وائل عبد الفتاح

هل رأيت الأنظمة عارية؟ ويكيليكس فعلها، لكن بعد أن أصيب العالم بنوع من العمى، غريب وعجيب ومثير لسؤال أكبر من الفضيحة: هل هذا هو مجلس إدارة الأمم؟ فضحت الوثائق كم هو فقير العالم الذي نعيشه. حزمة المصالح ضيقة، بدون أفكار ولا قامات كبرى، ولا حكم خالدة للسلطة. تكشف المقارنة مثلاً مع كتاب «لعبة الأمم» عن فارق الذكاء بين إدارة العالم الآن وإدارته في الخمسينات والستينات. أفرز استقرار المركز في واشنطن وتحالفاتها في العالم ركوداً ومللاً في حكم الشعوب.
ماذا حدث عندما نظر العالم الى وثائقه السرية؟ العالم هو أميركا ودول تدور حولها، في جاذبية مطلقة تجاه ساكن البيت الأبيض، أو عداء مطلق أيضاً. رغم أنّ أميركا مرتاحة لانتصاراتها، وتهبط ملاعبها بدون أفكار.
احتفلت الصحافة التابعة لنظام مبارك بالوثائق. رأت فيها ما يظهر رفض الرئيس لمشاركة إسرائيل في غزة. سطر واحد بنت عليه هذه الصحافة صورتها. لم تقف لتحلل أو لتنظر الى تفاصيل الصورة كلّها. التقطت دليل براءة ورسمت به صورة البطل الوطني.
لم تكن هناك جرأة على النظر في الوثائق كاملة. التعامل قطعة قطعة أسهل. التفتيش عن أدلة الخيانة والوطنية أعمى الجميع عن حقيقة أنّ الدوران في الفلك الأميركي يقسم العالم الى فريقين يتبادلان الاتهامات الخلقية عن مدى قرب الفريق الآخر أو بُعده عن مركز السيطرة في واشنطن.
إنّها صورة للعالم عن نفسه، لا يتحمل النظر اليها طويلاً. المرآة قاسية وحقيقتها العارية لا تتحملها شعوب مسلوبة الإرادة.
تهلل الشعوب فرحاً بالفضيحة. تحتفل بالعري، لكنّها ليست قادرة على مواجهته. إنّه دليل جديد على العجز.
وعلى المجتمع المصري، بعد أن عاش التزوير المعلن، أن يعترف بمزيد من العجز، لأنّه لا يمكنه محاسبة المزورين ولا يمكنه تحويل منحة ويكيليكس للشعوب المريضة الى فيتامينات تقوية.
قبل ويكيليكس نشرت على موقع «تويتر» صورة لوزير الإنتاج الحربي سيد مشعل وهو يوزع بيديه أوراقاً مالية جديدة على جموع تمد يديها من الحاجة.
أوراق العشرة جنيهات، الموزعة ليلة الانتخابات، فضيحة في بلاد أخرى تحترم القانون والمحاسبة. لكنّها بالنسبة إلى مجتمعات مبعدة، منفية، في بيوت لا يدخلها سوى الاحتياج والقهر اليومي، تفعل ما كانت تفعله أفلام وحش الشاشة عندما تتوحد مع بطلها الشعبي لحظات العرض، تصفّق وتهتف له. وعند باب دار العرض، تشعر بالانتصار وتنام وهي تحلم بانتصارات البطل، لتستعد ليوم آخر في طاحونة الحياة بدون قانون.
إنّها ألعاب التنين العجوز، الماهر في ملاعبة الشعوب المريضة، والمحترف في الترويض. يتركك تشتمه ويعرف كيف يرجعك الى طاعته.
القوانين كلّها معطلة إلا عندما يصدر قرار بعملها. لن يحاسب المزور الا عندما يريد التنين، ولن تصبح هدية ويكيليكس ثمينة الا اذا وصلت الى منطقة أبعد من التشفّي والاحتجاج.
الانتخابات أصابت المصريين بجروج جديدة. ويكيليكس كان عابراً. شغل جمهور الإنترنت فترة قصيرة شُغلوا فيها عن الفضائح الكبرى، لكنّها أخذت وقتها وأغلق ملف أسرار الحكم، لتبدأ عمليات التأمل.
وقعت الخديعة قبل الانتخابات بفترة ليست قصيرة. تسريبات من قلب النظام توحي أنّ يوم الانتخابات سيشهد مذابح وبحيرات دماء وصفقات توزع فيها المقاعد على نجوم مختارين من المعارضة. بل إنّ الحكومة ستزوّر للمعارضة. تسربت هذه الملامح وتعامل معها الجميع، صحافة وأحزاباً وتيارات ومحللين، على أنّها حقيقة رهن التنفيذ.
استعدّ جسم الحياة السياسية في مصر ليوم القيامة، لكنّها لم تكن كذلك. ترك النظام الملعب خالياً، بعد أن أصاب الجسم كلّه بالشلل، والترقب، والكمون.
انتظرت الأحزاب المصرية العطايا، وإعطاء المقاعد للمعارضة لكي يخرج المجلس لائقاً ديموقراطياً. وهدد الإخوان باستعراضات القوة، وقاطعت المعارضة الجديدة الانتخابات لتعرّي النظام، لكنّها نامت في البيوت توزع خطابات الشماتة على من علت صرخاتهم من فداحة التزوير.
الجميع اشترك في تغليظ أسطورة الحزب وأياديه العنيفة. والحزب لم يفعل سوى تمهيد الملعب لكي يلعب وحده، وترك العرض يجري بفعل القوى الذاتية للمجتمع الذي تعب في تصنيعه بكل دأب، وحوّله الى مرتشين ومتسولين، وبلطجية، يقتلون من أجل الجنيه.
هل تعزز الفضيحة قوة أنظمة تقوم على سلب الإرادة؟ وهل يمكن أن تصنع الفضيحة إرادة جديدة؟ ماذا ستفعل ويكيليكس بالشعوب المريضة؟