حسان الزين

مذهلة هي قدرة عباس بيضون على التعافي من «الغيبوبة» التي أدخلته بها سيارة مسرعة، في أحد شوارع بيروت.
كأنه، فجأة، نسي أنّه جريح ونهض من سريره مستأنفاً حياته. حذف مقطعاً من حياته، شهرين على الأقل، وعاد بحماسة إلى مكتبه وأصدقائه وأوراقه. مفاجئ هذا. من أين له حب الحياة؟ من أين له القدرة على استئنافها؟ من أين له الرغبة في العيش في هذا البلد؟ أسأل ذلك وأعرف أن الحياة أسهل شيء في هذه الحياة. كما لو أن عباس بيضون قرّر عدم إزعاج أصدقائه المتحلّقين حوله مريضاً. قرّر أن يطلب من سائق السيارة نسيان تلك الليلة وارتداداتها. كما لو أنه يريد احتكار المأساة لنفسه وحده. ما حصل في تلك الليلة وما تلاها، فوق السرير في غرفتي العمليات والعناية المركّزة... وفي أروقة الانتظار، فكرة يطاردها عباس وحده. ما حصل تلك الليلة مسودة، وإذ يعود عباس إلى حياته يحاول إيجادها حيث أضاعها، يحاول إعادة صوغها من حيث أفلتت وطارت.
لعل المذهل في هذا، ليس قدرة عباس بيضون على الحياة، فقد بدت ملامح ذلك واضحة أثناء مقاومته الجراح. الجميع استغرب قوّة بنيته وكأنه كان يُخفي هذا السرَّ، وهو الذي جعل الآخرين يغفلون عنه مأخوذين بعباس بيضون الشاعر والكاتب من طينة الموهبة الخالصة والنادرة. وليس المذهل أن يفاجئ عباس بيضون، مفاجآته الكتابيّة باتت عادة، وكثيرة هي القصص المفاجئة عنه. المذهل هو رغبته في الحياة. الأكيد أنه لا يسعى إلى إعطاء درس في هذا. هذا آخر همومه. لكن حماسته للحياة، مفاجئة. أحسب أنها رغبة في تخفيف وطأة الحياة أكثر مما هي رغبة في الحياة. الخروج من المرض والسرير ترويض للحياة، هو مواصلة أمر ما بدأ سابقاً، منذ زمن، لعله الحياة نفسها، أو الصداقة أو العمل أو الكتابة. الكتابة التي خطا بها خطواته الأولى خارج السرير، حتى قبل أن يخرج بجسده منه. الكتابة التي طمأن بها أصدقاءه قبل أن يسمعوا الأطباء، وقبل أن يروه يخرج من السرير ويمشي في الغرفة كطفل.
عباس بيضون لا يعطي درساً بحب الحياة.
هذا أكيد، لكنه يستفز الأسئلة: أهو درس في علوم الحياة، في الحياة نفسها، في القدرة على الحياة، في غرابة الحياة، في الضحك من الحياة، في لزوم الحياة، في الصداقة، في الكتابة؟
لا يعطي درساً في الحياة وحبّها، لكنه يستفز أسئلة العيش في هذه المدينة التي تشبه سيارة مستعجلة تزاحم العابر على الرصيف، أو في تلك «المدينة» التي لا تشبه قصيدتها. ولا مكان نذهب إليه، حتى القصيدة باتت مثلنا مضجرة، حتى السخرية باتت تبحث عن وظيفة، في الهوامش التي يهملها السياسيون والمرتزقة. لم نترك لأنفسنا حلماً، فيما نطرق أبواب الكوابيس. لم نترك لأنفسنا شهيداً فيما نبحث عن أسلحة وشوارع وجدران تتسع للصور. لم نترك ماضياً كي لا نبدو «تافهين» نتعلّم. ولم نبنِ مدينة لندمرها، ولم ندمّر أنفسنا لنبني مدينة. عملنا ذلك كله ولم نفهم معنى الدمار.
يحرجني أن يكون عباس الجريح المريض أنشط منّا، أن يكون قادراً على مخالطة الأصدقاء. هذه هي المفاجأة التي تقارب خيانته الكسالى.
مرّة أخرى نشتم عباس بيضون لفعله شيئاً لا نقدر عليه. ولا يعزينا القول إن الحياة تحتاج إلى عبقرية أو قدرة بدنية تجعل أجسادنا هنوداً حمراً، فيما نحن نهرول في شبهة المدن لنغدو مدنيّين. نعيش في العلب مع أوهام صغيرة تداعب الضجر تارة وتفاقمه تارات، ونحسب أننا نقتل أمراً ما، الوقت على سبيل المثال.