلوّن المشهد السياسي في لبنان أحزاب سياسية متداخلة ومتباينة ومتقاطعة المصالح في الوقت نفسه، في صورة تعددية متشابكة قل نظيرها في العالم العربي والإسلامي.
فإذا فهمت الانتصارات التي تحققت على العدو الصهيوني في حروبه ضد لبنان على أنها صنع أحّادي. فالسؤال الذي يطرح نفسه: كيف استطاع كيان واحد أن يخلق لنفسه حيزاً سياسياً انفرادياً يؤهله لصنع الانتصارات بعيداً عن الكيانات الأخرى المتعارضة معه؟! وإذا كانت هذه الانتصارات صناعة مجموعة أو منظومة معقدة من الكيانات السياسية والعلاقات المتشابكة، فإن السؤال هو: كيف لُئمت هذه المجاميع ونُظّمت لتنتج هذه الانتصارات ولتكون بيئتها الحاضنة في ظل التعارض المعروف والمشهود للجميع؟!
ربما يكون هذا اللغز في دلالاته أكبر في حقيقته من مفردة الانتصار المنبسطة التي يفهمها الجميع، كل على شاكلته، فلا بيئة منقسمة طائفياً ومذهبياً وسياسياً تكون قادرة على شبك مكوّناتها وخلق بيئة حاضنة لأحداث نوعية ما لم يكن هناك سر استثنائي يوصلنا إلى استنتاج منطقي لسبر حقيقة هذه الأحداث وهذه الانتصارات.
ففي الوقت الذي لا تنجح فيه البلدان ذات الميل الواحد واللون الواحد في اجتراح معجزة الانتصار الحاصل في لبنان مع وجود مقوّمات الوحدة وانعدام عناصر التعقيد بين مكوّنات المجتمع، ينجح لبنان بالتعدد القائم على التعقيد المذهبي والطائفي، والحساسية المذهبية والطائفية المفرطة في تحقيق ذلك، بما يفضي إلى فرادة فائقة تحتاج إلى منهج تتبّع وتقصٍّ من نوع آخر للوصول إلى كلمة السر التي أنتجت هذا الإعجاز.
هنا فقط يمكن الحديث عن الإنتاج الثقافي القبْلي لبيئة المقاومة، الذي أسس لإعجاز الانتصار بكل امتياز، ويمكن اعتبار الراحل الكبير آية الله السيد محمد حسين فضل الله المحضن الفعلي لهذا النتاج الثقافي الذي وضع حداً فاصلاً بين ترف الخطاب الذي يتكلم عن أدبيات الحوار بمختلف عناوينه من منطلق فوقي ومن دون وجود مصاديق ولا بيئة صالحة لهذا الحوار، وخطاب يعمل على تهيئة بيئة ملغومة ومتوافرة على الكثير من عناصر التفجير لتكون بيئة حاضنة لأكبر مقاومة إسلامية حققت إنجازات نوعية على اختلاف مشارب هذه البيئة طائفياً ومذهبياً.
ولولا هذا التأسيس القبلي الذي أنتجه السيد فضل الله على مستوى الدعوة إلى الحوار المسيحي الإسلامي وحوار الحضارات، واشتغاله المخلص على مفهوم الوحدة الإسلامية وضرورة العيش المشترك بين مختلف الطوائف اللبنانية، لما استطاعت المقاومة الإسلامية أن توفر المناخ السياسي لانتصاراتها، في ظل هذه البيئة المعقدة على المستوى الطائفي والمذهبي.
لقد كانت المقاومة الإسلامية على مفترق في بداية التأسيس. كان الزخم الروحي والعقائدي الخاص الذي صدّرته الثورة الإسلامية في إيران، والبحث عن الهوية الشيعية المحضة تحت وطأة الحرمان والإهمال اللذين يعيشهما الجنوب اللبناني في ثمانينيات القرن الماضي، إضافةً إلى الاحتلال الإسرائيلي للشريط الحدودي، يهدد بتحول المقاومة الإسلامية من حالة مقاومة للاحتلال إلى حالة عزلة خاصة على المستوى المذهبي في ظل رفض أغلب القوى السياسية في لبنان لهذه الحالة المستجدة.
وحدها كانت الاستقامة الدينية المفضية إلى التوجه للعدو الإسرائيلي كعدو وحيد يجب طرده من الأرض المحتلة هي التي عصمت المقاومة من الدخول في حرب أهلية، لكن ذلك لم يكن كافياً لرفع العزلة عن المقاومة، وخصوصاً أن قاموسها العقائدي الخاص كان يحدثها بحلم الدولة الإسلامية على غرار الدولة الإسلامية في إيران، في تجاهل غير مقصود وإنما وليد حالته وظروفه لطبيعة التنوع الطائفي والمذهبي في لبنان.
في هذا المقطع من التاريخ تبرز عبقرية السيد فضل الله، فقد لبنن الحالة المقاومة، وأعطى لها كامل المشروعية الدينية والثقافية والسياسية وفق بيئتها اللبنانية، لتتحول عناصر التعقيد في الحالة اللبنانية على المستوى الطائفي والمذهبي إلى عناصر شبك لا اشتباك فريدة من نوعها. فقهياً مثلاً، كان الفقه التقليدي ينجس الأكل من يد غير المسلم، أما السيد فضل الله فنسف كل هذه الأسس الفقهية ليعتبر النجاسة مرتبطة بالروح لا بالجسد والأعضاء، وكيف لا يفعل ذلك وهو الداعي إلى الحوار الإسلامي المسيحي ضمن اجتراح فكري لبناني خاص للحالة اللبنانية، وينزع منها كل عناصر التأزيم الطائفي والمذهبي.
المفردة الفقهية المذكورة جزئية بسيطة من حالة بنيوية شاملة أسس لها السيد فضل الله، فوضع اللبنة الأساس لأسس التعايش في الحالة اللبنانية، لتنتقل بعد ذلك إلى المصاديق السياسية الكبرى، ويتلقفها السياسيون بكل مهارة واحتراف، ليشبكوا الطوائف بعضها مع بعض، من دون أن يكون الدين حاجزاً أمام إنجاز هذه المهمة. وبالتالي: فإن هذا التأسيس الثقافي القبلي كان له دور صناعة الأفق والمشروعية لكل تأسيس جاد يحصّن الحالة اللبنانية في أطرها الطائفية والمذهبية.
على مستوى المقاومة، فإن الأمين العام الحالي لحزب الله السيد حسن نصر الله صنع الفارق بما هو إرادة ناجزة ولا حياد عنها في الانفتاح على مكوّنات المجتمع اللبناني، على قاعدة حفظ المقاومة وصيانتها، فقطع الطريق على الاصطياد في الحالة العقائدية الخاصة التي تكوّنت مع بداية تأسيس المقاومة، فكانت المشاركة في أجهزة الدولة ومؤسساتها من خلال الندوة البرلمانية ابتداءً، وصولاً إلى المشاركة في الحكومة بعد اغتيال الرئيس الأسبق رفيق الحريري في عام 2005، فضلاً عن التفاهمات والتحالفات التي أقامها حزب الله، ابتداءً من انتخابات عام 2005 عبر بوابة التحالف الرباعي، وصولاً إلى ورقة التفاهم مع التيار الوطني الحر، فحركته التنسيقية والجادة مع مختلف القوى السياسية بتنوعها الطائفي والمذهبي في الداخل اللبناني.
كل هذه الحيوية وهذه الحركة السلسة والانسيابية والعبقرية التي استطاع حزب الله أن ينجزها لم تكن لتحصل لولا التأسيس الثقافي الذي أسس له السيد فضل الله وحركة الأفق التي فتحها إلى عنان السماء، بما جعل المقاومة تحظى بشبه إجماع في الداخل اللبناني، وخلق مساحات من داخل الحيز الطائفي والمذهبي لكل طائفة يغطي حركة المقاومة ويؤمنها، ويضمن لها الاستمرارية.
ولولا نافذة الأفق التي فتحها فضل الله بالإنتاج الثقافي لبيئة المقاومة في نسختها اللبنانية، لكان حزب الله قد اصطدم بالعناوين العقائدية والثورية الخاصة التي واكبت انطلاقته، ولم يكن حتى مع سلامة الخط والعقيدة أحسن حالاً من الكثير من الحركات الثورية والجهادية التي تعقّد وضعها بسبب الحواجز الداخلية التي اصطدمت بها. لكن شاء الله أن تنطلق هذه الفرادة في الانتصارات والإنجازات مع عمق البيئة الأكثر تعقيداً على المستوى الطائفي والمذهبي، لتلقي بالحجة على البيئات الساكنة وذات اللون الواحد لتغير من أوضاعها انطلاقاً من انبساط الحركة ووحدة الشارع.
ولمعرفة عبقرية النتاج الثقافي الذي خلّفه فضل الله لبيئة المقاومة، ما على المتابع إلا أن يرصد البيئات الإثنية والعرقية في الدول الأخرى كمصر والعراق وغيرها من الدول، ليعرف حجم التعقيد على مستوى العلاقات في ما بين الطوائف والمذاهب والأعراق، وحجم التعقيد بين الدولة المركزية وهذه الإثنيات، ليكتشف عقم الحلول السياسية واصطدامها في كثير من الأحيان بالحلول الأمنية نتيجة عقم المشروع الثقافي الحاضن والناظم لهذه المكونات الطائفية، مع ملاحظة أن هذه الدول لا تحظى بعشر التعقيد الطائفي الموجود في لبنان، ولا بنوعية الأحزاب الحاضنة للطوائف، ولا بحجم الاستهداف الإقليمي والدولي الذي حوّل لبنان إلى ساحة عمليات للكثير من مشاريعه التقسيمية والتدميرية.
بعد هذا السرد التحليلي لكيفية إنجاز السيد فضل البيئة الثقافية الحاضنة للمقاومة، يمكن الولوج إلى حالة خاصة في المشهد الشيعي، ومعالجتها بجرأة إنصافاً لهذا الرجل العظيم بعد موته. وما لم يُسلّط الضوء على هذه الحالة الخاصة، فإن ظلامة هذا الرجل ستبقى قائمة حتى بعد الإجماع الذي حصل في تأبينه ممن ناصبه المواقف العدائية، وممن خضع للضغط نتيجة الموجة العارمة التي حاولت اقتلاع هذا الطود الشامخ، ومن ثم حاول تصحيح مسار العلاقة، وممن أحبه وبقي يتلقى السهام دفاعاً عنه من دون أن تكون له القدرة على إيقاف موجات الحملات المغرضة.
فالسيد فضل الله رحمه الله دخل في منعطف جديد بعد تصديه لشؤون المرجعية خارج أطر المرجعية التقليدية في النجف الأشرف وقم بعد رحيل الصف الأول من المراجع المتصدية لهذا الدور في عقد الثمانينيات من القرن الماضي.
وقبل ذلك: كانت إشراقاته الفكرية وتأسيساته الحركية ذات زخم استثنائي عند الجميع، لا تكاد تخضع للمناقشة البتة، وحتى الكثير من أطروحاته الفكرية والعقدية التي اعتُرض عليها بعد تصديه للمرجعية كانت نتاج مرحلة الإجماع لا مرحلة الخلاف عليه، ولكن كما هي العادة عند كبار القوم من العلماء: فقد تحوّل التصدي إلى المرجعية إلى مواجهة شاملة مع السيد فضل الله من بعض مجاميع طلبة العلوم الدينية في قم تحديداً، وبعض رواد الفكر السلفي في الساحة الشيعية ممن أذكوا الخلاف الطائفي، واعتبروه محور الكون في دائرة الجدل والاحتجاج، من غير الالتفات إلى متطلبات الساحة الإسلامية ككل.
وقد اعترى المشهد الشيعي في لبنان جزء من نوبات هذا الفكر السلفي، وحصر بعض المشتغلين بالهم الديني مواجهتهم مع السيد فضل الله بوصفه كان العنوان الأبرز للاستهدافات العقائدية، فكادوا ينسفون كل النتاج الثقافي الذي أسس لبيئة المقاومة بالاشتغلال الطائفي على المفردات المذهبية الخلافية، لولا حكمة قيادة المقاومة في حسمها أمر تعاطي هذه الجهات مع السيد فضل الله ومنعها التعرض إليه.
غير أن العنوان العقائدي لم يكن هو العنوان الأصل في المواجهة مع السيد فضل الله، بل عنوان المرجعية وكون السيد فضل الله فقيهاً أم لا. فالذين كانوا يدافعون عن مرجعية النجف، طرحوا عنوان عدم فقاهة السيد فضل الله، وبالتالي عدم أهليته للمرجعية.
أما من يدافعون عن ولاية الفقيه في إيران، ولهذا الموضوع خصوصية عند حزب الله، فقد أرادوا تثبيت مرجعية السيد الخامنئي طلباً لوحدة المرجعية، وهذا ما جرى اللعب عليه في العلاقة بين حزب الله والسيد فضل الله، انطلاقاً من كون حزب الله يعمل بولاية الفقيه ويؤمن بمرجعية السيد الخامنئي عطفاً على واقعه التأسيسي الذي رعاه الإمام الخميني.
الآن، وبعدما رحل الرجل إلى جوار ربه، وبعدما واجه العواصف التي أثيرت في وجهه بهدوء الأبي المتسامي، محافظاً رغم كل هذه العواصف على ثوابته في دفاعه عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وعن المقاومة وهي غير محتضنة له، وأخيراً بعدما احتضنته حينما لمست ثبات قدمه على مواقفه بقدر جرأته في تظهير موقعه كمرجع، لا بد من شهادة خاصة في هذا الرجل.


كل هذه الحيوية التي استطاع حزب الله أن ينجزها لم تكن لتحصل لولا التأسيس الثقافي للسيّد فضل الله

إذا كانت المرجعية هي علة الوقوف في وجه هذا الرجل، وكانت ولاية الفقيه هي عنصر الحرج في تحفظ المقاومة على مرجعية السيد فضل الله، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: ألا يستحق مرجع بقامة فضل الله بما يملك من مشروع ثقافي استراتيجي كان له دور استثنائي في خلق المحضن الدافئ لبيئة المقاومة، فضلاً عن بقية تفاصيل ومفردات المشروع الذي أسس له بتؤدة وصبر وأناة، أن يطرح مرجعية تفصيلية على المستوى الفقهي والثقافي بعرض المرجعية التي تمثلها ولاية الفقيه التي هي على رأس الدولة ولا تشتغل على التفاصيل الفقهية والثقافية بقدر اشتغال فضل الله عليها؟
لو لم يكن إلا التأسيس الثقافي للبيئة الحاضنة للمقاومة كإنجاز، التي أعطاها امتدادها الطبيعي وانسيابيتها الحركية داخل هذه التركيبة الطائفية المعقدة، لو لم يكن إلا هذا، لكان ذلك كافياً لإعطاء حيز واسع لمرجعية فضل الله لتصنع مرجعية بعرض ولاية الفقيه في لبنان وخارجه، وخصوصاً أنها لم ترتد على ثوابتها، وبقيت وفية لها بتسام منقطع النظير، فما بالك إذا كانت هذه المرجعية قد استطاعت إنتاج الأمثولة على مستوى المرجعية المؤسسة خارج أطر الدولة الدينية.
إن العزاء الفعلي في فضل الله بعد كل الجراحات التي نكأتُ، هو بيان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، الذي خرج من دائرة البيانات الإنشائية إلى دائرة رد الاعتبار لهذا الرجل ولدوره، عبر توصيفه الدقيق لطبيعة العلاقة الكائنة بين حزب الله والسيد فضل الله، والتي حاول التشويش عليها سلفيو الحالة الشيعية، وأبلغ مصداق لرد الاعتبار وقوف نصر الله على جثمان معلمه منتحباً، في تجاوز غير قابل للنقض ولا المواربة لكل أشكال العلاقات التي حاولت إخراج فضل الله من حالته الأبوية للمقاومة لمجرد الحديث عن النقائض المرجعية.
* كاتب بحريني