strong>علي خير الدين*

منذ تسلّم حزبي المحافظين والديموقراطيين الأحرار في بريطانيا الحكم في أيار من هذا العام، بدأت الحكومة الائتلافية بتطبيق سياسة تقشّفية لخفض الدين العام للدولة الذي بلغ في أيلول الماضي حوالى 952 مليار جنيه استرليني (حوالى تريليون وخمسمئة مليون دولار أميركي). جوهر هذه السياسة التقشّفية هو صرف حوالى نصف مليون موظف من القطاع العام. هذا بالإضافة الى خفض ميزانيات العديد من القطاعات الخدماتية الحيوية كالتعليم والصحة وخفض الإعانات المالية التي تقدمها الحكومة لذوي الدخل المحدود، عدا عن خفوضات في ميزانيات وزارة الدفاع، والداخلية، والعدل. سيؤثر ذلك سلباً على مستوى الخدمات التي تقدمها هذه المؤسسات للمواطنين، إن كان في المجال الطبي والاستشفائي أو في المجال التعليمي، والأمني والدفاعي.
كذلك رفعت الحكومة الأقساط الجامعية من 3200 جنيه استرليني في السنة الى 6000 وبعضها إلى 9000 جنيه. والهدف من هذه الخطة التقشفية هو توفير حوالى 83 مليار جنيه في السنوات الأربع المقبلة. ويريد المسؤولون بذلك تجنب انهيار اقتصادي على غرار ما حصل في اليونان حين أصبحت الدولة على شفير الإفلاس وطلبت مساعدات مالية عاجلة من دول الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي لتفي بالتزاماتها المالية في بدايات هذا العام أو كما حصل لإيرلندا في الأسبوع الماضي.
تتذرع الحكومة البريطانية بهاتين الحالتين لتبرر خطتها التقشفية الصارمة التي سيتأثر بها سلباً الملايين من المواطنين ذوي الدخل المحدود. كما تستخدم هذه الأعذار خلال استعدادها لصرف نصف مليون شخص من وظائفهم في الشهور المقبلة. هؤلاء سينضمون الى قافلة العاطلين من العمل الذين يبلغون حوالى مليونين ونصف مليون شخص حالياً. تقول الحكومة البريطانية إنّها إذا لم تتخذ «هذه الإجراءات الصعبة لترشيد الميزانية وخفض الدين العام فستهتز ثقة المستثمرين بالاقتصاد البريطاني».
لكن بعض الخبراء الاقتصاديين يقولون عكس هذا الكلام تماماً وخصوصاً أنّ الوضع الاقتصادي لم يتعاف بعد من الركود الذي أصاب الاقتصاد العالمي وطال بريطانيا. ونذكر كيف تدخلت حكومة العمال حينها لإنقاذ عدد كبير من المصارف والمؤسسات المالية التي كانت على وشك الانهيار.
يقول الاقتصادي البريطاني الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد البروفسور كريستوفر بيساريدس «إنّ وزير الخزانة جورج أوزبورن ضخّم من أزمة الدين ليشبّهها بما حدث في اليونان». ويضيف إنّ «الخفوضات الكبيرة التي أعلنها أوزبورن تهدد الاقتصاد البريطاني بمخاطر لا مبرّر لها»، وإنّ مخاطر أزمة الدين «قليلة». ويرى بيساريدس أنّ من المهم تفادي الخطر من الدين العام، لكنّه يرى أنّ بريطانيا بعيدة جداً عن هذا الخطر. وأنّ «الضعف الحالي في الاقتصاد البريطاني كان يفترض أن يقلق وزير الخزانة أكثر، فنسبة البطالة مرتفعة وفرص العمل قليلة، وباتخاذ الإجراءات التي أعلنها وزير الخزانة يمكن أن يصبح هذا الوضع أسوأ».
وللمرة الثانية خلال أسبوعين، سارت تظاهرات احتجاجية في شوارع لندن ضد خطط الحكومة التقشفية قادها طلاب ومحاضرون في الجامعات اعتراضاً على رفع الأقساط الجامعية إلى ثلاثة أضعاف المستوى الحالي. وسرعان ما تحوّلت التظاهرات، بمشاركة آلاف الطلاب قرب البرلمان البريطاني ومقر رئاسة الوزراء وسط لندن، إلى أعمال عنف. واندلعت اشتباكات بين الشرطة وعدد من الشبان الغاضبين، إذ عمدوا الى تحطيم زجاج سيارات الشرطة ورشقها بالبيض والزجاجات والمواد المشتعلة وقنابل الدخان. وكان الطلاب قد نظّموا اعتصامات في عدد من الجامعات البريطانية شملت بليموث وبيرمنغهام وبريستول والعاصمة لندن، حيث وقعت تظاهرات مشابهة في العاشر من تشرين الثاني الجاري بعد اقتحام الطلاب مقر حزب المحافظين الحاكم وعمدوا الى تكسير زجاج المدخل الرئيسي للمبنى والدخول إليه ومن ثم إضرام النار فيه.


قد تدخل البلاد في فوضى عارمة شبيهة بتلك التي أسقطت حكومة مارغريت ثاتشر المحافظة في عام 1990
هذه هي البداية لمجموعة من الاحتجاجات التي سينظمها الطلاب والاتحاد العمالي البريطاني احتجاجاً على الخطط التقشفية والتي قد تُدخل البلاد في فوضى عارمة شبيهة بتلك التي أسقطت حكومة مارغريت ثاتشر المحافظة في عام 1990.
وهذا ما هدد به «لين ماكلوسكي»، رئيس أكبر الاتحادات العمالية في بريطانيا، الذي يبلغ عدد منتسبيه حوالى مليون ونصف مليون منتسب. فقال في حديث مع صحيفة «ديلي ميرور» إنّ «العمال والموظفين يتعرضون لهجوم شرس من قبل الحكومة، ونحن نستعد لمقاومة هذا الهجوم». وأضاف إنّ الاحتجاجات المقررة في شهر آذار ضد الحكومة «ستكون نتيجتها سقوطها». ورأى أنّ «قوة الشعب تستطيع فعل أي شيء، بما في ذلك إسقاط حكومة التحالف البريطانية». وأضاف إنّ «هذه الحكومة تتوقع من الناس دفع فاتورة ما حصل في أزمة المصارف والمؤسسات المالية الذين هم كانوا سببها من خلال فقدان الوظائف وخفض الإنفاق».
إذاً، بريطانيا أمام خيارين. الخيار الأول هو خطة تقشّفية، يقول بعض الخبراء إنّ تبريرها غير مقنع ومبالغ فيه وسيكون لها آثار سلبية اقتصادياً على الطبقات الوسطى والفقيرة. كما سيتأثر بها الاقتصاد المحلي ويؤدي إلى فقدان القدرة الشرائية عند هذه الشريحة من الناس والتي ستؤثر سلباً على الدورة الاقتصادية في البلد.
والخيار الثاني هو احتجاجات وتظاهرات لن تخلو من أعمال شغب وفوضى، وستشلّ البلد على غرار ما حصل في فرنسا. وفي كلتا الحالتين سيكون الاقتصاد البريطاني هو الخاسر الأكبر.
* مدير موقع «Lebanesenews.co.uk»