لعلّ فهم الأسباب التي أوصلت الحالة الفلسطينيّة إلى ما هي

عليه من انحدار، ومتابعة مسلسل التنازلات المجانية التي يقدمها المفاوض الفلسطيني والعرب، يتطلّبان معرفة تاريخ مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية منذ انطلاقها، أو لنقل: منذ 1967 وسقوط بقية فلسطين للغزاة الصهاينة. والهدف الأول والأساس من هذا الاستفادة من دروس الماضي للانطلاق مجدداً، وذلك حتى لا نستمر
«مندهشين» و«غير مصدقين» ما يجري

زياد منى *
حاولت القيادة الفلسطينية تصوير أن تخليها عن فلسطين وعن «مشروع الثورة» الذي أطلقته في خمسينات القرن الماضي وفرضها مشروعها المرحلي [كذا] «الساداتي بالدرجة الأولى» في عام 1974، القائل بضرورة إقامة «سلطة وطنية» [مقاتلة – وحتى نفاثة!] على أي شبر يُحرّر من الأرض الفلسطينية»، قد جاء «نتيجة حتمية» لانتصارات حرب تشرين، التي نرى نتائجها عارية في مصر. وهذا الادّعاء الباطل شاركت في تعميمه وسائل تضليل التكفيريين العرب عبر حملة لم تنته.
لكنّ أيّ متابع للشأن الفلسطيني وتطوّرات حركته الوطنية، تحديداً منذ مذابح «أيلول الأسود» في عمّان 1970، لا بد من أن يصل إلى نتيجة مفادها أن تبنّي ذلك البرنامج التضليلي كان من نتائج الهزيمة الساحقة في الأردن، التي جاءت لتعبّر على نحو مكثف عن إفلاس القيادة الفلسطينية سياسياً وفكرياً وتنظيمياً، وفي كل المجالات الأخرى ذات العلاقة. فقط من هذا المنطلق يمكننا فهم التطورات اللاحقة، من دون أن «نفاجأ».


عندما يحذر عباس الصهاينة بأن فشل الاتفاق يعني نهاية «السلطة»، فإنه يعترف بأنّها قائمة لخدمة الاحتلال وليس لإنهائه
إنّ تبنّي «البرنامج المرحلي»، الذي وافقت عليه التنظيمات كلها التي كانت ممثلة في «المجلس الوطني الفلسطيني»، والذي لم يصوّت ضده سوى عضوين من حركة فتح هما الراحل الكبير أبو داود والمفكر الكبير ناجي علوش، قد مثّل الخطوة الأولى العملية الحاسمة على طريق التخلي عن «مشروع الثورة» [قبل الخروج من الأردن كان هناك «مشروع ثورة»، وبعده كان هناك موت واستشهاد فلسطيني وعربي (لبناني) بالدرجة الأولى، يومي «شبه» مجاني]، وهو الذي مهد الطريق للانخراط بكل حماسة في قرار مجلس الأمن الرقم 242 الذي يطالب بالاعتراف بـ«حقوق دول المنطقة العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها، وحل عادل لقضية اللاجئين». فالرفض الأولي لذلك القرار كان خجولاً للغاية، ومؤقتاً، لأنه لم يرتكز على كونه يعترف بدولة العدو «ضمن حدود آمنة ومعترف بها» بل «لأنه يتعامل مع القضية الفلسطينية على أنها قضية لاجئين».
ومنذ فرض ذلك البرنامج، بدأ مسلسل التنازل الفلسطيني (وطبعاً العربي) المجاني يسير بوتائر مختلفة تحدّدها الظروف الذاتية والمحيطة بالحركة الوطنية الفلسطينية، وكانت عملية «تدبير البيت الفلسطيني» و«ترويضه» تسير على نحو ثابت، تدعمها وسائل التلفيق العربية – التكفيرية، ومال نفط إفسادي لا ينضب أتى على الأخضر واليابس، وفعل فعله في داخل الساحتين الفلسطينية والعربية، صوّر الهزائم الفلسطينية انتصارات، والاستسلام تعقلاً، والتخاذل واقعية، وهلمّ جرّاً.
وداخل حركة فتح، كانت عملية «ترتيب البيت الداخلي» تسير على قدم وساق وبوتائر سريعة. فبدأت القيادة بتحويل القوات المقاتلة غير النظامية، على محدودية عددها، إلى قوات نظامية (عرف هذا في حركة فتح باسم «التجييش»). وفي الوقت نفسه، لجأت بعض القيادات إلى تأليب القوّات بعضها على بعض، مثلاً: «قوات العاصفة» ضد «قوات اليرموك»، «النوابلسة ضد الخلالية»، و«الضفة ضد القطاع»... إلخ.
والأمر ذاته كان يجري في مختلف قطاعات الحركة حيث تم التخلّي عن التنظيم لصالح «الأجهزة» التي كان يجري بناؤها وكانت في معظمها أمنية: «الأمن، الأمن الموحد، الأمن العسكري، الـ17 [تابعة للقائد العام وترأسها علي حسن سلامة حتى اغتياله]، أمن الـ17، جهاز الجرحى، أمن الجرحى، الأمن الوقائي... إلخ، يضاف إليها استبدال القيادة باللجنة المركزية، والمجلس الثوري بمؤسسات وهمية إلى حد كبير (اللجنة المركزية بمن حضر، اللجنة المركزية الموسعة، المجلس الثوري الموسع، المجلس الثوري بمن حضر، والمجلس العسكري، والمجلس العسكري العام، والمجلس العسكري الأعلى، والمجلس العسكري بمن حضر.. إلخ)»، من دون أن يعني ذلك أن الأطر التنظيمية كان مهيمناً عليها من قبل، لكن كان لها قول مهم في سياسة الحركة. وقد استغرق «ترتيب أوضاع الحركة لتناسب التوجه الجديد بعض الوقت، فلجأت قيادة الحركة إلى الاستعانة بمنظمة التحرير التي هيمنت عليها على نحو كامل ومن دون أي معارضة تقريباً حيث أغرقتها القيادة بما سمي «المستقلّون»، لكن واقع الأمر أن معظمهم لم يكن ملتزماً بفتح وبرنامجها حتى ذلك الحين، بل كان مرتبطاً شخصياً بمن عيّنه ومقيّداً في الوقت نفسه بملفات فساد لا أول لها ولا آخر... وهكذا تمكّنت القيادة من تمرير ما تريده من قرارات ومن ثم فرضها بمختلف الطرق، تماماً كما يجري الآن في منطقة نفوذ جماعة مكتب المقاطعة في رام الله حيث تستعين قيادتها بمؤسسات السلطة الكاريكاتورية لتمرير كل ما تطلبه الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل منها. وهذه السياسة توضحت على نحو جليّ في لبنان إبان الحرب الأهلية حتى الاجتياح الصهيوني عام 1982. فقد استفادت القيادة من الحركة الوطنية «اليسارية» في مواجهة اليمين، واستُخدم اليمين اللبناني «السنّي» في مواجهة يسار الحركة الوطنية اللبنانية. وأدّى مال التكفيريين النفطي الإفسادي دوره في تليين أصحاب الأفكار والمبادئ «الخشبية»، وكانت ثمة وسائل مدوية بديلة لمن لم يقتنع.
وعندما نتحدث عن قيادة حركة فتح، نعني بذلك ذوي الفصل والربط والحل فيها، وهما، إضافة إلى القائد العام، الشهيدان الكبيران أبو جهاد مؤسس حركة فتح، وأبو إياد. أما الحديث عن خلاف بينهم، فكان نوعاً من الدعاية الداخلية لتمرير قرارات وسياسات داخلية غير مقبولة. أمّا باقي أعضاء اللجنة المركزية، فكانوا «كمالة عدد» لا أكثر. نذكّر بهذا لأنه سيساعدنا على فهم التطورات الداخلية اللاحقة في الحركة.
القائد العام لم يكن يمينياً بالمعنى العَقِدِي، بل كان سياسياً تقليدياً. كان في موسكو لينينياً، وفي بكين ماوياً، وفي كوبا غيفارا وكاسترو معاً، وفي فييتنام جياب وهو شي منه، وفي مصر عبد الناصر ناصرياً، وفي مصر السادات ساداتياً، وفي جزيرة العرب وهابياً وحتى مطاوعاً إن دعت الحاجة، وفي فرنسا نابليونياً أو ديغولياً، حسب الظرف... إلخ، لكن سياساته كانت السير مع التيار المحيط، مع محاولة الاحتفاظ باستقلالية [له].
باختصار، كان يرى أن الطريق الوحيد المتاح أمامه لتحقيق أي نتيجة في الصراع مع العدو، هو العيش على التناقضات العربية والدولية التي كان قسم منها يستخدم قضية فلسطين للمتاجرة الرخيصة. وقد تمكّن من فرض رؤيته هذه بمختلف الأشكال، ووقف «العالم» كله معه. قبل اتفاقية السادات مع العدو الصهيوني في كامب ديفيد، كانت فكرة «الدولة» مستحوذة على فكر قيادة فتح على نحو غير معقول. وعندما كان يناقش في حدود الدولة العتيدة، كان الرد: عاوز دولة ولو على مزبلة في أريحا. بل قيل: ولو على ظهر حمار. وعندما كانت تسأل عن سبب تقديم كل هذه التنازلات من دون مقابل، كانت الإجابة: الدولة في جيبي. وفي إحدى المرات طلب منه إظهارها من جيبه!
لكن عندما اجتاح العدو الصهيوني لبنان، بموافقة ضمنية من التكفيريين العرب وأتباعهم المحليين، وتأييد غربي غير مشروط، وذهول وعجز سوفياتيين، تلاشى ما كان يُظن أنه تناقضات، وكان على القائد العام مواجهة الحقيقة الصعبة، واضطر لمغادرة لبنان بحماية قوات حلف شمالي الأطلسي حيث حسم خياراته «حارقاً سفن العودة» بتوجهه إلى اليونان ومن بعد ذلك اتخاذ القرارات المعروفة التي أراد من خلالها دفع ما بقي من معارضيه إلى الانشقاق، ذلك أنه كان على علم كامل بتفاصيل التحرك الذي عرف باسم «الانتفاضة».
لكن القائد العام، رحمه الله، أدرك النهاية الكارثية لوهم إمكانية الوصول إلى تسوية مع العدو تحقق مطالب «الحد الأدنى» كما حددها هو، وندم عليها، وإن متأخراً جداً. وبعدما قدم للعدو كمّاً هائلاً من التنازلات المجانية، قال قبل انتقاله إلى دار الخلود «إنه أخطأ عندما ظن أن السلام مع إسرائيل ممكن».
وكان قبلها قد اعترف بخطأ استراتيجي آخر ارتكبه وندم عليه، عندما اعترف خلال اجتياح العدو الصهيوني لبنان عام 1982 لصحافي بريطاني، على ما أذكر، في مقابلة تلفزيونية أذاعتها محطات غربية كثيرة ومنها الألمانية، بأن الخطأ الأكبر الذي ارتكبه كان: أني قبلت وقف إطلاق النار في عام 1978.
وللعلم، عندما وافق القائد العام منفرداً عام 1978 على وقف إطلاق النار مع العدو الذي اجتاح جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، اتخذت قيادات فتحاوية فعالة وذات مراكز حساسة فيها من الصفين الأول والثاني (عضوا لجنة مركزية وثلاثة عشر عضو مجلس ثوري) قراراً بالتصدي ومنع القوات الدولية من التمركز، وباشرت فيه. الأخبار عن هذا وصلت إلى القائد العام عن طريق مخبرين اثنين، ففشل التحرك واعتقل من اعتقل و«أعدم" عنصران من تنظيم أبو داود وناجي علوش، إثر محاكمة صورية خاصة أقيمت لهذا الغرض تحديداً بعدما رفض «القضاء الثوري» طلب إصدار حكم الإعدام، وقيل وقتها على لسان رئيسه بأنه لن يتمكن من النطق بحكم يتجاوز بضع سنوات حيث كانت التهمة الرسمية «الإساءة إلى الجماهير [كذا!]»!
هذا لا يعني إطلاقاً أن الوضع الفتحاوي الداخلي كان وردياً، لكن كان ثمة أمل ما في تغيير – قيادة فتح لم تتمكن بعد كل ما جرى من ترويض البيت الداخلي وترتيبه، من إجبار «المجلس الثوري لحركة فتح على قبول «مشروع فهد عام 1981» الذي يعترف «بحق إسرائيل في العيش [طبعاً بسلام ووئام ومحبة وأخوّة]، ورفضه أيضاً مؤتمر القمة الذي عقد في مدينة فاس المغربية عام 1982. وقتها قال «القائد العام»: إللي حترفضوه اليوم بشروطتكم حتقبلوه بكره بشروطهم. لكن هذا الرفض كان صورياً ولا معنى له لأن القيادة الفتحاوية كانت تفرض سياساتها عبر منظمة التحرير التي، كغيرها من المؤسسات الفلسطينية، لم تكن أكثر من مؤسسة صورية، وفي جوهرها جهاز تابع إلى حد كبير لها ولأوامرها، وكانت منخرطة في عملية الاستسلام للمشروع الصهيوني.
لكن بعد ذلك «الانقلاب من فوق» تمت تصفية ما بقي من نفوذ لتيارات ديموقراطية في فتح، ما جعل بعض الكوادر تصف القائد العام بأنه «القائد الخاص» في احتجاج لفظي على انحيازه للتيار اليميني، وبدأ في الظهور أشخاص و«قادة»، لم يكونوا قادرين حتى على تحصيل معاشهم الشهري من دون موافقة «القائد العام»، هم الذين نراهم منذ ذلك الحين يحتلون مختلف شاشات التلفزة وصفحات وسائل التضليل في معظم البلاد العربية وغير العربية. أولئك كانوا قبل ذلك من دون أي تأثير، ميزتهم الوحيدة التزامهم الولاء المطلق لمن عيّنهم، تحرسه ملفات فساد [وإفساد] لا حصر لها [إن احتجّ أيّ منهم على هذا فاسألوه عن مقدار أرصدته المصرفية وممتلكاته العقارية وأسهم الشركات وكيفية تحصيلها]. بعضهم كان مادة للتسلية والتندر أكثر من أي أمر آخر، لا يسمع لهم أحد، ولا يعرفهم معظم أبناء الحركة. «قيادات» كانت عاطلة من العمل، ما شجع أحدهم الذي سماه وليّ نعمته (كرزاي فلسطين) على الالتحاق بمقاعد الدراسة في جامعة لومومبا المخصصة لهمل «العالم الثالث».
وتحولت حركة «فتح» على نحو كبير إلى شركة توظيف، واستغلّ بعضهم الوضع ليوظف في إحدى مؤسسات منظمة التحرير التي يرأسها، عشيرته وحمولته وأقرباءه، لكنه وصل الآن إلى ما يستحق من نهاية. أما مؤسساتها الإنتاجية، فقد استحالت وكالات استيراد وتصدير بعدما صفيت معظم ممتلكاتها المنتشرة في كثير من أنحاء العالم، من المغرب وموريتانيا، إلى السودان واليمن والعراق وجزر القمر، وفي كثير من الدول الأفريقية وغيرها من الدول الصديقة.
مع ذلك، ومع تحميلنا القيادة الفتحاوية المسؤولية الرئيسة عما وصلنا إليه، فإننا لا تبرّئ إطلاقاً أنظمة عربية عديدة من هذا الوضع المأسوي الذي نعيشه، وهي التي كانت تعبث في الساحة الفلسطينية بسبب ومن دون سبب، وكلما سنحت لها الفرصة؛ وهذا أحد أهم أسباب تعاطف قطاع كبير ومهم من الشعب الفلسطيني مع «القائد العام» وسياساته، رغم معرفته بأضرارها. لكن ممارسات «جماعة تونس» اليومية في مناطق السلطة أقنعته بخطئه كما أظهرت آخر انتخابات في «الضفة والقطاع»، لكن بعد فوات الأوان.
في الوقت نفسه، من غير الصحيح ولا من المنصف تاريخياً تجاهل مسؤولية المعارضة الفلسطينية داخل حركة «فتح» وخارجها [ولكن بدرجات متفاوتة] في ما وصلنا إليه.
الطرف الأول هرول وراء مصالحه الشخصية وأعطى لطموحه الشخصي وأحقاده أولوية على المصلحة الوطنية العليا. وحاله اليوم خير مؤشر على طبيعته وجوهره.
أما المعارضة الفلسطينية من خارج فتح، فقد كانت عديمة التأثير، وأسباب ذلك عديدة لكن أهمها يعبّر عنه الاسم الذي اتخذته لنفسها، أي: جبهة الرفض. كانت ترفض سياسات القيادة الفتحاوية [بدرجات متباينة من الحماسة]، لكنها لم تتمكن، ولأسباب مختلفة، من تقديم بديل.
أمراض الحركة الوطنية الفلسطينية، وحركة فتح تحديداً، كثيرة ولا يتسع المجال هنا لعرضها، لذا ركزنا على بعض أسسها.
إذاً، بدايات الكارثة الوطنية كانت هزيمة «مشروع الثورة» في الأردن وانفصاله عن شعبه. النتيجة أن خروج الحركة الوطنية الفلسطينية من الأردن عام 1970/71 لم يكن خروجاً جغرافياً بالدرجة الأولى، بل سياسياً وفكرياً وعقِدياً. كان خروجاً من «مشروع الثورة» إلى مسيرة الاستسلام. خروج من مشروع تغيير الواقع إلى الانخراط فيه، خروج من فلسطين والدخول في «إسرائيل».
والخطوة العملية الأولى تجاهه كمنت في «انقلاب» حركة «فتح» عام 1978 عندما قرر القائد العام الانخراط بقوة في التسوية اعتماداً على وعود هلامية إمبريالية وعربية تكفيرية. فقد رأى في صدور قرار عن مجلس الأمن بإرسال قوات دولية إلى جنوب لبنان اعترافاً دولياً به طرفاً رئيساً في «النزاع»، وربما هذا ما شجعه على الانحياز على نهائياً إلى مسار التسوية، الذي أوصل الساحة الفلسطينية إلى حفرة لا قاع لها من الكوارث الوطنية والهزائم.
لذا، فإن تطور مسيرة استسلام قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية كان النتاج الطبيعي لقيادة مهزومة تفتقر إلى مرجعية فكرية ثورية تخلت من دون قيد أو شرط عن كل وسائل القوة والمقاومة التي كانت بيديها. نتيجة منطقية لمسيرة انهزامية سببها عدم توفر فكر ثوري هاد وبرنامج للتغيير والتحرير، ورؤية للواقع من أجل تغييره. وتكفل يمين رجعي فلسطيني وعربي متخلف، ويسار فلسطيني وعربي ودولي مرتدّ، مسرف في انتهازيته وتخاذله، بتقديم كل مسوغات الاستسلام ووضعها في قالب جميل، للهبل والمتذاكين، ولشعبنا الطيب ولأمتنا المسكينة.
القائد العام أدرك ما أوصل إليه الحركة الوطنية الفلسطينية. والذي كان يبحث عن الخلود في دار الفناء، عندما ووجه بأقصى درجات صفاقة العدو ووقاحته يوم طلب الاستسلام غير المشروط، رفض ذلك، وفضل السجن والموت في مقره الأخير على ذلك. وذلك رغم أنّه كان قد قدّم تنازلات للعدو تتجاوز أضعاف أضعاف ما قدمه عرب بريطانيا وأميركا مجتمعين منذ التمرد الغادر الذي قاده ذوو عون الذين يدعون، كذباً، التحدر من بني هاشم أهل الرسول الأعظم، بالتنسيق مع أوروبا «الكافرة» على الحكم العثماني عام 1916،
لكنه خلف لنا «قيادة» فرضها على الشعب الفلسطيني بمختلف الوسائل كانت تنتظر موته كي تحل محله، كما ترك وراءه وضعاً فلسطينياً كارثياً بائساً.
من تولى أمر «السلطة الوطنية» الكاريكاتورية بعده، لم يكن يوماً يؤمن بثورة ولا بكفاح مسلح، بل إنه وقف إلى جانب زيارة السادات إلى فلسطين المحتلة ونُقل عنه قوله وقتها: فاتتنا الطيارة، أي: الطائرة المقلة للسادات إلى القدس المحتلة. لم يكن له أي تأثير في حركة فتح، وكل ما كان يعرف عنه أنه يعمل في برنامج لإعادة اليهود العرب إلى بلادهم، وأنه توّج جهوده الهائلة بإعادة واحد منهم! الحديث معه، فضلاً عن العمل معه، كان شبهة وطنية. فهل ما يفعله بالشعب الفلسطيني وبقضيتنا هو للثأر من ذلك الماضي غير البعيد؟
كثر في حركة فتح كانوا يسألون: ما دام محمود عباس يحمل هذه الأفكار الاستسلامية، فما الذي يفعله في حركة مسلحة انطلقت قبل سقوط باقي فلسطين [الانتداب] بيد العدو الصهيوني!. هذا سؤال شرعي وضروري.
لذا من حقنا أن نسأل، وأن نحاسب من بعدها، وإن كنا لا ننتظر إجابة منكم لأنكم مسؤولون تجاه من أتى بكم إلى الموقع في آذار عام 2003، والعالم كله يعرفه لأن بوش والناطقين باسمه وقادة العدو المغتصب أعلنوا ذلك أمام وسائل التضليل العالمية.
محمود عباس، أنت قلت: انتفاضة عام 2000 جلبت كوارث على الشعب الفلسطيني. بغضّ الطرف، أو حتى بصرف النظر عن مفهومي لما تعنيه «انتفاضة»، وملاحظاتي في حاجة إلى مجلدات، مع التعبير عن عميق احترامي الصادق لكل من سقط فيها شهيداً أو جريحاً أو أسيراً فيها حيث يظهرنا كم نحن صغار، فإنك تعني أن مقاومة العدو جلبت خراباً على الشعب الفلسطيني، ولذا فإنك ضد مقاومته بوسائل عنيفة وحتى غير عنيفة.
ما تقوله يعني أن قبول الفلسطينيين الاحتلال أفضل من مقاومته.
ما تقوله فعلاً: إن سلطتكم الكاريكاتورية الوهمية التي ابتلي بها أهلنا في «الضفة والقطاع» بعد استسلام أوسلو، جلبت الرخاء لشعبنا هناك.
لكننا نتساءل: لماذا فعلتم ما فعلتموه بعدما تسببتم في كوارث وطنية لا حصر لها وتقبلون الآن أقل ما كان لدى شعبنا قبل أن يبتلي بكم؟
ثم نسأل محمود عباس: هل تحسّن الوضع المعيشي لسكان «الضفة والقطاع» في ظل إدارتكم الرثة؟ هل توقف الاستيطان الصهيوني؟ هل تحسن أداء سلطتكم المهلهلة؟ هل نقص عدد السجون وازداد عدد مراكز العلم؟ هل نقص عدد المساجين السياسيين في سجونكم؟ هل اقترب شعبنا أكثر من استعادة حقوقه في وطنه؟ هل خفّت عمليات التعذيب في سجونكم والاعتقال من دون محاكمة؟ هل توقفتم عن نهب سكان الضفة والقطاع وتوقف فرض الخوّات، كما كنتم تفعلون في لبنان؟ الفساد في سلطتكم البائسة، بمختلف أشكاله هل توقف أو حتى خفّت وتيرته؟ هل خفّت هجرة أبنائنا من الوطن؟ هل تحسن «اقتصاد» المنطقتين؟ هل زادت حرية المواطنين في ظل سلطتكم المهلهلة؟ هل تمكنتم من تحرير أسير واحد؟ أو على نحو أدق: هل أصلاً حاولتم أو رغبتم في تحرير أسير واحد؟ هل خفت الاعتقالات السياسية والتعسفية؟ هل نقص ما في حساباتكم المصرفية من أموال أنتم غير قادرين على إثبات شرعية تحصيلها؟ هل زادت شعبيتكم أنت وباقي تجمع مبنى المقاطعة؟ هل أنتم على استعداد للدخول الآن في انتخابات حرة ونزيهة يشارك فيها كل أبناء شعبنا لتعرف رأيه فيكم وفي سياساتكم؟ الكل يعلم، وأنت في المقدمة أن الإجابة عن كل ما سبق هي بالنفي.
محمود عباس: لقد التزمت علناً مراراً وتكراراً أمام قادة العدو وأتباعك ووسائل التضليل العربية والعالمية، بأن الطريق الذي اخترته لا بديل عنه، وأن المفاوضات هي الطريق الوحيد بالمطلق. أي أنك تقول للعدو: افعلوا ما تريدون، صادروا الأراضي وابنوا المستوطنات وتوسعوا ما أردتم، اعتقلوا ما شئتم، واقتلوا ما رغبتم، دمروا ما طاب لكم من منازل، لا تتراجعوا عن مواقفكم، شنوا ما أردتم من حروب، وحاصروا من تريدون محاصرته... فأنا لن أقاومكم، وبمساعدتكم سأقطع رأس من يفكر بمقاومتكم.

رغم التنازلات المجانية التي قدّمها، اعترف «القائد العام» قبل رحيله بأنّه أخطأ عندما ظنّ أنّ السلام مع إسرائيل ممكن
عمليًا هذا ما تقوله. أنت لم تقل: أريد «انتفاضة» منظمة وأكثر فاعلية، وأريد مقاومة فعالة، وأريد ثورة تقوّي من موقف الطرف «الفلسطيني». لو سألت أو حتى تساءلت عن بديل أفضل لانهالت عليك النصائح والمحاضرات عن الموضوع، لكن هذا الموضوع لا يخطر لك على بال، وقاموسك السياسي لا يتسع إلا لكلمة واحدة: الاستسلام.
أنت تلوم مقاومة شعبنا المبتلي بكم على الوضع، وأنها لم تجد نفعاً في الماضي. لكن من كان المسؤول وقتها؟ ألم تكونوا أنتم المسؤولين؟ إلى متى: أسيادكم في الجاهلية أسيادكم في الإسلام؟ أنتم تتحملون بالتالي كل تبعات تلك المراحل التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه من بؤس حال! أنت تعلم أن السياسة التي تتبعها لم تأت إلّا بكوارث على الشعب الفلسطيني، وأن الوضع يزداد سوءاً وخطورة، وأن الأخطار المحدقة بنا وبقضيتنا تتكاثر ساعة بعد ساعة. وإذا كنت حقًا لا تعرف، فحواريوك يخبرونك، مع أنهم بدأوا بالتخلي عنك والالتحاق بمندوب الصندوق الدولي البليد الذي بدأ يستعد لخلافتك بعدما اقتربت نهاية مرحلتك ولم يعد لديك شيء للتنازل عنه.
وبالمناسبة، مندوب صندوق النقد الدولي هذا، يفعل أيضاً ما فعلته أنت عندما كان وليّ نعمتك محاصراً في مكتبه؛ ينتظر رحيلك ليتسلم مكانك. ومن كان معك سيلتحق به. أي أنهم سيفعلون ما فعلت أنت.
محمود عباس، عندما يحذر مستخدموك أصدقاءكم الصهاينة من أن الفشل في الوصول إلى اتفاق سيعني نهاية «السلطة»، فإنهم يعترفون بصريح العبارة بأنها قائمة لخدمة الاحتلال، وليس لإنهائه. الآن وأنت قد استجبت، مختاراً، للالتحاق بركب «مفاوضات الاستسلام النهائي»، قد يقف بعض الناس حيارى إزاء أسباب التمسك بسياسة أثبتت عقمها وحتى عدم التفكير في بديل. لكنني لست منهم. لا أقف حائراً أمام ما تفعل أنت وتجمّع مكتب المقاطعة.
محمود عباس، أقول: سياساتك كلها تفيد الاحتلال، والاحتلال فقط، وتضعف من شعبنا ومقاومته، وأنت تعلم ذلك. أنت تتبع هذه السياسة وتتمسك بها لأنك تعلم ذلك. أنت تسير في هذا الخط ليس عن جهل ولا عن قلة خبرة أو عدم دراية بما وصلنا إليه بسببه، بل عن سبق إصرار وتصميم، وأنت تعلم ذلك. أنت تسير في هذا الخط التدميري طوعاً، كما قال مظفر النواب: «لا إكراه ولا بطيخ، بمحض إرادته» وأنت تعلم ذلك. أنت تسير فيه لأنه يقوّي العدو المغتصب ويضعف مقاومة شعبنا المسكين له، وأنت تعلم ذلك. أنت تسير فيه لأنه يفيد العدو ويلحق المزيد من الأضرار القاتلة بشعبنا المظلوم، ولذلك فإنك مصمم على إلحاق الهزيمة بشعبنا، وأنت تعلم ذلك.
محمود عباس، كل طفل في وطننا الكبير يعرف الأسماء: خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح وطارق بن زياد ويوسف بن تاشفين وعبد الرحمن الداخل وصلاح الدين الأيوبي وسيف الدين قطز والظاهر بيبرس وعز الدين القسام وعبد القادر الحسينـي، وغيرهم العشرات من كبار رجال العرب، ومعهم عشرات آلاف الشهداء من أبناء أمتنا. هؤلاء الخالدون، أسماؤهم انحفرت في ذاكرة كل فرد منا بسبب تفانيهم في خدمة أمتهم.
محمود عباس، أنت لست واحداً منهم.
في عام 1978 اتفق زعيم وهميّ أسود من روديسيا اسمه آبل مزوريوا، مع العنصري إيان سميث، على «حل» لمشكلة المستعمرة التي أعلن قادتها من الغزاة الأوروبيين استقلالها عن بريطانيا. قاد ذلك إلى تحرر وهمي أتاح للمستعمر السيطرة العملية على مقدرات البلاد. الغرب كله وقف مع العنصري وأتباعه، لكن كل ذلك لم يجد. فبعد ذلك الإعلان بعام، انهار ذلك «الاستقلال» ولم يعد أحد حتى يتذكر اسم أيّ من صانعيه.
هل تعرف اسم أي من «أمراء» المماليك الذين تحالفوا مع الصليبيين وشاركوا في حملاتهم، حتى التي وصلت إلى مصر؟ لا، هذه ليست أحجية ولا اختباراً لمعلوماتك العامة، صدقني أنني لا أتذكر الاسم إطلاقاً. الاسم مر عليّ كثيراً في الماضي، لكنني نسيته، غير أن نعوتهم يحفظها كل وطنيّ.
محمود عباس، أنت واحد منهم. لهذا كله، ولأسباب كثيرة أخرى تحتاج إلى مجلدات لعرضها، أقول لك، باسم شعبنا كله: إنّي أتّهم!
* كاتب فلسطيني مقيم في بيروت