أجواء الاحتفال تعمّ لبنان، فيما الشعب يسعى ـــ لا لشيء ـــ إلى تخزين المواد التموينيّة تحضّراً وتحسّباً وتخوّفاً. تضمّن استعراض الجيش مشاهد من تدريبات «الكاراتيه»، وإن فاتتنا عروض للعبة الـ«بينغ بونغ» في الاستعراض الخاص بعيد الاستقلال. ومغاوير الجيش تقوم بمهام «دليفري» في العروض، لعرض العضلات والأفاعي في المدارس والنوادي. ومشهد أكل الأفاعي بات أسبوعيّاً، وتزهو به كلّ وسائل الإعلام. قد لا يصدّ الجيش عدوان إسرائيل، لكنّه «بياكل راس الحيّة»


أسعد أبو خليل *
ما قصّة أكل الأفاعي هذه إلى درجة أنّ وسائل الإعلام تذكر الأمر عرضاً: «ونفذ الفوج المجوقل عرضاً خاصاً مميزاً تمثل بالسقوط من الطوافات عبر الحبال الى البر والبحر، والقفز الحر وأكل الأفاعي». هكذا ورد الخبر في موقع «المنار». لا بدّ أنّ هذه العادة مُستقاة من عقود وقرون غابرة، عندما كان «أكل رأس الحيّة» مضرب المثل. فات قيادة الجيش العلم أنّ الجيوش الحديثة لا تستعين بعِلم قبضايات الأحياء وفتوّات المدن. ما علينا. هناك أصول لعروض الجيش، وخصوصاً في عيد الاستقلال، والماريشال للّو المرّ استعرض قوّات الجيش، كما كان المير مجيد أرسلان ـــــ مدعّماً ببعكوره ـــــ يستعرض قوّات الجيش قبل سنوات الحرب. أيّ أنّ لبنان لم يتطوّر سياسيّاً، والدفاع عن لبنان كان نكتة غير مضحكة قبل الحرب، وهو كذلك بعد «انتهاء» الحرب. وكما كان المير مجيد وزيراً هزليّاً للدفاع، فللبنان وزير دفاع مُتخصّص بموضوع عبدة الشيطان، وهو يرمي منتقديه في الإعلام بتهم العمالة لإسرائيل.
وقد كرّست ما تُسمّى الدولة اللبنانيّة تقليداً مُستحدثاً عبر زيارة أضرحة مُتزايدة لـ«عظام» من البلاد. كانت رموز الدولة تضع أكاليل من الزهور على مَن كان يُسمّى أبطال الاستقلال ـــــ هؤلاء الذين ارتبط اسمهم بيوم الاستقلال. لكن رموز الدولة ينثرون الأكاليل يمنةً ويسرة هذه الأيّام. حتى بيار الجميّل (أوّل مُتلقّي لمال إسرائيلي في انتخابات نيابيّة) حظي بإكليل في بكفيّا وانتشى بدور التمثيل الرسمي، طارق متري مُكتسياً ابتسامة تعهدها على وجوه حاشية قريطم. لماذا بيار الجميّل، وقد كانت منظّمة الكتائب الفاشيّة مُتحالفة مع المُستعمِر بالرغم من مسرحيّة إصابة بيار الجميّل في رأسه (وهناك مَن زار ضريح عدنان الحكيم للتوازن الطائفي). وهناك أيضاً إكليل من الماريشال للّو المرّ على تمثال الأمير فخر الدين. فخر الدين؟ التاريخي أم ذاك المُنتج في مخيّلة سعيد عقل؟ لم يبق سياسي من الأموات لم يصبح رمزاً لـ«معركة» الاستقلال. ولكن، أين الأكاليل لهؤلاء السياسيّين الذين استماتوا من أجل إبقاء الاستعمار الفرنسي؟ أين هي ذكرى حلفاء الاستعمار الفرنسي في لبنان؟ هل سيُنثر إكليل من الزهر على قبر سعد حدّاد في المُستقبل؟ لماذا لا يتذكّر المنهج الدراسي اللبناني هؤلاء من «عظماء» التاريخ اللبناني الذين كانوا عوناً للاستعمار، مثل إميل إدّه وألفرد نقّاش ـــــ والإثنان أقاما علاقات وثيقة جدّاً مع الحركة الصهيونيّة؟ أما شهيد الاستقلال الحقيقي، سعيد فخر الدين، فما تذكّرته الدولة.
وعرْض الجيش في يوم الاستقلال يكرّس البديهي: هو أقرب إلى فرقة كشفيّة منه إلى جيش وطني. يتحدّث بأمور منع الفتنة ـــــ على أهميّة الهدف ـــــ واستعراضاته أشبه بالعروض الكشفيّة ومشهد الناقلات والدبّابات ـــــ حتى لا نتحدّث عن طائرتيْ «الهوكر هنكر» اللتين تطيران ويطير معهما «مجد» لبنان (كم كان مخجلاً عرض طائرة الـ«سيسنا» في عرض الاستقلال). وهذه السنة، زاد الجيش على مهامه رمي الورود من الجوّ. كان هذا المشهد مُقلقاً، وخصوصاً بعد افتضاح أمر كذبة منحة طائرات الـ«ميغ» الروسيّة، التي لم يتورّع الماريشال للّو المرّ عن الزهو بها في برامج تلفزيونيّة تدليلاً على مهارته في اقتناء أسلحة ـــــ لا تصل ـــــ إلى الجيش اللبناني. ثم ما دور الورود في مواجهة عدوّ لا يدّخر وحشيّة في حروبه ضد العرب؟ ولم ترد الطبقة اللبنانيّة الحاكمة للشعب أن يلاحظ أنّ طائرات إسرائيليّة مُعادية حلّقت فوق العرض العسكري في تذكير واضح باستباحة أراضي لبنان وأجوائه من قبل عدوّ لا ينفك عن تكرار تهديداته للبنان. طائرات إسرائيليّة عدوّة تحلّق فوق عرض عسكري لبناني في عيد الاستقلال: هل هناك حاجة الى الاستفاضة؟
لكن هناك ما هو أعمق. من الممكن طرح بعض الأسئلة المشروعة عن صوابيّة الاحتفال بعيد الاستقلال. ماذا لو أنّ الشعب اللبناني لم يتبلّغ رسميّاً بعد أنّ لبنان لم يستقلّ؟ ماذا لو أنّ استقلال لبنان كان خدعة مقصودة من النخبة السياسيّة الضيّقة التي حكمت لبنان عبر العقود؟ وماذا لو أنّ عيد الاستقلال يجب أن يتأجّل بانتظار استقلال فات لبنان منذ استقلاله المُعلن؟ لكن، ماذا لو أنّ لبنان الرسمي (وبعض الشعبي) يرفض أن يستقلّ، وماذا لو أنّ الواقع الطائفي البغيض يتناقض مع هدف الاستقلال الحقيقي لأنّ الطوائف تحارب بعضها بعضاً عبر رسم سياسات خارجيّة خاصّة بها، من دون التوصّل إلى تبنّي سياسة خارجيّة جامعة؟

ما دور الورود في مواجهة عدوّ لا يدّخر وحشيّة في حروبه ضد العرب؟
ويمكن التنويه بالفوارق بين لبنان وسوريا بالنسبة الى الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي ـــــ إنّ الهيام بالاستعمار الغربي بلغ في لبنان درجة يتمنّع فيها الساسة، بالإضافة إلى المناهج الدراسيّة، عن استعمال وصف المُستعمِر في إشارة إلى المُستعمِر الفرنسي. إنّ سوريا تستحق أكثر من لبنان الاحتفال بعيد الاستقلال ـــــ بصرف النظر عن النظام السائد الآن ـــــ لأنّ التاريخ السوري المعاصر في حقبة الانتداب الفرنسي زخر بمحطّات نضاليّة وانتفاضات وثورات، كان لبنان في الغالب بعيداً عنها. لا شك أنّ الإصرار السوري على الاستقلال لم يتوازَ مع إصرار لبناني. حتى إنّ العنفوان الشعبي السوري انعكس في استفادة لبنان من معاهدة 1936 مع فرنسا، مع أنّ المُستعمِر ما لبث أن أهمل توقيعه عليها. ثم إنّ لبنان كان دوماً يسوده منطق بقاء الاستعمار الغربي إلى ما لا نهاية.
لماذا لا تدرج المناهج المدرسيّة قصّة زيارة الجنرال كاترو إلى بكركي في عزّ التحدّي الفرنسي لنزعة الاستقلال قبيل الاستقلال الرسمي بأسابيع؟ هناك في بكركي، استقبلت الجموع الحاشدة الجنرال كاترو «وحملوه على الأكفّ إلى الداخل» (راجع وصف منير تقيّ الدين في كتاب «ولادة استقلال»، ص. 184 ـــــ 185). وكان «رئيس جمهوريّة» لبنان قبل الاستقلال، مثل ألفرد نقّاش، لا يجد حرجاً في أن يهتف «تحيا فرنسا» (راجع نص جوابه على إعلان الاستقلال في كتاب بيار زيادة، «التاريخ الدبلوماسي لاستقلال لبنان»، ص 162). كما أنّ البطريرك الماروني كان مصرّاً على تأكيد «مشاعر الصداقة» مع فرنسا، فيما كان القادة المُنتخبون في لبنان في الاعتقال (راجع نص التقرير الذي رفعه الجنرال كاترو إلى ديغول آنذاك). البطريرك الحويّك كتب في رسالة له: «لا غنى لنا عن الإفرنسيّين». (النص عند يوسف السودا، «في سبيل الاستقلال»، ص 400).
تستطيع أن تعود إلى الفكر المُؤسِّس للكيانيّة اللبنانيّة، إلى نماذج من كتابات أمثال يوسف السودا (تحدّث مئير زامير في كتابه الأوّل عن تكوين لبنان عن دور «الاتحاد اللبناني» السياسي). تكتشف، أو تتيقّن، من خلال كتابات الأوائل في التنظير اللبناني، مثل السودا في كتابه «في سبيل لبنان»، أنّ روّاد الفكرة الوطنيّة اللبنانيّة لم يريدوه أن يكون مُستقلاّ. تستطيع أن تقول إنّ هؤلاء نظّروا وروّجوا لكيان غير مستقلّ. عند هؤلاء، كما اقتضت عنصريّتهم وتعصّبهم المفضوح والصارخ، يجب على لبنان ألا يكون مستقلاّ لحماية نظامه من الواقع الديموغرافي المُتغيّر ومن أهواء الشعب العربي. تخيّل هؤلاء وطناً مزروعاً من الرجل الأبيض في قلب الشرق العربي. يقول يوسف السودا: «وقد أكبرت أوروبا تفاني اللبنانيّين في سبيل استقلالهم فقرّرت التدخل في شؤونه». («في سبيل لبنان»، ص 9). أي أنّ السودا يرى في تدخّل الغرب في شؤون لبنان ضماناً للاستقلال كما يرى اليوم حلفاء جون بولتون في تدخّل أميركا في كلّ شؤون لبنان ضماناً للاستقلال. أيّ أنّ استقلال لبنان عند فريق 14 آذار (أو أسلافهم في الشوفينيّة اللبنانيّة) هو خطر على لبنان. ووفق تعداد السودا، فإنّ استقلال لبنان يُقاس لا بمعايير السيادة الحقيقيّة وتقرير المصير، بقدر ما يُقاس بارتباط لبنان الطائفي بالغرب المسيحي. اسمعه (واسمعيه) يقول: «لبنان كان حائزاً استقلاله يوم لم يكن لأكثر دول اليوم وجود في عالم الأمم المستقلّة». (ص 12). (والسودا هو من أوائل المُروّجين لترّهات في التاريخ القديم والحديث عن لبنان، التي عاد واعتنقها فؤاد أفرام البستاني وسعيد عقل، إذ يروي: «أثبت علماء اليوم أنّ مهد الحضارة والعلوم والمعارف هو فينيقيا، لا اليونان، وأنّ فينيقيا أحقّ بتلك الكرامة الجلّى التي لليونانيّة في العالم» (ص 20) ـــــ وهذا عن مجموعة من الفئات المُتصارعة التي لم تترك أثراً مكتوباً).
وكما أنّ اليمين اللبناني عمل في استدعائه واستدراجه واستجدائه للجيوش الأجنبيّة على الترويج لأفعاله بشعارات السيادة والاستقلال، فإنّ السودا رأى في «العون» الذي قدّمه «لبنان» للغزاة الصليبيّين تدعيماً للاستقلال (لـ«لبنان» معنى طائفي فقط، عند السودا وغيره من مؤسّسي الفكرة اللبنانيّة البغيضة حتماً، سابقاً وحاضراً ومستقبلاً): «فمساعدة لبنان للروم على العرب تثبت استقلال لبنان منذ هاتيك الأيام واستبسال ذلك العنصر اللبناني (أي عنصر؟) في الذود عن حريّته وامتيازات بلاده» (ص 51). وعليه، تكون الحركة السياسيّة ـــــ الميليشيويّة التي قادها آل الجميّل في الحرب الأهليّة اللبنانيّة ـــــ بالنيابة عن آمر إسرائيلي، تستحق عناوين السيادة والاستقلال. كما أنّ الحركة السياسيّة لآل الحريري، قبل اغتيال رفيق الحريري، وبعده، ترتدي عباءة «الاستقلال الثاني» عنواناً لها، مع أنّها حركة ذيليّة في خطة أميركيّة ـــــ سعوديّة ـــــ إسرائيليّة أكبر للمنطقة برمّتها. ولا يلفت في الخطاب السياسي اللبناني المفارقة في مصطلح «الاستقلال الثاني»، وكأنّ هناك أكثر من استقلال. لعلّ تحالفهم العلني المُحتمل مع إسرائيل في مرحلة قادمة سيرتدي عنوان «الاستقلال الثالث».
ثم، كيف يمكن أن نتكلّم على استقلال للبنان فيما كانت الطبقة السياسيّة التي تتمتّع برعاية المُستعمر هي إيّاها التي رفعت لواء الاستقلال، بينما كان المُستعمر يحزم حقائبه ـــــ وليس ذلك بفضل موقعة بشامون بكلّ تأكيد (مثلما جاهر بعض السياسيّين في لبنان بالمطالبة بخروج القوات السوريّة في لبنان... بعد خروجها). في الدول النامية، تكون الطبقة السياسيّة التي تصعد بعد الاستقلال طبقة متضادة مع الطبقة التي سادت في عهد الاستعمار. حتى إميل إده وحزب الكتائب اللذان كانا من المطالبين بالاستعمار الفرنسي، عادا وازدهرا في مرحلة ما يسمّى الاستقلال. يجب أن يعيد لبنان النظر بكل رجالات الاستقلال كي يتبيّن الشعب في مسخ الوطن حقيقة أدوارهم. رياض الصلح يخضع اليوم لإعادة ترويج بأموال الأمير الوليد بن طلال الغزيرة. وباتريك سيل الذي قَبِل أن يكتب سيرة تبخيريّة تبجيليّة للأمير خالد بن سلطان (الذي قاد القوّات السعوديّة في الصراع مع الحوثيّين، الذي أدّى إلى هزيمة شنيعة ومُذلّة للقوات الخاصة السعوديّة، إذ هرب معظم رجالها بعيداً عن أرض المعركة)، كتب سيرة هاغيوغرافيّة عن الصلح (كتب فيها الرفيق بدر الحاج مراجعة نقديّة مهمّة هنا في «الأخبار»).
كلام باتريك سيل عن جهود رياض الصلح لتوحيد العرب ضدّ إسرائيل مختلق من أساسه
وماكينة آل رياض الصلح وأموال الوليد تجهد منذ مدّة للترويج لصورة برّاقة لرياض الصلح. هو «بطل الاستقلال» في المفهوم اللبناني، ويكفي أنّه كان يقضي بعض الوقت يتبادل أطراف الحديث مع بيار الجميّل في صيدليّة الأخير. غير أنّ اجتماعات الصلح السريّة والعلنيّة بالقادة الصهاينة (بمن فيهم حاييم وايزمن ـــــ وقد أدى دور الوسيط بينه وبين زعماء عرب آخرين ـــــ وديفيد بن غوريون) مذكورة عند بعض المؤرّخين وإن بقيت مجهولة لدى معظم الطلبة في مدارس لبنان. (يُراجع كتاب آفي شلايم الأوّل «التواطؤ عبر الفاصل»). لكن الأمر الأخطر هو حول علاقة الصلح بالمنظمة الصهيونيّة المركزيّة، ويجب التمعّن في هذا الشأن قبل إصدار أحكام. لكن هناك إشارات مقلقة، وخصوصاً في مجلّدات الأوراق الخاصّة والرسائل لحاييم وايزمان، أوّل رئيس لدولة العدوّ.
كنت أقرأ في تلك الأوراق في سنوات التخصّص الجامعي بمكتبة جامعة جورجتاون عندما لفتتني الإشارات إلى الصلح. فقد ورد في تلك الأوراق (وهي مذكّرات غير منشورة، ج 10، ص 280) خبر اتصال إلياهو ساسون برياض الصلح (وساسون هذا صلة الوصل بين الحركة الصهيونيّة والزعماء العرب الذين سعى إلى تجنيدهم، ونجح في إقامة الصلات المبكّرة مع حزب الكتائب اللبنانيّة، بحسب كتاب كرستن شولتز عن «دبلوماسيّة إسرائيل السريّة في لبنان»). وفي الإشارة إلى رياض الصلح في الكتاب، يورد محرّر المجلّد المذكور، برنارد واسرتين، في سياق حديثه عن اجتماع سرّي في منزل المموّل الصهيوني روتشيلد مع وايزمان، أنّ الصلح كان «خاضعاً لالتزام مالي مع الصهاينة» (أي أنّه كان يتلقّى مالاً منهم). وقد تطوّع الصلح في تشرين الثاني 1921، وبعد لقاء خاص مع وايزمان، لإقناع مجموعة من «السوريّين» باللقاء مع الصهاينة بمَن فيهم صديقه وايزمان نفسه. فتمّ الاجتماع في 18 آذار 1922 في القاهرة (وذلك بحسب أوراق وايزمان نفسها، المجلّد 11، السلسلة ألف، الرسالة رقم 75). وفي بيان رسمي أمام اللجنة التنفيذيّة للمنظّمة الصهيونيّة في أكتوبر 1921، ذكَرَ وايزمان أنّ الصلح كان مستعدّاً «لقبول الصهيونيّة ووعْد بلفور كأمر واقع». (الأوراق والرسائل الخاصّة لوايزمان، المجلّد 1، السلسلة باء، ص 334). وفي الصفحة نفسها، أشار محرّر السلسلة والمجلّد (وهو غير المُحرّر الأوّل) إلى أنّ الصلح كان مدفوعاً من الصهاينة، وأنّه كان في مهمّة اتصال سلمي مع اليهود حين اغتيل. وفي هذا الصدد، يمكن التأكيد والجزم، أنّ ما قاله باتريك سيل في كتابه (وخصوصاً في الفصل الأخير) عن جهود من قبل الصلح في آخر أيّامه لتوحيد العرب ومواجهة إسرائيل هو مختلق من أساسه، ولا أساس له من الصحة على الإطلاق، ولم يستعن سيل بأي مرجع يدعم تلك المزاعم.
الحاجة ماسّة لمراجعة كل المُسلّمات الوطنيّة اللبنانيّة. ماذا تقول في وطن تأسّس على الأكاذيب والخزعبلات والأباطيل والتخيّلات الطائفيّة والعنصريّة؟ لكن الاحتفال بالاستقلال في لبنان، وفي هذه الأيام بالذات، يظهر فاقعاً ومُستفزّاً. وعلى الجيش اللبناني إظهار مقدار أكبر من التواضع، وخصوصاً أنّ مهمّة التصدّي للعدو الإسرائيلي ـــــ وهي مهمّته الأساسيّة التي يتلقّى على أساسها أموال دافعي (ودافعات) الضريبة على القيمة المُضافة ـــــ وقعت في أحضان صبية ورجال متطوّعين في الجنوب اللبناني وفي مواجهة بطوليّة مع إسرائيل. إنّ مشاهد الاحتفال بالاستقلال، بما فيه القتال بالعصيّ والإنزال وانتشال العناصر من البحر وعرض كلاب مُدرّبة فيها رسالة لا لبس فيها: عقيدة الجيش القتاليّة هي في مواجهة عدوّ داخلي، لا خارجي. والأسلحة التي يتلقّاها الجيش من روسيا أو أميركا أو من بعض الدول العربيّة لا تمرّ من دون إذن إسرائيلي، أو تغاضٍ إسرائيلي. إذا كان استعراض الجيش العسكري في عيد الاستقلال هو تعبير عن جهوزيّته، فالرسالة لا تطمئن. هي تعني أنّ المقاومة ستكون في الميدان وحدها، فيما يتغنّى الجيش بـ«بطولاته» (الزائفة) في مجزرة «نهر البارد». ولماذا لم يتضمّن العرض العسكري هذه السنة تمثيلاً لاستدعاء استخبارات الجيش لمدوّنين وصحافيّين لإزعاجهم؟
لكن انتحار الاستقلال أُنجز على يد فريق رفيق الحريري السياسي. كلّ مؤسّسات الدولة اللبنانيّة باتت خاضعة بالكامل لإرادة المحور الأميركي ـــــ السعودي ـــــ الإسرائيلي. القضاء اللبناني اليوم يأتمر بأمر فريق قضائي يخضع لإرادة الولايات المتحدة في مجلس الأمن (وأوباما يقول في رسالته الاستقلاليّة إنّ المحكمة ضروريّة «لمنع الاغتيال». هل هناك مَن يسأله لماذا لم تشكّل أميركا محكمة دوليّة لمحاكمة إرهابيّي 11 أيلول؟ ولماذا رفضت أميركا طلب عائلة بنازير بوتو لتشكيل محكمة خاصّة باغتيالها؟) ويزايد الفريق «السيادي» ذاته في الامتعاض من أيّ مطالبة بالقليل من السياديةّ: نحن لا نستطيع التأثير على «الشرعيّة الدوليّة» ـــــ القليل من التعلّم من إسرائيل هنا يفيد. يستطيع قضاة من جنسيّات تتمتّع بحق ثنائيّة الجنسيّة (بما فيها الإسرائيليّة) في لاهاي أن تأمر قضاة من لبنان، وأن تأمر وزير العدل ـــــ وكلّ ذلك بطلب من حكومة السنيورة (غير) المتواطئة مع العدوان (والحكومة تلك تستحق صفة المقاومة التي أسبغها عليها نبيه برّي، مثلما يستحق سعد الحريري صفة العبقريّة ومثلما يستحقّ باسم السبع صفة الكاريزما).
كانت الإدارة الماليّة في لبنان تُعدّ في السرّ بترتيب من «مطبخ» رفيق الحريري وبالتواطؤ مع مؤسّسات ماليّة عالميّة لها من الاهتمام بمصلحة الشعب في لبنان ما لآل نهيان من الاهتمام بقضيّة شعب فلسطين. وقد وضع رفيق الحريري في حكومة ظلّه التي أدار بها أجهزة الدولة، مندوبين (ومندوبات) من منظمات دوليّة لا رقابة على أعمالهم وأدوارهم. أما الأمن، فهذه الطامة الكبرى. فقد تحوّلت أجهزة قوى الأمن الداخلي إلى ميليشيا خاصّة بآل الحريري، ولا يجد فيها مديرها أيّ حرج في إصدار بيانات سياسيّة يتهم فيها ويُجرّم. ولا شك أنّ المؤسّسة تلك استفادت من رعاية ودعم وإدارة (وفرض لتعريف الإرهاب) من الولايات المتحدة ومن الحكومات العربيّة الذيليّة. حتى تعريف العدوّ بات مُستورداً من الحكومة التي ترعى إرهاب إسرائيل.
أما الرؤساء في لبنان فهم يُختارون من قبل عواصم عربيّة وغربيّة (أما الانتخاب الفاصل في عام 1970 فقد كان بين فريقيْن خارجيّين مُتصارعيْن). والمال السعودي يفرض أن يتربّع أحمد ونادر وسعد الحريري في نخبة دفّة السلطة في لبنان. لا، لم يحن أوان الاحتفال بالاستقلال بعد: لا استقلال في ظلّ قوّات احتلال غربيّة أتت لحماية العدوّ، وفي ظل تحليق جوّي أسبوعي من طائرات العدوّ. هذا لا يمنع الاحتفال بصحن الحمّص العملاق عبر أكل رأس الحيّة.
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)