ناصر السهلي

حين يقول الفلسطينيون إنّه لا عودة للتفاوض ما دام الاستيطان مستمراً، حتى في القدس، فهو قول قائم على أساس سياسي وقانوني. وهو قول يستند إلى معارضة فلسطينية داخلية شعبية وتنظيمية، ترى استحالة «شرعنة» لهذا الاستيطان مهما ارتفعت أبنيته وتوسعت حدائقه. وليست المسألة مجرد شعارات عند أبناء الشعب الفلسطيني الذي يفقد يومياً بيوتاً وأرضاً مصنفة «محتلة» وفق قرارات الأمم المتحدة.
يقول السيد مبارك: «نحن لا نريد للمفاوضات أن تقف ليس بأي ثمن، لأنّ المفاوضات إذا توقفت ولو استمررنا بإيجاد مخرج للتفاوض على الحدود النهائية فستكون النتيجة أنّ إسرائيل ستبني على كلّ الأراضي». (وكالة معا، الخميس 25 تشرين الثاني/ نوفمبر)، هذا قول ينمّ عن مأزق عربي رسمي في الممارسة الحادة لسياسة الترقب العربية لما يمكن أن يقدمه بنيامين نتنياهو وهيلاري كلينتون وباراك أوباما.

لم تسلّم إسرائيل يوماً بأنّها تفاوض للانسحاب، بل لإعادة تموضع يكفل استمرار سيطرتها على الأراضي
ببساطة، إنّ عدم توقف المفاوضات، لا يعود إلى الاستهتار بالعرب والمجتمع الدولي عبر تواصل الاستيطان، بل مرده إلى عدم التسليم بأنّ ما سيتم التفاوض عليه هو أرض محتلة وفقاً لقرارات ومرجعيات دولية. لم تسلّم إسرائيل يوماً بأنّها تفاوض للانسحاب، بل لإعادة تموضع يكفل استمرار سيطرتها على هذه الأراضي مواربة، وهي التي تحدد نوعية الحياة التي سيعيشها الشعب الفلسطيني. هذا القول الصادر عن الرئيس مبارك ليس مجرد قول خطير، بل تحديد صريح للعجز العربي في مسألة «الحدود النهائية». وهو يعني بأنّه لو بنت إسرائيل على كلّ الأراضي فستتحول الأبنية إلى حالة شرعية لمجرد أنّ الفلسطينيين يرفضون الاعتراف بشرعية «أدوميم» و«كريات أربع». أي أنّهم سيخسرون أرضهم. هذا منطق عجيب، غير سليم، لمن يطلب من الفلسطينيين الثقة بالمجتمع الدولي وقدرته على إنهاء الاحتلال وتبعاته.
يقول مبارك: «سوف يأتي الوقت لو أردنا أن نقيم الدولة الفلسطينية، لا نجد فيه الأرض، وسوف ينتشر الإرهاب في أنحاء العالم ضد إسرائيل وضد أيّ شخص يساند الموقف الإسرائيلي (...) لذلك فنحن نهتم كثيراً بموضوع المفاوضات طبقاً لرغبات الفلسطينيين». وأضاف «نحن لا نفرض «حاجة» على الفلسطينيين».
الكارثي في التفكير السياسي العربي، ليس فقط ما يحتويه تصريح السيد مبارك، بل القول الصريح بأنّ الفلسطينيين يضيّعون الفرص. وهذا شعار تبريري ووظيفي للإيحاء بأنّه لا ضرر باعتراف الشعب المحتل بما يفرضه الاحتلال بقوة. وهو خطير لأنّه يحسم بأنّ الأراضي التي ابتلعها الجدار العنصري وعربدة المستوطنين ومخططات الضم وتهويد القدس أمور لا يمكن العودة عنها. ويصبح المطلوب قبول العرض.
تبدو المفاوضات في التفكير السياسي العربي (رغم الادعاء بأنّها طبقاً لرغبات الفلسطينيين) أهم من الهدف المرجو منها. ومن لا يريد فرض «حاجة»، لا يوجه سهامه إلا نحو الاحتلال وداعميه في واشنطن، ولا يهوّل بأنّه لن تبقى أرض للدولة الفلسطينية العتيدة.
يعرف الرئيس المصري وغيره من الرؤساء العرب أنّ خيار السلام الذي تبنته «منظمة التحرير الفلسطينية» منذ مؤتمر المجلس الوطني في الجزائر 1988، لم يأت سوى بنتيجة واحدة. النتيجة كانت مفاوضة الاحتلال الذي يزدري كل المرجعيات الدولية. وكان الأجدى لو أنّ الرؤساء العرب، بدل منح أوباما فرصة تلو الأخرى على حساب الحقوق الفلسطينية، توقفوا أمام ما فعله المجتمع الدولي بمبادرتهم في بيروت 2002. إذاً كان المطلوب من المفاوضات هو تصوير «العملية السياسية» وكأنّها في حالة حراك لتأجيل الانفجار الذي قد يلحق بالمنطقة نتيجة لأسباب يعرفها الجميع، فلا مناص من الاعتراف بأنّ أحداً لا يمكنه أن ينزع شرعية الحق الفلسطيني. كما لا أحد يستطيع أن يختزل قضيته في «اللحاق» بما بقي من الأرض، فالشعب الفلسطيني لا يلهث وراء فتات كانتونات محاطة بجدران وقوات من الشرق والغرب والشمال والجنوب. كما أنّ الشعب الفلسطيني لا يبحث عن توسيع سجنه الكبير، بل عن كسر قيود فرضتها مثل هذه السياسة العربية المرتجفة من قادم أيام صارت ويكيليكس تتحكم بمصائرها، وتحت تهديدها تضبط ساعات العمل السياسي القومي والوطني. أما إذا كان الخوف من «الإرهاب والعنف» محركاً لزعامات عربية، فأدعوهم إلى قراءة التاريخ بعيون أوسع من مجرد قراءات بعض ساسة الغرب. لهؤلاء خطوط حمراء، بينما للزعامات العربية المصطفّة في طوابير التصنيف الغربي لمحاور «خير» و«شر» و«اعتدال» و«تطرف» خطوط لا لون لها ولا شكل.
لقد بدأت «لعبة الأمم»، ولن تفاجئنا مخططات قادمة لافتعال أزمات وتقسيم بلاد عربية تبدو اليوم «كبيرة» وربما نجدها غداً غارقة في تحديد حدودها. هذه واحدة من أزمات غياب العمل العربي المشترك والركون لسكون خادع وتفكيك لقضايا العرب المترابطة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي أصبحت بمثابة الطعم لتثبيت أمر هذا النظام العربي وذاك.
* كاتب عربي مقيم في الدانمارك