حسام كنفاني

ردّاً على كلّ ما يقال عن أنه لا خيارات متاحة غير المفاوضات للرئيس الفلسطيني محمود عبّاس، خرج الأخير إلى القمة العربية ليرمي خياراته على الطاولة. خيارات بالجملة فجأة ظهرت على أجندة أبو مازن، وقرر أن يعلنها دفعة واحدة.
لم يوجه عبّاس خياراته إلى الشعب الفلسطيني، المفترض أن يكون المعني الأول بأي قرار يرغب «رئيسه» في اتخاذه، ولا سيما إذا كان على مستوى حلّ السلطة وإعادة الاحتلال، بل فضّل تقديمه على منبر القمة العربية ليحظى بالوقع الإعلامي الذي يريده، وإيصال الرسائل المطلوبة إلى العرب بالدرجة الأولى قبل الأميركيين والإسرائيليين.
لكن التمعّن في ما طرح من خيارات، إضافة إلى ما صدر بعدها من تعليقات، يشير إلى أن كل ما قدّم لا يعدو كونه فقّاعة إعلامية لن تلبث أن تختفي بعد فترة بسيطة نسبياً، ولا سيما في حال تحقّق الخيار الأول، والذي يختصر كل ما قدّمه أبو مازن.
«إذا قررت إسرائيل وقف الاستيطان فسوف تستمر المفاوضات المباشرة وسيُعمل على تفعيل وتيرتها». هذا هو خيار أبو مازن الأول، وربما الأخير. هذا الطرح قد يكون الأكثر جدية وواقعية مما قدمه عبّاس، على اعتبار أن هذا هو مبتغاه، وهذا ما يعمل لأجله على الأقل منذ ست سنوات، عندما جاء رئيساً للسلطة منتقداً خط الرئيس الراحل ياسر عرفات. أبو مازن حينها عاب على عرفات عدم التزامه بالخط التفاوضي البحت، الذي كان أبو مازن، ولا يزال، مقتنعاً بأنه الطريق الوحيد لحل القضية الفلسطينية. ست سنوات جرّب خلالها عبّاس كل وسيلة ممكنة لإثبات جدوى قناعاته، لكنه إلى اليوم لم يفلح. ومع ذلك فهو ليس في وارد الوقوف أمام الشعب للإقرار بأنه فشل، وأنه قاد الفلسطينيين إلى خيارات غير ذات جدوى.
هو ذاهب إلى عكس ذلك تماماً، فأحد الخيارات التي لم يبلغها عبّاس إلى العرب، وأوصلها فقط إلى المبعوث الأميركي جورج ميتشل، هي أنه ينوي الاستقالة من منصبه في حال فشل المفاوضات. مثل هذا القول ينسف تماماً أي خيار آخر قد يكون أبو مازن عرضه أمام الوزراء العرب، بغضّ النظر عن مدى الجدية التي تحتويها هذه الطروحات. فعباس يبدو أنه حسم أمره بالاستقالة، التي تشير إلى إقرار غير مباشر بالفشل، لكنها تعني أيضاً الافتقار إلى الشجاعة. عبّاس في هذه الحال هو قبطان المركب الغارق الذي يكون أول القافزين منه.
لكن حتى هذا الخيار، سعت السلطة إلى التقليل من أهميته، فسارع محمد دحلان وصائب عريقات إلى نفي أي نية لعباس في الاستقالة، رغم أن مثل هذا التهديد عمره عام تقريباً، حين أعلن أبو مازن نيته عدم الترشّح مجدداً للرئاسة، رغم أنه كان يدرك أنه لا انتخابات قريبة لتحسم ترشحه أو عدمه. الأمر لم يتخطّ حدود المناورة للضغط، في ذلك الحين، على الولايات المتحدة. والأمر هو نفسه اليوم.
أما الخيار الثالث، فهو دعوة أميركا إلى الاعتراف بدولة فلسطين ضمن حدود 1967، «وإذا لم يحدث فسوف نذهب إلى مجلس الأمن وندعو كل دول العالم إلى الاعتراف بالدولة، وإذا لم يحدث فسوف نذهب إلى مجلس الأمن لفرض الوصاية على الشعب الفلسطيني».
خيار فلسطيني وعربي عمره أيضاً أكثر من عام، لكن لا أحد يأخذه على محمل الجد، لا العرب ولا الفلسطينيون المدركون لموازين القوى في المنظومة الدولية. ويجب أيضاً أن لا يأخذوا التهديدات الأميركية بالامتناع عن استخدام الفيتو على محمل الجد، طالما أن لعب الكرة السياسي أسهل ما يكون بالنسبة إلى واشنطن وحليفتها تل أبيب. نموذج عن هذا اللعب هو ما يتعلّق اليوم بيهودية إسرائيل. الشرط الذي رفعه نتنياهو مقابل تجميد الاستيطان، ورفضته السلطة، سارعت الولايات المتحدة إلى تبنّيه ومطالبة عباس بتحقيقه. إنها الكرة، التي أصبحت الآن في الملعب الفلسطيني، بعدما كانت قبل ساعات فقط في الملعب الإسرائيلي. لعبة ستتكرر كثيراً في الفترة اللاحقة، وبالنهاية سترسو على تحميل الفلسطنيين المسؤوليّة، وبالتالي على إدانة أميركية لهم، تماماً كما حدث بعد كامب ديفيد الثانية، حتى لو كان الأوروبيون مؤيدين للفلسطينيين.
الاقتراح، الذي من الصعب تحقيقه، سارع أحمد أبو الغيط إلى استبعاده حالياً، وربما نهائياً.
يبقى الخيار الرابع القائم على «دعوة إسرائيل إلى احتلال الموقع، وترك السلطة الفلسطينية ومغادرة رام الله»، أي حل السلطة وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل اتفاق أوسلو. خيار ساقط منذ لحظته الأولى، بما أنه مرفوض من العرب قبل إسرائيل والولايات المتحدة، ولا سيما أن الغالبية العظمى من الدول العربية ليست في وارد تحمل وزر القضية الفلسطينية، كما كانت عليه الحال في ظل منظمة التحرير وقبل إنشاء السلطة الفلسطينية. لعل الدعم المادي العربي المقطوع عن السلطة ومنظمة التحرير خير دليل على الاعتكاف العربي.
الخيارات الأربعة، التي لا تشتمل على أي حراك شعبي بما أن عبّاس يرفضه، هي في المحصلة خيار انتظار القرار الإسرائيلي في ما يخصّ الاستيطان وتمديد المهل شهراً وراء آخر إلى حين الوصول إلى الصيغة الوسطية المنشودة. الخيار بالنسبة إلى عباس هو التفاوض ولا شيء غيره، أما الخيارات الأخرى فهي للتنفيس وليست للتنفيذ.