سامي العباس*

في مقالة نقديّة لتجربة الأحزاب الشيوعيّة العربيّة، وضرورة دفن تجربتها السابقة من أجل إنقاذ الماركسيّة («الأخبار»، ٢١/10/٢٠١٠)، يُرجع سلامة كيلة دور تلك الأحزاب المتواضع في الحياة السياسية العربية إلى تغييبها مبدأ التغيير. غياب مبدأ التغيير في نظر كيلة، كما فهمت، حلت محله استراتيجية الحفاظ على البقاء البيولوجي، وسياسة دعم القوى التي تنجز التحول الرأسمالي في العالم العربي. أي أن الحزب الشيوعي بدلاً من أن يكون حزب التغيير في لحظة احتدام الصراع الطبقي، فضّل الانسحاب من موقع القيادة في لحظة الأزمة لمصلحة أحزاب قومية أو وطنية يرى أن مهمتها التاريخية إنجاز التحول الرأسمالي. وعلى هذه الخلفية التحليلية، فضلت الأحزاب الشيوعية التموضع كنسق ثانٍ داعم لهذه العملية.
ووضع كيلة قراءته الصحيحة بمجملها للمشهد العربي، في خدمة الفكرة المحورية التي تلخص نقديّته للشيوعية العربية، أي «نقص الشجاعة» بالمقارنة مع أحزاب شيوعية أخرى لديها فائض من الشجاعة مكّنها في لحظة «ثورية» من قيادة التغيير في بلدانها كما جرى في روسيا والصين وفيتنام... الخ.
وهنا أسأل: لو أن ما يأخذه الأستاذ سلامة على الأحزاب الشيوعية العربية قد جرى تلافيه في حينه، أي «في اللحظات الثورية التي مرّت بها الأوضاع هنا أو هناك في العالم العربي»، وتسنّم الشيوعيون في سوريا ومصر والعراق بدلاً من البعث وعبد الناصر قيادة دفة عملية التغيير، هل سيكون المآل مختلفاً في ضوء ما انتهت إليه تجربة ما سمّي في حينه المعسكر الاشتراكي؟
توقفت نقديّة كيلة عند تخوم الرفاق السوفيات الذين خانوا اللينينية، بدلاً من أن تذهب نقديته إلى «اللينينية» التي وجدت في التحول المتأخر إلى الرأسمالية في عصر الإمبريالية فرصة للطبقة العاملة وحزبها الشيوعي لدمج الثورتين الديموقراطية والاشتراكية ـــــ وهذا ما برهن على استحالته مخبرياً سياق الأحداث في القرن العشرين، وشخّصه ماركس نظرياً حين قال «إن تشكيلاً اجتماعياً معيناً لا يزول قط قبل أن تنمو كل القوى الإنتاجية التي يتسع لاحتوائها، ولا تحلّ قط محلّ هذا التشكيل علاقات إنتاج جديدة ومتفوقة ما لم تنفتح شروط الوجود المادي لهذه العلاقات في صميم المجتمع القديم نفسه، ومن أجل ذلك لا تطرح الإنسانية على نفسها قط سوى مسائل قادرة على حلها» (ماركس، إسهام في نقد الاقتصاد السياسي).
والواقع أنّ اللينينية قد استنتجت من الشروط التي ولّدتها الإمبريالية انغلاق الطرق أمام استكمال التحول الرأسمالي نظراً إلى اقتصار حاجة المركز الإمبريالي على كومبرادور في الأطراف، يتولى تسويق السلع المصنعة، ويربط الأطراف بالمركز من دون الحاجة إلى وجود مباشر للجيوش، وخالقاً بذلك الشروط المناسبة لإنهاء المرحلة الكولونيالية... أدارت اللينينية ظهرها للتجربة الألمانية التي كانت باكورة تجارب التحول المتأخر إلى الرأسمالية، وأهمية إشارتها الى الطريق الذي ستتخذه عملية التحول المتأخر إلى الرأسمالية في ظل الإمبريالية. «طريق رأسمالية الدولة». لقد ساجل لينين في حينها ماركسيي عصره حول فكرة «الإمبريالية آخر مراحل الرأسمالية» متوخّياً غرضين: إقفال تخوم نظام الإنتاج الرأسمالي في المركز، وإقفال إمكان التحول المتأخر إلى نظام الإنتاج الرأسمالي في الأطراف. أي اصطياد عصفورين بحجر واحد... لكن الفهلوة يمكنها أن تكسب معركة، ولا تستطيع أن تكسب الحرب.
فاستيلاء الدولة على جزء أو معظم وسائل الإنتاج داخل ما سمّي المعسكر الاشتراكي أو خارجه، لم يتمخض عن «تشكيل علاقات إنتاج جديدة ومتفوقة»... ولم تكن الإشارات التي أطلقها لينين بعد انتصار البلاشفة «سياسة النيب» والسجال الذي أداره تروتسكي مع الستالينية حول «انتصار الاشتراكية في بلد واحد»، إلا بمثابة عودة الوعي الماركسي لكل من لينين وتروتسكي بعد سكرة النجاح في اقتناص «لحظة ثورية».
لقد سخر التاريخ على طريقته من حجر لينين:
فالنظام الاشتراكي، طال به العمر أو قصر، تكشّف عن نظام رأسمالية دولة متجانس في كل الأصقاع لجهة وظيفته «تأمين التراكم الأولي» أو أمراضه «الفساد والبيروقراطية والجمود العقائدي» أو سحبه للتنافس السياسي من دائرة الضوء إلى عالم الأقبية المعتم.
والإمبريالية لم تعد آخر مراحل الرأسمالية. بل تبين أن «المرتدّ» كاوتسكي كان على حق عندما ساجل لينين حول منطقية وجود مرحلة «فوق إمبريالية» (انظر في هذا السياق: لينين – حركة شعوب الشرق الوطنية التحررية – طبعة دار التقدم 1969 ص 214). فالعولمة التي نعيش بواكيرها ليست سوى مرحلة فوق إمبريالية ـــــ بتعبير كاوتسكي ـــــ لجهة نقلها آليات التوسع الرأسمالي من دائرة التبادل إلى دائرة الإنتاج. وهي مرحلة تغيير عميق للشروط التي تحكمت بالتحول المتأخر إلى الرأسمالية في ظل الإمبريالية، حيث أنظمة رأسمالية الدولة جسر العبور الوحيد للتحول الرأسمالي المتأخر...
ليست الانهيارات المتتالية لأنظمة رأسمالية الدولة بفعل الفساد والبيروقراطية والتآمر الخارجي كما يروج خطاب تطهري غارق في النوستالجيا، بل جاء الانهيار على خلفية تبدل الشروط المولدة لرأسمالية الدولة ـــــ أعني شروط التحول المتأخر في ظل الإمبريالية ـــــ وإلا ما معنى هذا التعاقب بين الظاهرتين: تحول التوسع الرأسمالي من دائرة التبادل إلى دائرة الإنتاج، ما فتح الطريق على ظهور جيلين من نمور آسيا في السبعينيات والثمانينيات، ثم تصدع وانهيار المعسكر الاشتراكي في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي؟


توقفت نقديّة كيلة عند تخوم الرفاق السوفيات الذين خانوا اللينينية، بدلاً من أن تذهب نقديّته إلى اللينينيّة نفسها
وما التلاعب في أسواق النقد وسياسات خفض أو رفع قيمة العملات الرئيسية التي تتشكل منها سلة النقد الدولية إلا لمواجهة التأثيرات الضارة لهذا الخلل العميق في التوازن بين كلفة إنتاج نفس السلعة بين المركز والأطراف... يكفي أن نعرف أن متوسط كلفة ساعة العمل في الولايات المتحدة الأميركية يبلغ ثلاثين ضعفاً للساعة نفسها في بلد كسوريا أو مصر على سبيل المثال، لنعرف ميكانيزم التحول من التوسع في دائرة التبادل إلى التوسع في دائرة الإنتاج الذي يحكم الآن عملية التحول الرأسمالي في الأطراف... إن فتح هذه الملفات من قبل علم الاجتماع الماركسي سيغير من الأجندات التي حددتها اللينينية مطلع القرن الماضي.
ليست هذه دعوة لتتخلى الأحزاب الشيوعية والماركسية عن وظيفتها في قيادة النشاط السياسي للشرائح المغبونة في نظام الإنتاج الرأسمالي. لكنها دعوة للتفحص النقدي للأوهام التي أشاعتها اللينينية حول أفول الرأسمالية وانبثاق عصر الاشتراكية.
لا يكفي أن يتوقف النقد عند الراحل خالد بكداش كظاهرة في الشيوعية العربية، ولا عند جوزيف ستالين كظاهرة في الشيوعية الدولية. ينبغي للنقد أن يصل إلى الماركسية ـــــ اللينينية كقراءة في الماركسية فرضت نفسها كماركسية أرثوذكسية لما يقرب من قرن.
* كاتب سوري