صيدا هادئة!


تعليقاً على مقال «صيدا تغلي» («الأخبار»، 26/11/2010):
الحقيقة أنّ مضمون المقال يدلّ على عكس العنوان، فقد استنتجتم في المقال أنّ صيدا لا تغلي وتبنّيتم بشكل أو بآخر رأينا الذي نرى فيه أن الأمر ضجيج إعلامي لا أكثر، وبالتالي أصبح العنوان على الصفحة الأولى لجذب القراء ولفت انتباههم، وهو ما تفعله وسائل إعلام مغرضة تبتغي فقط الإثارة وجذب القراء وأنتم لستم كذلك. أنتم صحيفة ملتزمة لا نبالغ إذا قلنا إنكم في خلال عام واحد استطعتم أن تحتلوا مكاناً رئيسياً في الصحف اليومية في لبنان، بل أصبحت صحيفتكم لا بد منها لكل محلل أو باحث عن الحقيقة، أو عن الخفايا التي لا يعلمها إلا قليل... وبالتالي يصبح هذا المقال نافراً مقارنةً بإنجازاتكم الصحافية المرموقة.
ثانياً: لقد تأخر المقال حوالى أسبوع عن وقته الطبيعي، فأصبح خارج الموضوع بعدما هدأت سورة البيانات إلى حد كبير، وتراجعت إلى الحد الأدنى، وبالتالي يصبح المقال كأنه يفتح الموضوع من جديد، وهذا أيضاً ليس عمل الصحافة الملتزمة.
ثالثاً: أود أن أؤكد مرة أخرى أنّ الملاحظات التي أبداها التنظيم الشعبي الناصري، ونحن وإياه بالتأكيد في خط سياسي واحد، لم تكن تستحق إصدار بيانات بتلك اللهجة القاسية، بل كان يمكن مثلاً أن يجري الاتصال باستخبارات الجيش لتكون الوسيط في إيصال هذه الملاحظات والاعتراضات، وهي المرجع الصالح لمثل هذه التجاوزات، التي نعدّها بسيطة ومحدودة، وخاصةً أنها في المحيط (الأمني لفيلا مجدليون أو ما شابه)...
أما البيانات التي تنتقد الوضع الاقتصادي، وتتخذ موقفاً سياسياً من المحكمة الدولية وشهود الزور وفلتان الموازنة منذ 1993 بدون قطع حساب والهدر المالي وتسييس القضاء والفساد وما إلى ذلك، فنحن مع مثل هذه البيانات طبعاً، عندما تعتمد على أدلة قاطعة وتهدف إلى الإصلاح، وهذا برأينا أجدى بكثير من التعليق على مخالفات أمنية نعدّها محدودة.
رابعاً: إن حديثي عن حادثة تهريب أحد المطلوبين خلال وجودنا جميعاً مجتمعين في دارة آل الحريري للبحث في تفاصيل انتشار الجيش في 20 شباط 2006 ذكرته مع الصحافي ثائر غندور في معرض حديثي عن طريقتي في العمل، فأنا لم أشأ وقتها أن أثير الموضوع إعلامياً، ورأيت أن هذا يعالَج بالاتصالات التي وصلت بالفعل لاحقاً إلى نتيجة ملموسة في هذا الصدد. أمّا الدكتور أسامة، فآثر أن يثير الموضوع إعلامياً، وهو يعدّ هذه الحادثة خطاً فاصلاً بين التعاون مع السيدة بهية الحريري وعدم التعاون... وهذا من حقه، بل قد يكون من واجبه، أمّا أنا، الذي أحمل صفة دينيّة بطريقة رئيسية قبل أيّ صفة سياسية ممكنة، فأسعى إلى الإصلاح والتقريب بين وجهات النظر ما استطعت إلى ذلك سبيلاً... وأحاول قدر الاستطاعة فصل ما يمكن أن يخدم المدينة وأمورنا اليومية عن موقفنا السياسي من الأمور الكبرى في الوطن، وعلى رأسها في هذه المرحلة محكمة الزور والفتنة المسمّاة المحكمة الدولية.
خامساً: لم يضف حصول الرئيس السنيورة على المقعد النيابي الثاني لمدينة صيدا أيّ شيء إلى الحياة السياسية في المدينة، بل لعله سلب منها البساطة والتلقائية والصفة الشعبية، ولا يزال الدكتور أسامة سعد موجوداً بقوة، يختلط بالناس كل يوم ويستمع إليهم وينقل همومهم، ولم تسلبه خسارة المقعد النيابي أية قيمة تمثيلية أو واقعية أو عملية.
سادساً: بالتأكيد لن يستطيع أحد أن يسلب صيدا صفتها المقاومة وتاريخها المشرف ووقفتها المميزة في وجه العدوان الصهيوني إثر اغتيال الشهداء جمال حبال، محمد علي الشريف ومحمود زهرة، وإثر تعاون الجميع في وجه القوات اللبنانية، التي اجتاحت شرق صيدا وهدمت ونهبت مستشفى كفرفالوس، وأحرقت جزءاً مهمّاً من دار آل الحريري في مجدليون، حيث اضطروا وقتها إلى الانتقال إلى صيدا... نستغرب هنا أن يجري طيّ هذه الصفحة، وأن يُفتح الباب للقوات اللبنانية للدخول إلى صيدا دون حتى مجرد الاعتذار عما فعلوه في صيدا وأهلها وشرقها وشمالها وجنوبها... ولله في خلقه شؤون.
وحتّى نكون منصفين، لو استطاع أحد، على سبيل الافتراض، أن يغيّر صورة صيدا المقاومة، بل صورة الوطن المقاوم، فلن يكون المسؤول عن ذلك فقط أعداء المقاومة وأخصامها والقاصرون عن فهمها ودورها، بل سنكون نحن أيضاً مسؤولين عن ذلك بشكل أو بآخر، إما بسوء سلوكنا، بحيث لا نمثّل دائماً قدوة للمقاومين، أو بتسرعنا وسوء تصرفنا، وأيضاً وأيضاً لأننا لا نستطيع أن نؤمّن الوظائف والخدمات الأساسية التي يقدمها غيرنا... ولنا أن نسأل سؤالاً كنموذج:
كم من الناس يستطيع أن يفصل وظيفته ومصدر رزقه المريح عن موقفه السياسي؟ إن أكثر جمهور آل الحريري ليسوا مسيّسين بل دخلوا إلى السياسة من باب الوظيفة التي نالوها، أو الموقع الذي يغدق عليهم ثروات هائلة في السعودية أو الخليج، وهؤلاء جمهورنا. عندما نثبّت وجودنا تثبيتاً كافياً ونمثّل البديل السياسي الناجح والحكيم والواعي سنقول لهؤلاء جميعاً أنتم معنا، وسيكونون كذلك دون شك، لأن قومنا وأهلنا جميعاً يختزنون الكثير من الفطرة السليمة والتلقائية والروح الوطنية الوثّابة، إلّا أننا أحياناً نعجز عن الوصول إلى هذه الفطرة وهذه الروح، ولكن هذا لن يطول.
صيدا المقاومة ستبقى مقاومة، حتى لو تخلى البعض عن هذا الواجب وتاجروا بالمقاومة وباعوها في سوق النخاسة، أو أجّروها أو انقلبوا عليها... ستبقى صيدا صيدا معروف سعد وجمال حبال وقوات الفجر، وستبقى أيضاً صيدا رفيق الحريري الذي ختم حياته بتعهد قاطع أعطاه لسيد المقاومة: أنه لا يمكن أن يأخذ سلاح المقاومة ولا يمكن أن يغدر بها، وسمّى السيّد حسن الصادق الذي يرتاح للعمل معه، وإنما الإعمال بخواتيمها، وبالتأكيد فإن أكثر من يدّعون الانتساب إلى خطه وتياره ليسوا كذلك أبداً ولا يعترفون بهذه الحقيقة المشرقة.
هذا دون أن يمثّل هذا الموقف المشرف الذي ختم به حياته حائلاً دون النظر العلمي والموضوعي في سياساته المالية والاقتصادية وغيرها، للاستفادة من أخطاء الماضي لنصلح المستقبل.
الشيخ ماهر حمود