حسام كنفاني

هل تتجاوب السلطة الفلسطينية مع مطلب الرئيس الأميركي باراك أوباما الانتقال إلى المفاوضات المباشرة بحلول أيلول المقبل؟ الإجابة عن السؤال لا تزال تدور في الفلك الدبلوماسي الفلسطيني، لكن الحقيقة في مكان آخر. ربما جاءت دعوة أوباما متأخرة بعض الشيء، ولا سيما أن السلطة انطلقت فعلاً في طريق المفاوضات المباشرة، حتى وإن جهدت لنفي ذلك.
لقاء رئيس حكومة تسيير الأعمال سلام فيّاض ووزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك لا يمكن أن يكون إلا جزءاً من التفاوض المباشر، ما دام الرجلان لم يتحدثا من خلف جدار عازل أو عبر وسيط في غرفتين منفصلتين في فندق «الملك داود» في القدس المحتلة. بل على العكس تماماً، ففياض لم يجد حرجاً في الوقوف مبتسماً أمام عدسات المصوّرين لمصافحة باراك.
ولماذا الحرج، وهو لم يفعل إلا ما سبقه إليه معظم مسؤولي السلطة، إضافة إلى أنه سيجد من يدافع له عن اللقاء ويخرجه من إطاره التفاوضي، ليضعه في سياقه «الإنساني». هكذا فعل مسؤولو الحكومة، حين أشاروا إلى أن اللقاء يهدف إلى «رفع الحصار عن قطاع غزّة». عبارة سحريّة بإمكانها تبرير أي لقاءات تنسيقية على مستوى رفيع، كما هي حال لقاء فياض وباراك، بغض النظر عن الدور المباشر أو غير المباشر للسلطة، ولحكومة فيّاض تحديداً، في الحصار.
تبرير آخر ظهر للقاء لإبعاده عن صيغة المفاوضات المباشرة. تبرير مرتبط بصلاحيات التفاوض المنوطة حصراً بمنظمة التحرير ومسؤوليها. قد يكون الأمر صحيحاً، لكنه يستدعي في الحال هذه كف يد فيّاض عن كل ما له علاقة بتحضيرات قيام الدولة الفلسطينية المقبلة، على غرار خطة السنتين التي يعكف على تطبيقها، واكتفائه بإدارة شؤون السلطة من موقعه كرئيس حكومة تسيير أعمال.
لو كان التبرير السلطوي مقنعاً، لما كانت محادثات فيّاض مع رئيس الوزراء الإسرائيلي تطرّقت إلى كل المواضيع الخلافية في ملفّ العمليّة السياسيّة، من توسيع صلاحيات الأمن الوطني الفلسطيني في المناطق «أ» و«ب»، مروراً بالتنسيق الأمني بين الجيش الإسرائيلي وقوات الأمن، وصولاً إلى التعاون لإقامة مشاريع إنمائية مشتركة.
عناوين غير مرتبطة فقط بـ«تسيير الأعمال»، بل على تماس مباشر بالعملية السياسية، التي «لا صلاحية لفياض فيها»، بحسب ادعاءات السلطة. فالعملية السياسية واسعة ولا تقف عند الحدود والأمن واللاجئين والقدس المحتلة، بل تدخل في كل ما له علاقة بإقامة «الدولة القابلة للحياة».
لكن يبدو أن للسلطة تعاريف مختلف للمفاوضات. تعريف أول يضع التفاهمات الاقتصادية خارج الإطار التفاوضي، وإلا كيف يستطيع فياض أن يتفق على «مشاريع إنمائية» مع الطرف الإسرائيلي. مشاريع ستسير قدماً بغض النظر عن المسار السياسي وتعقيداته. المال والمصالح عابران للحدود وللخلافات السياسيّة، حتى إن مسؤولين فلسطينيين رسميين على تماس مباشر مع البناء الاستيطاني في إطار مصلحي اقتصادي، حتى وإن خرجوا إلى العلن بتصريحات رنانة تدين «المشاريع الاستعمارية الإسرائيلية» في الضفة الغربية.
وفق هذا المنطق، فإن الاقتصاد خارج العملية السياسيّة. لكن ماذا عن الأمن؟ وفق تعريفات السلطة ومسؤوليها، فإن وضع الأمن لا يختلف عن الاقتصاد، بل ربما أن الملفين مرتبطان ارتباطاً عضوياً. هذا ما أوحى به الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس في حواره مع الصحافيين الإسرائيليين الأسبوع الماضي.
عبّاس أكد أن السلطة ممسكة بالملف الأمني ومسؤولة عن الهدوء القائم حالياً في الضفة الغربية، مشيراً الى أن «الوضع (الأمني) عندنا يجذب مستثمرين فلسطينيين من الخارج، إذ يرون كيف نشأت عندنا ثقافة جديدة من الأمن والاستقرار».
قياس أمني قائم على مفهوم استهلاكي اقتصادي صرف، لا علاقة للقضيّة الفلسطينية، بمنطقها التحريري الاستقلالي، به. فعبّاس لم يربط الأمن بالعملية السياسية وتقدمها أو باعتبار الهدوء انعكاساً لحال التفاؤل بالتقدم التفاوضي، بل يتعاطى معه من زاوية استثمارية تجارية قد لا تكون بعيدة عن «تسليع» القضية الفلسطينية، أرضاً وشعباً.
وهناك أيضاً منطق الاعتراف «بحق اليهود في أرض إسرائيل»، الذي عبّر عنه أبو مازن خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة ولقائه مع شخصيّات يهوديّة هناك. قد يكون هذا المنطق هو الأقدر على تعريف القيادة الفلسطينية للعملية التفاوضيّة الحالية ومسيرتها التنازلية، على اعتبار أن «الحق اليهودي» قائم ومعترف به، وكل ما يمكن الاستحصال عليه هو «منّة من أصحاب الحق» لا ضرورة للنقاش فيه.
على هذا الأساس، هناك أكثر من منطق في إدارة المفاوضات، وبالتالي فالشكل لم يعد ذا أهمية، سواء مباشرة أو غير مباشرة، ما دامت النهاية تصب في الخانة المصلحيّة نفسها.