فريد الخازن*

لم أكن أتخيّل أنّ البحث الذي بدأته منذ نحو عشرين عاماً، والذي أثمر كتاباً بعنوان «تفكك أوصال الدولة في لبنان، 1967ـــــ1976»، وصدر عن دار جامعة هارفرد الأميركية وعن دار I.B Tauris البريطانية عام 2000، وصدرت في ما بعد الترجمة العربية له عن دار النهار في 2002، وهو الآن في طبعته الثالثة، ولقد راجع الكتاب أساتذة كبار في أبرز المجلات العلمية المتخصصة في أوروبا وأميركا، وهو معتمد منذ صدوره في أكثر الجامعات عراقةً في العالم كمرجع أساسي في دراسات الشرق الأوسط... لم أكن أتخيل، أن الهدف من كتابته كان تعطيل إمكان «استعادة ثقافة سياسية تؤسس لوطن قابل للحياة»، على حد زعم الدكتور البر داغر («الأخبار»، 11 و12/10/2010). ولم أكن أتوقع أن يصل هذيان البر داغر إلى حد توصية الجماهير التي ينتمي إليها بـ«رمي كل الأفكار والمقاربات الواردة فيه»، أي في الكتاب.
لقد أراد الأستاذ الجامعي أن يفتعل معركة وهمية ليس مع مؤلف الكتاب فحسب، بل أيضاً مع المراجع التي وردت فيه بنبرة فوقية وتهكمية. لا بل إنّ الجزء الأكبر من نص داغر هو ربط نزاع مع أصحاب هذه المراجع، الأحياء منهم والأموات. التساؤل مشروع عن الدافع الذي جعل ألبر داغر يكتب نصاً مطوّلاً، معظمه خارج سياق مضامين الكتاب، وعن سبب نشر «الأخبار» على أربع صفحات كاملة تخيّلات داغر عن كتاب، بمعزل عن موضوعه، صدر منذ عشرة أعوام؟ ما الذي حرّك مشاعر ألبر داغر، وما الاكتشافات البحثية الجديدة التي طرأت في السنوات الأخيرة، ولا سيما أن الكتاب لا يتناول علم الآثار، التي حثّت داغر على استعادة ثرثرات مملّة ومناكفات ولى زمنها. بصدق، أنا عاجز عن فهم استنفار داغر المفاجئ وتهجّمه الشخصي عبر إيحاءات بشأن عدم اتّعاظي من الماضي وبشأن الكتلة النيابية التي أنتمي إليها، وصولاً إلى أساتذة الجامعة الأميركية، شركائي في «المؤامرة». إنها حالة ذعر يائسة وبائسة لم أشهد مثيلاً لها منذ ما يزيد على ربع قرن من الكتابة والتدريس الجامعي.
المسألة تتجاوز الكتاب لتصل إلى نموذج الحكم الذي يريده داغر، ألا وهو وصول العسكر إلى السلطة. يقول داغر: «لو أن نخبة عسكرية مثلاً حلت محل النخبة السياسية المدنية منذ الستينات مع برنامج يقوم على صون سيادة الدولة الداخلية في وجه السياسيين»، لنجمت عن ذلك «قدرة على صون سيادة الدولة الخارجية». هذا ما يروّج له ألبر داغر، أي الدعوة إلى الانقلاب العسكري في لبنان، وعندئذ يجري الإصلاح وتزول الطائفية وتنعم البلاد بالبحبوحة والاستقرار. إنها القراءة الإيديولوجية التي يتبناها ألبر داغر في 2010 لإقامة نظام الحكم الأمثل في لبنان، كأنه لم يرَ المشاكل والمصائب التي حلت بالدول والمجتمعات التي حكمها العسكر في الشرق والغرب على حد سواء. أما الحريات والديموقراطية، فلا أثر لهما في اهتماماته المحصورة بالدولة المعسكرة والاقتصاد الموجّه للدفاع عن مصالح «الشعوب المقهورة»، تماماً كما هي الحال اليوم في كوريا الشمالية وكوبا، على سبيل المثال لا الحصر.
صحّ النوم أيّها «الرفيق المناضل». لقد جئت متأخراً جداً بعدما انتقلت الثورة من الايديولوجيا اليسارية الى الأصوليات الدينية، ولم يعد العالم المتخيّل الذي ينتمي إليه داغر سوى سراب يحاول إحياءه عبر خوضه «أم المعارك» مع فريد الخازن بسبب عدم تبنيه أوهام داغر أن خطر الوجود الفلسطيني المسلح كان أوهاماً مضخمة، وأن الهجرة والتضخم أدّيا إلى اتفاق القاهرة في 1969، وأن الصدامات بين الجيش اللبناني والمنظمات الفلسطينية المسلحة سببها النظام الطائفي، وأن الحرب اندلعت بسبب جشع شركة بروتيين الرأسمالية.
لن أسترسل في مضامين الكتاب، إلا أنّني أشير إلى أن مقاربتي لدراسة لبنان هي التعامل مع الواقع اللبناني، التاريخي والاجتماعي والسياسي، كما هو، لا كما أتمنى أو كما يتمنى ألبر داغر أو سواه من الواهمين أنّ الطائفية في لبنان مسألة عرضية. ولقد تجاهل داغر مقدمة الكتاب حيث أقول إن «الساعي إلى تفسير انهيار الدولة لا يحتاج إلى التساؤل عما إذا كان لبنان منقسماً، أو إذا كان نظامه عرضة للأخطار، فالانقسام الطائفي هو من المعطيات في لبنان وكذلك هي الطبيعة غير المستقرة للنظام السياسي...» (ص25)، وهذا يعني أن «ثمة مقاربتين لتقويم أداء النظام السياسي اللبناني في حالة الأزمات قبل الحرب، الأولى تنسب الانهيار إلى أسباب مقيمة في صلب المجتمع اللبناني ونظامه السياسي. هذه القراءة ترى أن فشل لبنان كان حتمياً ومسألة وقت فقط لأنه كان منقسماً على أسس طائفية، لكنها لا تفسر لنا كيف أنّ مجتمعات أخرى منقسمة وأنظمتها السياسية غير مستقرة لم تفشل، ولا تحوّلت مسرحاً للنزاع المسلّح الطويل. كذلك فهي لا تفسر لنا لماذا تقع النزاعات الداخلية في المجتمعات المتجانسة، والأهم أنّ هذه القراءة لا تفسر توقيت الانهيار ولا طبيعته. أما المقاربة الأخرى، وهي التي نأخذ بها في هذا الكتاب، فهي ربط الانهيار بعوامل داخلية وخارجية محددة، وبتطورات أصابت العملية السياسية بالشلل، وأضعفت مؤسسات الدولة، وأخيراً أدت إلى نشوب الأعمال الحربية» (ص27ـــــ 28).
لقد ركزت في الكتاب على الدولة اللبنانية في نظامها الإقليمي العربي، وحاولت تفسير أسباب الحرب استناداً إلى قراءات وتحاليل، وإلى عدد كبير من المقابلات الشخصية مع صانعي الحدث في مرحلة ما قبل الحرب. إلا أنّ داغر أصر على «موقفه» ولم يناقش أياً من الأفكار الأساسية الواردة في الكتاب، بل صنّفها في خانة الدفاع عن هذا الفريق أو ذاك. واللافت في نص داغر أنه لم يشر إلى أهم ما ورد في الكتاب، ومنه المقارنة بين الدولة اللبنانية وأدوات سلطتها المحدودة والنظام الإقليمي العربي، وتحديداً الفصل العاشر الذي يتضمن مقارنة مفصّلة بين الحالة اللبنانية بعد حرب 1967 وحالة الأردن حيث وقع الصدام بين المنظمات الفلسطينية المسلحة والدولة، إلا أنه حسم بالقوة ليس لأن المجتمع الأردني موحد في نظرته إلى الشأن الفلسطيني، بل لأن الدولة سلطوية والجيش بإمرة الملك، خلافاً للحالة اللبنانية، وليس لأن نسب البطالة والتضخم المتدنية في الأردن أتاحت للملك الهاشمي حرية الحركة واتخاذ القرار.
في الكتاب تفسير لسبب عسكرة السياسة في لبنان منذ أواخر الستينات، وطبيعة الشرخ الداخلي بشأن الوجود الفلسطيني المسلح الذي أسهم في تعميق الانقسام بين الطوائف والقوى السياسية كافة، الحزبية وغير الحزبية. فإذا وصل لبنان إلى الحدّ الأعلى من اللاطائفية عشية اندلاع الحرب، كما أشرت في الكتاب، فهذا لا يعني أن الخلاف على طريقة تعامل الدولة مع المنظمات الفلسطينية لم يكن موجوداً، بل بيّنت أن هذا الخلاف كان السبب الأساس في التسلّح والتعبئة والانقسام الحاد الذي استحال إيجاد الحلول له ما دام النزاع العربي ـــــ الإسرائيلي قائماً، خلافاً للمسائل الاقتصادية والإنمائية. وهذا ما أوصل لبنان الى الحرب التي كانت حتمية، إلا أن توقيتها كان يمكن أن يكون قبل عام 1975 أو بعده.


كلام داغر يثير النقاش في السبعينات، والجدل في الثمانينات، والدهشة في التسعينات، إلا أنّه يثير الشفقة في 2010
كلام داغر يثير النقاش في السبعينات، ويثير الجدل في الثمانينات، ويثير الدهشة في التسعينات، إلا أنه يثير الشفقة في 2010. فريد الخازن متهم، بحسب داغر، بالارتكابات الآتية: «الدفاع» عن النظام الطائفي، «رفض» تعريف النخبة السياسية اللبنانية، «التطرف» المشابه للسياسيين، «تكريس الأسطورة» التي لا تعجب داغر، «مدح» النظام السياسي وأهله، «صون استمرار إدارة عامة متخلّفة»، «الاعتداء على ضحايا الحرب الأهلية»... ويختم الأستاذ الجامعي المنزّه بالقول إنّني اخترت أن أكون «في صف من يركبون على الناس بدل الحنو عليهم». لا يا ألبر داغر، لقد ذهبت بعيداً بالتطاول الشخصي. هكذا سقطت ورقة تين البحث الأكاديمي الذي تدّعيه. فإذا لم تستطع أن تركب أي موجة من موجات الثورة التي تمتدحها، فهذه مشكلتك، ولا بد من معالجتها.
أتمنى لك الشفاء العاجل والتعافي الكامل من أوهام الثورة ضد النظام اللبناني، ولا سيما أنّ العلمانية كانت على الأبواب، وما منع توسّعها هو كتاب فريد الخازن. لقد اكتشف ألبر داغر المؤامرة المطلوب التصدي لها من موقعه المسؤول على رأس جهاز «الأمن الفكري» الذي يصدر الأحكام على الكتّاب والمفكرين باسم العدالة الثورية. فهنيئاً لك في النضال، نموذجاً متقدماً لإصلاح الدولة والمجتمع بوسائل القمع الايديولوجي المعسكر.
* أستاذ جامعي ونائب في البرلمان اللبناني